العولمة وهدم القيم.. قراءة في مسرحية «ملحمة السراب» لسعد الله ونوس
العولمة وزيادة الهيمنة الغربيّة
اختلفت تعريفات
العولمة وتنوعت تنوعًا واسعًا؛ بسبب اختلاف زوايا الرؤية المتعددة التي يتم رصدها
من خلالها، وبسبب تبايُن وجهات النظر حولها؛ وذلك لتغلغلها في مجالات عدّة من قبيل
السياسة والاقتصاد والثقافة والسلوكيات المجتمعيّة؛ وهي في مجملها تشير إلى «تنميط
العالم ضمن نسق واحد متجانس»، وبالتبعية لن يضع حدود هذا النسق الأوحد المتجانس
إلا أصحاب الهيمنة الأقوى على العالم، من حيث القوة العسكرية والسياسية
والاقتصادية والحضاريّة.
ولنقل بشكل
أدقّ: إنها هيمنة الحضارة الغربيّة التي كان تبعاتها –تحت ستار العولمة– سيطرة رأس
المال، واستحواذه على الأسواق بشكل حرّ يخترق الحدود الإقليمية، وفرض مجموعة من
القيم العامة على العالم؛ ما أفضى إلى زيادة الهيمنة الغربيّة، وإبرازها على أنها
الصورة المثالية للحياة التي تتطلع إليها الإنسانية.
نموذج تمثيلي للعولمة في مسرحية «ملحمة السراب»
يقدم الكاتب
السوريّ سعد الله ونوّس (1941 – 1997م) معالجةً لهذه القضية في مسرحيته الأخيرة
«ملحمة السراب» الصادرة سنة 1996م، التي تُصوّر قرية ريفيّة صغيرة تقوم حياتها
الاقتصادية على الزراعة، وتستمد مقوماتها الثقافية من الدين والموروث التراثي
الأصيل، وقد تعرضت القرية لتحولات مهولة بعد عودة ابنها الغائب «عبّود الغاوي»
الذي أثرى ثراءً فاحشًا، وزَعَمَ أنه عاد لقريته كي يقيم مشروعات اقتصاديّة تنتشل
القرية من فقرها، وتضعها على ذروة التقدم الحضاري.
تبدأ الموجة
الأولى من تصاعد الأحداث مع تكالب الفلاحين على بيع أراضيهم لهذا العائد الثريّ
الذي يشتريها بستة أضعاف قيمتها الفعليّة؛ وفي فترة وجيزة استحوذ هذا الثري الوافد
على معظم أراضي القريّة، ومن ثمَّ تمكن من تحويلها إلى «مولات تجاريّة»، و«منتجعات
سياحيّة»، و«أماكن ترفيهية» تقدّم فيها الفنون الرخيصة، وتُمارس فيها الفواحش.
وعلى هذا النحو
استرد الأموال التي دفعها لأهل القريّة عندما تحولوا إلى ثقافة الاستهلاك عوضًا عن
الإنتاج، فضلاً عن زعزعة القيم الأخلاقية الراسخة من خلال نشر الانحرافات
السلوكيّة، وفرضها باعتبارها أمرًا واقعًا مقبولاً لا يلاقي استهجانًا أو إنكارًا
إلا من قلة قليلة محدودة للغاية من أهل القرية.
وقد استطاع فرض
هذه القيم الجديدة مستعينًا بأقطاب القرية الكبار، وزعمائها الدينيين المرموقين،
وغيرهم من ذوي الكلمة النافذة والمكانة الاجتماعية الراسخة، فتحوَّل هؤلاء الأقطاب
بدورهم إلى أدوات في يده بعد إغوائهم ماليًّا وجنسيًّا.
تحولات اقتصادية وثقافية تتهاوى معها منظومة القيم
وسنجد مجموعة
القيم تتهاوى تباعًا بعد هذه التحولات الجديدة التي طرأت على القرية، فقيمة العمل
الشريف والنضال من أجل لقمة العيش تتهاوى بعد بيع الفلاحين أراضيهم الزراعية،
وإيداع أموالها في شركات توظيف الأموال التي يملكها «عبوّد»، بتشجيع من إمام
القرية وخطيبها.
وقيمة الفن
الأصيل تتراجع تمامًا عندما يُستدعى مطرب القرية (الذي يحفظ المواويل التراثية
القديمة الأصيلة الموروثة) ليقدّم فنه في أحد المحافل المقامة في المنتجع السياسي؛
فإذا بموجة من الموسيقى الغربية الصاخبة تقتحم موَّالَهُ، ويكتسح صوتُها صوتَ
الأصالة الموروثة!
وتنهار المكانة
الاجتماعية عندما يلهث كبراء القريّة وراء بنات الليل، ويتّخذون منهنّ زوجاتٍ؛
فضلاً عن تزويج بنات الكبراء والوجهاء لمن هم دونهنَّ كفاءةً من الساقطين والرعاع؛
لأن هؤلاء الساقطين نالوا نصيبًا من الثروة؛ ولهذا تصبح الثروة معيار الكفاءة بين
الزوجين، ويتطاول السِفْلَة فيكون في وسعهم مصاهرة العائلات الكبيرة ذات التاريخ
العريق.
