اليوم العالمي للغة العربية
سيدة اللغات.. 7 مقومات تحفظ لـ«العربية» أستاذيتها الرشيدة للعالم
تنفرد اللغة العربية عن سائر لغات البشر بكونها لغة عصية على الفناء، لا تخضع لنواميس الصعود والهبوط التي تعتري الألسن؛ فهي ليست مجرد وعاء للتواصل، بل هي كيان حضاري وقيمي متكامل.
إن سر بقاء هذه
اللغة وتفردها لا يعود لصدفة تاريخية، بل يرتكز على مقومات سبعة متينة، جعلت منها
لسانًا عالميًّا، ومنطلقًا للعقل، ومنبعًا للأخلاق، وجسرًا بنى عليه العالم نهضته
الحديثة.
في هذه
الإطلالة، نبحر في تلمس تلك المقومات السبعة؛ لنكشف كيف تضافر خلود الوحي مع
عبقرية التركيب وجماليات الإيقاع؛ لتبقى العربية سيدة اللغات المتربعة على عرش
البيان إلى يوم الدين.
المقوم الأول: اللغة العربية خالدة بخلود القرآن:
تأمل وتدبر قوله
تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)؛ تجد أن القرآن الكتاب المقدس الوحيد الذي تعهد الله بحفظه
بذاته وبنون العظمة، وبضرورة الاقتضاء عند الأصوليين قد تعهد بحفظ لغته وبحفظ
رجاله ورجال لغته وبحفظ كل المشتغلين بهما.
خارطة طريق لتمكين الفصحى.. 7 مقومات تجعل
العربية لغة العلم والأخلاق الأولى
كان يمكن أن
يعهد بحفظه إلى نبي مرسل أو ولي ملهم، بل الأعجب أنه لم يعهد بحفظه إلى أحب خلقه
إليه صلى الله عليه وسلم؛ ذلك لأنه ترك الكتب السابقة -الزبور والتوراة والإنجيل-
ولم يتعهد بحفظها بنفسه؛ فحرفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظاً مما ذكروا به، وتشعبت
بهم النسخ الإنجيلية مثلاً، بل أضاعوها في النهاية، أما القرآن، وهو الكتاب الخالد
إلى يوم القيامة بتشريعاته وهداياته ولغته العربية، فقد تعهد هو بذاته بحفظه.
المقوم الثاني: اللغة العربية لسان لا جنس:
ما رأيت قومًا نسبوا إلى اللغة غير العرب، كل اللغات تنسب إلى أجناس في موقع جغرافي محدد، إلا
العربية؛ فليست جنسًا، وإنما هي لسان، قال صلى الله عليه، وسلم: «يا أيها الناس،
إن الرب رب واحد، وإن الأب أب واحد، وإن الدين دين واحد، وليست العربية بأحدكم من
أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي» (جامع الأحاديث، للسيوطي،
ج9، ص146).
مقومات خلود العربية.. لسان عالمي ووعاء
رباني يحفظ هوية الأمة وسيادتها الثقافية
فكل من تحدث بها
صار عربيًّا دونما نظر إلى عرقه أو موطنه، بدون غير وسوى، والتعبير بالعربية؛ لأنها
لا تتبدل، أما لسان العرب فإنه يتحول، ويتبدد؛ ومن ثم فإن فهم اللغة العربية فرض؛
لأن فهم الكتاب والسُّنة فرض، ولا يفهم عن الله تعالى مراده بمعزل عن إتقان لغته الشريفة نظمًا ونثرًا؛ ومن ثم فإن ما لا يتم الواجب
إلا به فهو واجب.
المقوم الثالث: العربية لغة العقل والمنطق:
لا نعرف لغة في
الأولين والآخرين قد أعلت قدر العقل، وجعلت قومها أمة الحضارة العاقلة الواعية
المتقدمة الهادية إلا هذه اللغة التي بها القرآن قد أنزل؛ لينظم قوافل الأحياء في
شتى مناحي الحياة، فبالعقل نتدبر القرآن، ونتجاوب معه، ونتعلم بعلمه، ونقتبس من
سناه، ونهتدي بهداه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ
لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (ص: 29)، وقد تكررت «أولو الألباب» في القرآن 16 مرة، ومن عجائب
لغتنا أنها سمت العقل بأسماء عجيبة، منها: «النهى، الحجر، العقل، اللب).
المقوم الرابع: اللغة العربية وعاء لمكارم الأخلاق:
قال الفاروق عمر رضي الله عنه: «علموا أولادكم لامية العرب؛ إنها تفتح الأشداق، وتعلم مكارم الأخلاق» (إتحاف ذوي الأرب بمقاصد لامية العرب، ص56)، حتى النحو بقواعده الحاكمة الصارمة لا يخلو من مضامين أخلاقية راقية، فمن أراد أن يستزيد يمكنه مراجعة بحثنا الموسوم «المضامين الأخلاقية في القاعدة النحوية» على الشبكة العنكبوتية، ويرى الشافعي أن «من نظر في النحو رق طبعه» (الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، ص221).
العربية لسان لا جنس.. لغة القرآن التي وحدت الشعوب وأرست دعائم الحضارة الإنسانية
المقوم الخامس: اللغة العربية جسر للتواصل والحضارة:
إن المسلَّمات
التي ورثناها عن غربية العلم غير صحيحة؛ إذ إن العلوم العربية الإسلامية هي التي
منحت العالم منهج العقلانية الحديثة، وأن علم الجبر عند علماء المسلمين كان النواة
العقلية للحداثة العلمية، لا شك في أن الخلل في البنية الفكرية والمجتمعية يجعلنا
نفقد القدرة على إنتاج المعرفة، لا على خوض المعارك فقط؛ فهزيمتنا أمام اليهود عام
1967م هزيمة حضارية بامتياز، وليست هزيمة عسكرية، إنه في مقدورنا أن نبني نهضة
وحضارة إذا تمكنا من توطين العلم كرة أخرى في ثقافتنا؛ إذ لا يكفي استيراد العلم
دون بناء تقاليد بحثية وطنية، وأن نحول اللغة العربية من لغة استهلاك إلى لغة
العلم الأولى عالمياً كما كانت.
المقوم السادس: اللغة العربية والأستاذية الرشيدة للعالم:
إنه في تلك
السنين الخوالي وفي الزمن الغابر قد استكثر الملاحدة على فتى صادق مصدوق اسمه محمد
أستاذية العالم بالقرآن ولغته الشريفة، وأرادوا أن ينزلوه من رتبة الأستاذية إلى
رتبة التلمذة جحودًا وشنآناً واستصغارًا؛ فتمنوا أن لو أنزل هذا القرآن على رجل من
القريتين عظيم، بل قالوا: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) (النحل: 103)، وغاب عنهم (وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (النحل: 103)، (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء: 195).
فإذا ما أراد
أحد أن يصل إلى مرحلة من مراحل الترقي الفكري والثقافي العليا فعليه أن يجيد اللغة
العربية، كما كان في عصر الفتوحات الإسلامية المتعاقبة، لقد بات لدينا يقين لا
يتزحزح قيد أنملة بأن لغة العلم في أستاذية العالم ستعود كرة أخرى إلى نبعها الثر
وينبوعها الصافي إلى اللغة العربية الشريفة ولو كره الشانئون.
عبقرية البيان العربي.. كيف منحت لغة الضاد العالم منهج العقلانية والحداثة العلمية؟
المقوم السابع: من جماليات ملكة جمال اللغات:
إن لغة الضاد ملكة جمال اللغات، ولذا أصبحت قمينة بأن تكون وعاء
كتاب ربنا في عليائه، الذي لا يخلق عن كثرة الرد، وهو حمال ذو وجوه؛ ومن ثم فإن
جمالياتها لا يحيط بها إلا نبي مرسل أو ولي ملهم، ونظرًا لاتساع معانيها وتعدد
أفانينها، سنقتصر في هذا المقام على تلمس جانب واحد من مظاهر روعتها وبهائها، وهو
الجمال على مستوى الإيقاع والموسيقى.
سيدة اللغات في ميزان العقل.. جماليات
إيقاعية فريدة وتاريخ حافل بالأستاذية الرشيدة
فمن أجل الحفاظ
على هذا الإيقاع المهيب وسحر الموسيقى القرآنية، تم سلب القاعدة النحوية بحذف ياء
الاسم المنقوص؛ ليبقى اللسان العربي مرتلاً لنغم سماوي تألفه الأذن ويخضع له
الوجدان.
هذه المقومات
السبعة ليست مجرد خصائص لغوية، بل هي ركائز وجودية جعلت من العربية لغة حية قادرة
على استيعاب الوحي وقيادة الحضارة، والحفاظ عليها والتمسك بأصولها السبيل الوحيد
لاستعادة أستاذية العالم، وضمان بقاء هويتنا عصية على التذويب في زمن العولمة.
اقرأ
أيضاً:
- اللغة..
الحارس الأمين للهوية والتراث
- «العربية» في
المؤسسات الأكاديمية.. تشخيص الواقع ومفاتيح النهوض