اليوم العالمي للغة العربية
دُرَّة الغواص .. اللغة العربية في عيون الشعراء
اللغة العربية والهويّة وارتباطها بالمقدس:
ترتبط اللغات – على اختلافها وتنوعها – بهوية أصحابها؛
إذ يتحقق من خلالها انتماؤهم، وتتضح طبيعتهم القوميّة، وانتماءاتهم الثقافية؛ على
أن للّغة العربيّة تميّزًا يحقق لها خصوصيةً وانفرادًا تمتاز به من بين سائر
اللغات؛ فهي فضلا عن عراقتها التاريخية، واتساع رقعة المتحدثين بها، وتميّزها
البنائي في تكوينها النحويّ والصرفيّ والعروضيّ، وسعة ألفاظها لحدّ يتجاوز ملايين
المفردات (مقارنةً بضآلة الحصيلة اللفظية لغيرها من اللغات)؛ هي – فضلاً عن ذلك
كله – ذات أبعاد روحيّة مقدّسة لارتباطها الوثيق بالقرآن الكريم الذي يقوم إعجازه
على جماليات البيان العربيّ؛ وتتجلى في آياته الكريمة عبقرية اللغة وتميزها، ولهذا
السبب الأخير، ولغيره من الأسباب الحضاريّة التي تستند إلى إرث ثقافي عريق كان
العربي شديد الاعتزاز بلغته، حريصًا على إجادتها وإتقانها وتذوّقها والإبقاء على
شموخها؛ حتى في عصور الضعف والانحطاط؛ لأنها ليست مجرد لغة حديث يستعاض عنها
بغيرها؛ وإنما هي آصرة تربطه بدينه وتاريخه، وتحفظ وجوده وبقاءه؛ مهما تكالب عليه الأعداء،
وهيمنت الثقافات الدخيلة.
الاستئناس بالعربية، وازدراء العجمة:
وهذه الخصوصية التي تتمتع بها العربيّة كانت محفّزًا
شعريًّا يدفع الشاعر العربيّ في كل العصور؛ لا سيما عصرنا الحديث إلى الإشادة بها،
أو الافتخار بالانتماء إلهيا، واستهجان العجمة واللحن والركاكة والضعف، بله
الاستئناس بها، والوحشة من غيابها، من لدن المتنبي (303هـ- 354 هـ) الذي استوحش
العجمة وهو في طريقه إلى بلاد فارس:
وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها * غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ
فاغترابُ (الفتى العربيّ الشاعر) يحول دون تحقق كماله
الإنساني المنشود؛ إذ تفضحه قَسَمَاتُ الوجه العربيّ الذي لا يجد خِلْقَةً تماثله،
ويتجلى الاغترابُ على أظهر ما يكون في غياب فاعلية اليد وعجزها، وأخيرًا في غيبةِ
اللسان العربيّ؛ فالشاعر – وإن كان في وسعه التواصل بلسان أعجمي أو بوسائط الترجمة
– لا يتخيل أن له كيانًا يُعتدّ به حين تغيب فاعلية لسانه العربيّ!
وقد جعل المتنبي من هذه (العجمة) التي يتضعضع بها اللسان
العربيّ سُبّةً وانتقاصًا يمكن أن يكون موضع هجاءٍ وسخرية، وهو حين يهاجم الشعراء
المناوئين له في بلاط سيف الدولة إنما يزدري قصورهم اللغويّ، وانحطاط ألفاظهم التي
يتشدقون بها:
بأي (لفظٍ) تَقولُ الشعرَ زِعْنِفَةٌ * تَجوزُ عندَك لا عُرْبٌ ولا عَجَمُ؟
والسؤال الاستنكاري الساخر الذي يطرحه المتنبي إنما يسلب
عروبةَ هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم شعراء، يسلبها من حيث الانتماء الثقافيّ
والحضاري، فهم ليسوا عجمًا؛ لأن أنسابهم القَبَلِيّة أنسابٌ عربية من حيث المولد
والانتماء العِرقيّ؛ لكنهم – أيضًا – ليسوا عربًا؛ لأن (ألفاظهم) لا تدلّ على أنهم
مُكَنَاءُ في العربيّة.
الفخر بانتساب الشاعر وشعره إلى العربيّة:
وفي مقابل (غربة الشعر اللغويّة) المسْتَهْجَنَةَ
المُستَنْكَرة يمكن أن نجد فخرًا بانتساب الشعر وشاعره إلى العروبة، وتمكّنه منها
وإجادته فيها، ومن الأشعار القديمة التي تتمثل هذا الفخر بالعربية قول الشاعر
العُمَانيّ سليمان النبهاني (1446م – 1510م) واصفًا شعره:
قد أُرْسِلُ (العَرَبِيَّ) أمْثَالاً يحُلنَ لدَيَّ
عِقْدا
فِقرًا تخرُّ لها العُقُولُ إذا مَرَرْنَ بهن هدَّا
وتقدير الكلام: (أُرسلُ الشعرَ العربيّ)؛ لكن الشاعر قد
استعاض بالوصف عن الموصوف المحذوف، مكتفيًا بصفة (العروبة) التي تكفي لوحدِهَا
للتعبير عن فخامة الشعر وعلوّه، ثم يعقب البيت بآخر يوضح فيه مظاهر الإبهار الذي
لا تستطيع العقول تصوّره، وهذا الإبهار – بطبيعة الحال – تبعة من تبعات انتساب
الشعر إلى العروبة على وجه التحديد والخصوص.
عروبة الشعر الحقّة في انتسابه إلى اللغة العليا، والفن الباذخ:
وتظل (عروبة الشعر) بابًا من أبواب الفخر الممتد إلى
عصرنا الحاضر، وهذه العروبة تتجاوز – بالطبع – الانتماء اللغويّ المجرّد؛ إذ لا
يتعلق الأمر بالإبانة والإفصاح والتواصل والفهم والإدراك، وتلك غاية تقوم بها
اللغة في أبسط تكوين لها، ولعلها تتحقق بشكل أكبر في المستوى الأدنى من مستويات
الفصاحة دون تأنّق أو إبداع، كما تتحقق بالعامية المبتذلة؛ وإنما غاية الانتساب إلى
العربيّة أن تكون انتسابًا إلى (الفن) في (لغته العليا)، وفي بيانه الباذخ، وفي
عراقته التراثية المنغرسة في أعماق التاريخ، وفي هذا الصدد يقول الشاعر المصريّ
أحمد بخيت (المولود سنة: 1966م) متحدِّثًا عن ذاته الشاعرة:
وَلَدَتْهُ (سَيِّدَةُ اللُّغَاتِ) قَصِيدَةً عَرَبِيَّةَ الْأَسْبَابِ وَالْأَوْتَادِ
(فُصْحاهُ) مِنْ أَقْصَى الصَّعِيدِ، وَصَوْتُهُ قُبَلَاتُ مِصْرَ عَلَى جَبِينِ
(الضَّادِ)
تفضيل العربيّة على غيرها من اللغات:
ومن جوانب الفخر باللغة العربية في شعرنا المعاصر
اصطفاؤها حين توضع في موضع المقارنة بغيرها من اللغات، وهي صورة لا تفتأ تتكرر في
كثير من القصائد الشعرية، ومن الصور المبكّرة في هذا الصدد حديث الشاعر المصري
الكبير أحمد شوقي (1868م -1932م) عن العربيّة داعيًا إلى إظهار فضلها من خلال مقارنتها
بغيرها من اللغات؛ ليصل من خلال هذه المحاجَّةِ الشعريّة إلى أن العربيّة قد
استحوذت على محاسن اللغات أجمعها، وأن عراقتها تدعو كلَّ أصيل إلى التغني بلسان
أجداده ومنطقهم العريق:
أَو دَعْ لِسانَكَ وَاللُغاتِ فَرُبَّما * غَنّى الأَصيلُ بِمَنطِقِ الأَجدادِ
إِنَّ الَّذي مَلَأَ اللُغاتِ مَحاسِناً * جَعَلَ الجَمالَ وَسَرَّهُ في الضادِ
وهذه الصورة تتكرر بشكل ما في شعر الشاعر المهجريّ
اللبناني إلياس طعمى -المُكَنَّى بأبي الفضل بن الوليد- (1903م-1947م)؛ إذ يقول
حين استمع إلى العربيّة الفصيحة من بعض الطالبات في مدرسة عربيّة مهجريّة:
فدَى العربية الفُصحى اللغاتُ * إذا
نطَقَت من العَرَبِ البناتُ
وكذا
في شعر الشاعر الإماراتيّ حمد بن خليفة الفلاحي (1936م - 2002م)؛ إذ يقول مخاطبًا اللغة
العربية:
هَلْ عَلَى وَجْهِ الثَّرَى مِنْ لُغَةٍ * أَحْدَثَتْ فِي مَسْمَعِ الدَّهْرِ صَدَى
مِثْلَما أَحْدَثْتِهِ فِي عَالَمٍ * عَنْكَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا أَبَدَا
استهجان الضعف اللغويّ:
وعلى جانب آخر يمكننا أن نرصد استهجانًا لضعف العربيّة
في زماننا، ولعجمتها التي أفضت في عصرنا الحديث إلى اغتراب العربية برمّتها، وكان
على الشاعر المعاصر أن ينعى هذا الضعف اللغويّ المستشري، ولعل أبرز الناعين
وأقدمهم من المعاصرين هو الشاعر المصريّ: حافظ إبراهيم (1872م- 1932م) في قصيدته
المشهورة: (اللغة العربيّة)، وهي القصيدة التي حاكاها واستلهمها ونسج على منوالها
ثلة كبيرة من الشعراء اللاحقين، يقول حافظ إبراهيم على لسان العربيّة:
أَرى كُلَّ يَومٍ بِالجَرائِدِ مَزلَقاً * مِنَ القَبرِ يُدنيني بِغَيرِ أَناةِ
وَأَسمَعُ لِلكُتّابِ في مِصرَ ضَجَّةً * فَأَعلَمُ أَنَّ الصائِحينَ نُعاتي
ومن الطريف أن ينعى الشاعر المصري: علي الجارم (1881م –
1949م) اللغة العربية في سنة 1932م في أعقاب وفاة حافظ إبراهيم، وكأن المسيرة
تتواصل؛ إذ يسلّمها سابق للاحق، يقول علي الجارم في قصيدته التي أنشدها يومَ
افتتاح مجمع اللغة العربيّة في القاهرة سنة 1932م:
وَعَاثَت الْعُجْمَةُ الْحَمْقَاءُ ثَائِرةً عَلَى ابْنَةِ البِيدِ فِي جَيْشٍ مِنَ الرَّهَبِ
يَقُودُهُ كُلُّ وَلَّاغٍ أَخِي إحَنٍ * مُضّمخٍ بِدِمَاء
العُرْبِ مُخْتَضِبِ
ويتوالى هذا الضعف اللغويّ فيبلغ ذروته في أيامنا
الأخيرة، مع الغزو الثقافي العنيف، والانتكاس الحضاري المستمر على المستوى الثقافي
والسياسي، فيبدو هذا الضعف اللغويّ صورة تتراءى بالتبعية مع الضعف السياسي وانهيار
العروبة وانكسارها مع مأساة فلسطين، يقول الشاعر السوريّ حذيفة العرجي (المولود في سنة: 1977م) مخاطبًا
اللغة العربيّة:
هل ظلَّ منكِ لنَا حرفٌ وتنوينُ أم ضعتِ منّا كما
ضاعت فلَسطينُ؟
جيلٌ تَهمّشَ، ما ضاعت هويَّتهُ بل ضُيِّعت حينَ
ضاعَ العزُّ والدينُ
الدفاع عن اللغة العربية أظهر ما يكون في الشعر العموديّ:
وأخيرًا تجدر الإشارة إلى أن أغلب ما طالعتُه من الشعر المنافح عن العربية والمناضل عنها، والمفاخر بها، والمحذّر من سقوطها هو من (شعر البيت)، أو (الشعر العموديّ الموزون المقفّى على طريقة العروض الخليلي الموروث)، ولا يكاد القارئ يجد قصيدةً من شعر التفعيلة الحرّ تتبنى هذا الموضوع، وبطبيعة الحال لن نجد هذا الموضوع في قصيدة النثر؛ ولعل لهذا الأمر تعلقًا بطبيعة الجانب الفني الخاص بالشعر العمودي؛ لأنه الأقرب إلى الخطابيّة التي تلائم طبيعة هذا الموضوع؛ والتي من شأنها إثارة روح الحماسة، والاضطلاع بفاعليّة الحثّ والتحريض؛ فضلاً عمَّا تهاجم به تلك الأنواع الشعريّة المستحدثة من عدائها للتراث، ودعوة كثر من روادها وأقطابها الكبار إلى القطيعة معه، وهذا المسلك يتناقض تمامًا مع الجانب التراثي المتعلق بإحياء العربيّة والذود عنها. ولمَّا كان الشيء بالشيء يذكر نشير إلى قصائد الشاعر المصري الراحل الحساني حسن عبد الله (1938م-1922م) التي كان يهاجم فيها الشعر التفعيلي الحرّ، وكان في ذروة هجومه يعلن انتسابه إلى العربية في أعمق أعماقها التراثيّة، لدرجة تبني الغريب والشاذ وما لم يكن شائعًا من الألفاظ العربية المهجورة، يقول الحساني في هذا الصدد مادحًا شعرَه العموديّ، ومفتخرًا بقدرته اللغوية التي يعجز عنها أصحاب الشعر التفعيلي:
وَتَنْقَادُ الشَّوَارِدُ لِي وإِلَّا فَجَالِبُهُنَّ لِي شَرَكٌ خَتُولُ
إِذَا قَالُوا: «حِبَالٌ جَمْعُ حَبْلٍ»، أَقُولُ –وَلَا أُبَالِيهِمْ – حُبُولُ!
اقرأ أيضًا
سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي
الالتزام الأدبي.. ميتُنا الذي يجب أن يُبعث من جديد
شعراء من الظلال: حين يتحدث الأدب الملايوي باسم الأمة