وأخيرًا، تُهدم
القيم الأُسريّة حينما يتسبب المال في الطلاق بين الأزواج، والخصام والتدابر بين
الإخوة، ويصل الأمر إلى ذروته حين يتقاتل الأَخَوَان؛ فيقتل أحدهما أخاه طمعًا في
الثروة!
مؤثرات فنيّة من الأدب العالمي
وقد استلهم
الكاتب في مسرحيته جانبًا مهمًّا من جوانب مسرحية «فاوست» التي كتبها الأديب
الألماني الكبير يوهان جوتة (1749 - 1832م)، و«فاوست» بطل هذه المسرحية هو شاب
أفنى حياته في طلب العلم؛ وعندما أدركه الكِبَرُ، وهزمته الشيخوخة وقع في نفسه أنه
أضاع عمره هباءً؛ وأنه حَرم ذاته من الاستمتاع بأطايب الحياة؛ وفي ساعة ندمه تجلى
له الشيطان، ومنحه ربعَ قرنٍ من الشباب الدائم والفتوّة المتجددة؛ يقبض روحه بعدها.
ولما استرد «فاوست»
شبابه فسقَ وقتلَ وفجرَ ومارس كل صنوف الرذائل والفواحش، مطمئنًا إلى ديمومة
شبابه، وضمان استمرار حياته طوال المدّة المتفق عليها.
لكنه في السنوات
الأخيرة من تلك الحياة الممنوحة له وقع في حب فتاة نزعت من قلبه تلك الغواية، وقد
راوده الشيطان عن تركها، وأراد له أن يستبدل بها أجمل نساء الأرض؛ لكنه لم يرض
عنها بديلاً، وعندما انتهى الأجل المضروب هزَمَ «فاوست» الشيطان، واحتفظ بحبيبته
وبحياته، فانتصر الحب على الشر والرذيلة.
وهذه الأحداث
يعاد صوغها على نحو موازٍ في مسرحيّة «ملحمة السراب»؛ فعبود الغاوي كان حليفًا
للشيطان أيضًا، وقد وهبه الشيطان (الذي يرافقه متمثلاً في صورة إنسيٍّ خادمٍ أحدب)
كل هذه الثروة، ومنحه شبابًا دائمًا يتجدد تلقائيًّا كلما تزوج فتاة عذراءَ من
فتيات القريّة.
وفي نهاية
المسرحيّة نجد عبود الغاوي وقد تسلط عليه الندم وتأنيب الضمير، وأصر على الاحتفاظ
بزوجته الأخيرة «رباب» عند مغادرته القرية.
ولا شك أنَّ
رباب هي الشخصية الموازية لشخصية «مارجريت» حبيبة «فاوست»، واسم «رباب» نفسه مأخوذ
من تسمية «السحاب الأبيض»؛ ما يدل بشكل رمزي على التطهّر والصفاء والسمو وإعادة
الحياة إلى الأرض الخَرِبَة الميّتة بالإِمْطَارِ، ولهذا تثير المسرحية من وراء
أحداث هذه المنظومة السرديّة القصصيّة رؤية فلسفيّة عميقة، وتساؤلات إنسانية
وجودية تتعلق بمسؤولية الإنسان عن أفعاله، وقدرته على الفكاك من تأثير الغواية،
وإمكانية مواجهته الخرابَ متطهِّرًا بالحب.
مؤثرات فنيّة من التراث العربي
وعلى جانب آخر،
تستلهم المسرحية أسطورة «زرقاء اليمامة» العربية القديمة، تلك الفتاة التي كانت
تبصر الأعداء على مسيرة أيام، وعندما استتر الأعداء بالشجر نبَّأتْ قومَها بالشجر
الزاحف نحوهم، فسخروا منها، وتجاهلوا تحذيرها، فكانوا ضحية لأعدائهم.
وقد اسُتُلهمت
هذه الأسطورة في أعمال أدبية متعددة، من أشهرها قصيدة «البكاء بين يدي زرقاء
اليمامة» التي كتبها الشاعر الراحل أمل دنقل (1940 - 1983م).
وتبدو زرقاء
اليمامة في هذه المسرحيّة باسمها التراثي الفعليّ «الزرقاء»، وتتراءى محذرة قومها
من الخراب الذي سيحل بالقريّة من جرَّاء «حليف الشيطان»، وهي تخسر ولدَيْها اللذين
اقتتلا في النزاع على الثروة، ثم تخسر حياتها عندما يقتلها أهل قريتها بعد تحذيرها
لهم من هروب حليف الشيطان، والخراب القادم نحو القرية بعد رحيله؛ لكنهم تجاهلوا
هذه النصائح، واستحلوا دمها، في إشارة رمزيّة إلى ما يمكن اعتباره قتلاً للضمير،
وتماديًا في الغواية مع كل ما يتراءى من أمارات الخطر القادم، والمستقبل المحفوف
بالأهوال!
ولعل الكاتب قد
أراد لها أن تكون رمزًا ذاتيًّا شخصيًّا؛ فهو يرمز لذاته باعتباره نموذجًا للكاتب
والمثقف العربي المناوئ للهيمنة الغربيّة، وما يحمله الغد من أخطار مجهولة!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً