اللغة المقاومة وتدافع الحضارات.. قراءة في فلسفة البقاء وبسالة اللسان
لم يكن التاريخ البشري في يومٍ من الأيام مجرد سردٍ
للأحداث العسكرية أو التقلبات السياسية، بل كان في جوهره سجلاً لتدافع الحضارات
وصراع الهويات التي تُعبّر عن نفسها من خلال "اللغة".
إن العلاقة
بين السيادة الوطنية والتمكن الحضاري واللسان العربي علاقة عضوية لا تنفصم؛ فاللغة
هي الحصن الأخير الذي إذا سقط سقطت معه الأمة، وإذا استبسل استبسل معه التاريخ.
في هذا المقال، نستعرض فلسفة "اللغة
المقاومة" وكيف استطاعت العربية الشريفة أن تكسر قواعد التاريخ وتصمد في وجه
الأعاصير التي عصفت بدولها وحضاراتها، لتبقى شاهدا على خلود هذه الأمة.
المحور الأول: الحضارة بين اللسان والسنان
لا جرم أن التاريخ البشري المسجل للحضارات في جميع
الأزمان والأوطان يثبت الارتباط الوثيق بين الدولة والحضارة واللغة وجوداً وعدماً،
وقوةً وضعفاً. إنها معادلة ثلاثية الأبعاد؛ فإذا ذهبت الدولة أو أصابها الوهن،
ذهبت الحضارة أو تراجعت، ثم تتبعها اللغة حتماً؛ فتختفي من الألسن، أو تذبل في
الصدور، وتضعف في الأثر.
لقد عُرِف هذا المسار التاريخي
قديمًا لدى أعظم الأمم؛ من قدماء المصريين والسومريين والأكّديين، مروراً
بالآشوريين والبابليِّين والإغريق والرومان والهنود، وغيرهم من الأمم التي ملأت
سمع التاريخ وبصره. وقد شاهدنا هذا القانون الحضاري يتكرر في العصر الحديث؛
فالاحتلال أو "الاستعمار" -الذي يصح وصفه بـ "الاستحمار"
لكونه يستهدف وعي الإنسان- حين انقض على البلدان العربية والإسلامية، جعل لغة
المُستعمر المتغلب عسكرياً تفرض هيمنتها، حتى أضحت لغته هي اللغة الأولى في بعض
البلاد التي تم احتلالها. والقاعدة هنا واضحة: حين ينهزم قومٌ عسكرياً تأفل
حضارتُهم، ويكون ذهاب اللغة بذهاب تلك الحضارة.
بيد أن هذا التاريخ نفسه -بكل ما فيه من تقلبات- لم يعرف لغة تبقى صامدة مع أفول الحضارة وضياع الدولة إلا في نموذجٍ واحدٍ متفرد هو "اللغة العربية الشريفة". لقد سقطت الدولة في مراحل تاريخية، والحضارة أفلت واختفت في حقب معينة، بيد أن اللغة العربية الشريفة قد بقيت.
إنني ما رأيت في الأولين ولا في الآخرين لغة تُجادل عن
نفسها، وتقاوم من أجل قومها، وتجاهد من أجل بقائها -رغم أن قومها أحياناً يخذلونها
ويمنعون عنها الماعون- غير ملكة جمال اللغات، العربية الشريفة.
وما رأيت لغة تبقى بعد ذهاب حضارة أهلها أدراج الرياح
سوى "لغة الوحيين"؛ تلك التي وصفها إمام العربية "ابن جني" في
باب مدهش من كتابه (الخصائص)، عنونه بـ [بابٌ في شجاعة العربية]، حيث وصفها بأنها
لغة شجاعة، مقتحمة، غير هيَّابة. ونعتها أستاذي الدكتور فتحي جمعة -رحمه الله-
بـ"اللغة الباسلة". وهاأنذا اليوم أصفها بـ(اللغة المقاومة المجاهدة)؛
فلكونها وعاءً للكتاب الخالد، فهي تقاوم كما يقاوم القرآن، وتجاهد كما يجاهد،
لقوله تقدست أسماؤه عن القرآن الكريم: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم
بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.
المحور الثاني: اليوم العالمي وعالمية لغة الوحيين
إن احتفاءنا باليوم العالمي للغة العربية (الذي مر في
الشهر الماضي) لا ينبغي أن يقف عند اعتراف هيئة الأمم المتحدة، بل إن اليوم
العالمي الحقيقي للغة العربية هو "يوم نزول كلام الله بها في اللوح
المحفوظ"، وهو الوجود الأقدم والأشمل زماناً ومعرفة. إنه السجل الأزلي الذي
حوى علم الله وتقديره لكل شيء قبل خلق الخلائق بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح
مسلم.
إن اليوم العالمي للغة العربية هو كذلك يوم نزول "أمين الوحي" جبريل بها في غار حراء، في بلد الله الأمين، بأول كلمة أضاءت للبشرية نوراً يأبى الله أن ينطفئ بأفواههم: كلمة [اقرأ]. هذه الكلمة هي التي وطّنت العلم والحضارة في بلادنا، وبحذف المفعول به للفعل المتعدي [اقرأ]، ترسخ مفهوم "الموسوعية"؛ فالأمر بالقراءة جاء مطلقاً ليشمل كل نافع، مما فتح الباب للدراسات البينية والعلوم المشتركة التي بنيت عليها نهضة المسلمين.
المحور الثالث: بين الحضارة والتكنولوجيا
إن الأسس الرئيسة التي تُبنى عليها أي حضارة إنسانية
هي خمسة أسس مترابطة لا ينفك أحدها عن الآخر:
- النظام الاجتماعي والسياسي: وهو الهيكل الذي ينظم
شؤون الناس.
- الاقتصاد المستقر: وهو العصب الذي يضمن ديمومة
الحياة.
- الثقافة والقيم الأخلاقية: وهي الروح التي تعطي
للحضارة معناها.
- التخصص والتقسيم: لضمان إتقان العمل وتراكم الخبرة.
- التطور العمراني والتقدم التكنولوجي والمعرفي: وهو
المظهر المادي للحضارة.
وهنا يجب التفريق بين الحضارة والتكنولوجيا؛
فالتكنولوجيا هي مجرد أدوات وآليات وخبرات عملية تهدف لتسهيل الحياة. والسؤال
الملحّ اليوم: هل يمتلك العالم المعاصر حضارة حقيقية؟ لا جرم أن العالم اليوم
يمتلك نظماً واقتصاداً وتقدماً تقنياً مذهلاً، بيد أنه يفتقر إلى أهم أسس الحضارة:
"الجانب الأخلاقي".
إن الحضارة الراقية هي التي تحقق الارتقاء الروحي
والاجتماعي، كما فعل النبي ﷺ حين أسس حضارة قامت على "الوثيقة النبوية
المدنية"، التي حققت التعايش بين المسلمين واليهود والنصارى. إن أي مجتمع
امتلك الحجارة وفقد الأخلاق، وامتلك المباني وفقد المعاني، فلا حضارة لديه. لا
حضارة مع غياب الحريات، ولا حضارة مع المجاعة، ولا حضارة لدى عالم يموت فيه
"الغزيّون" من الجوع والبرد وتُباد فيه غزة قاطبة على مرأى ومسمع من
عالم يدعي التحضر، بل ووصل بهم الأمر أن حرموا أهل غزة حتى من رفاهية التكنولوجيا
التي هي أبسط حقوق الإنسان المعاصر.
المحور الرابع: حضارتنا الإسلامية الجديدة (مشروع النهوض)
هل يمكن أن نبني حضارة إسلامية جديدة؟ هل يمكن أن تنهض
حضارتنا بعد طول احتجاب؟ نعم، الإمكانية قائمة والفرصة مواتية إذا عدنا للتمسك
بخمسة أسس:
الأساس الأول: العقيدة والشريعة، باعتبارهما المرجعية
العليا.
الأساس الثاني: العلم والمعرفة، وهما الركيزة المنهجية
للبحث والتطوير.
الأساس الثالث: العالمية والإنسانية، كفضاء جغرافي
وثقافي يرفض الانغلاق.
الأساس الرابع: الأخلاق والقيم، وهي الركيزة العملية
التي تحمي المنجزات.
الأساس الخامس: اللغة العربية الشريفة، وهي الرابط
الموحد والوعاء الجامع.
المحور الخامس: لغة المقاومة الفلسطينية وفلسفة الوعي
إذا كانت مكة أرضاً للعبادة، فالقدس أرضٌ للشهادة؛ ومن
ثمَّ فإنِّي أقرر أن "طوفان الأقصى" كان -وما زال- قبلة الشعراء وبوصلة
الأدباء. إن الشعر العربي واللغة العربية يقصران المسافات ويختصران المجلدات، وإن
لغتنا الشريفة في حقيقتها أشد فتكاً بالعدو من المدافع والطائرات؛ لما لها من أثر
فعال في تثبيت النفوس في ساحات الوغى، وفي تشكيل "الوعي الجمعي" لدى
الناشئة، وتوجيه الجماهير.
ولعل البيت الشعري الذي ردده سيّد الطوفان "أبو إبراهيم يحيى السنوار" لأمير الشعراء شوقي:
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ ///
بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
قد تحول إلى أيقونة عالمية يرددها الصبية في الشوارع،
ويستشهد بها القادة والوزراء، كما فعل الوزير الماليزي مؤخراً.
وإن خطابات "أبي عبيدة" –المتحدث باسم
المقاومة- المصدَّقة والمؤثرة في العالم كله ليست إلا تجلياً لهذه اللغة المقاومة
التي تعيد صياغة فلسفة الحضارة والوعي.
إن تحليل لغة المقاومة بحاجة إلى فضاءات أوسع، لكنها
تبقى البرهان الحي على أن لغتنا العربية هي لغة الجهاد والبقاء.
وفي ختام هذه الإلماحة، نؤكد أن اللغة العربية ليست
مجرد وسيلة تواصل، بل هي كينونة وجودية وقدرٌ حضاري. إن صمود العربية في وجه
التغريب والاستعمار هو صمودٌ للأمة ذاتها. فواجبنا اليوم لا يتوقف عند التغني
بأمجادها، بل في جعلها لغة للعلم، والإدارة، والمقاومة، والحياة اليومية.
اقرأ أيضا:
-
سيدة
اللغات.. 7 مقومات تحفظ لـ«العربية» أستاذيتها الرشيدة للعالم