اللغة والتأويل.. من ظاهر العبارة إلى مقاصدها

لوحة تعبيرية لرجل يقف أمام كتاب مفتوح وأعلى منه يد تمسك بالريشة وتكتب

تتصل اللغة والتأويل بقدرة الإنسان على البيان، وبانتقاله من إدراك ظاهر العبارة إلى استكشاف ما تنطوي عليه من دلالات ومقاصد. فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وعلَّمه البيان، ومنحه القدرة على التعبير عن الفكر والشعور المتولد بداخله نتيجة علاقته بالعالم، وتأثره بما يجري فيه، وتأثيره هو الآخر فيه؛ وها هو ذا قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ {1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن).

ويمكن الوقوف على طبيعة هذا البيان وأنماطه من خلال ما أشار إليه الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين»، من أن جميع أصناف الدلالات على المعاني، من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، وهو ضرب من الحساب يكون بأصابع اليدين، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى «النِّصبة»، والنِّصبة هي الحال الدالة(1).

اللغة إذًا، بوجهيها المنطوق والمكتوب، أحد أشكال البيان التي يلجأ إليها الإنسان في تحويل المجرد من الفكر والشعور إلى ملموس مدرك بالحواس، يتلقاه القارئ ويتأمل بناءه ودلالته.

وهذا يأخذنا إلى شكلين من أشكال قراءة النصوص:

الأول: القراءة الشكلية للنص، التي تقف عند ملامحه الخارجية الظاهرة، وكيفية تشكله، وبيان العناصر التي يتركب منها، وما يربط بعضها ببعض من علاقات.

الثاني: القراءة الاستكشافية للنص، التي تتجاوز عتبة الرصد الشكلي لعناصر بنائه وطبيعة العلاقات الرابطة بينها إلى استكشاف الدلالة المتصلة بهذا البناء اللغوي(2).

اللغة والتأويل.. من المعنى إلى المقصد

تأخذنا القراءة الاستكشافية إلى بُعدين مهمين في فهم دلالة النص:

الأول: البعد الشارح، الذي يقف عند الدلالة القريبة البادية من ألفاظ النص وتراكيبه، ويستعين بوسائل الكشف المتاحة عن معاني الألفاظ. وقد تكون هذه الدلالة واضحة، وقد يحتاج إدراكها إلى جهد بحسب طبيعة النص.

الثاني: البعد التأويلي، الذي يتجاوز القريب من المعاني إلى دلالات تتصل بغايات ومقاصد تقف وراء تشكيل النص في الهيئة التي يبدو بها أمام القارئ. ويرتبط هذا البعد بأصول لها مكانها في تراثنا العربي، عالجها، على سبيل المثال، شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني في كتابه «دلائل الإعجاز»، عندما أشار إلى ما يسمى بـ«معنى المعنى»، أو المعنى الثاني الذي يُتوصل إليه من خلال المعنى الأول، ولا سيما في الكناية والاستعارة والتمثيل(3)، كما تناول ابن رشد مسألة التأويل في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»(4).

وفي الفكر الحديث برزت الهرمينوطيقا، أو نظرية التأويل، التي ارتبط جانب من تاريخها بالتعامل مع النصوص الدينية، ومنها الكتاب المقدس، وآليات استخراج المعنى، ثم اتسع مجالها إلى قراءة نصوص أخرى(5).

ويمكن، وفق الطرح السابق، التمييز في هذه المعالجة بين الشرح الذي يبين الدلالة القريبة، والتأويل الذي يستكشف ما وراءها، مع مراعاة اختلاف استعمال مصطلحي التفسير والتأويل.

إن النص المؤسس على اللغة يتكون من شكل لغوي ظاهر ومعنى تدل عليه ألفاظه وتراكيبه، وهذا المعنى يقف منه المعنيون به على مذاهب شتى؛ إذ ليس كل القراء يمتلكون القدرة نفسها على الانتقال من المعنى الظاهر إلى ما يحتمله النص من دلالات غير مباشرة.

ويحتاج هذا الانتقال إلى زاد معرفي، وإلى الإلمام بمقاصد صاحب النص، وبالظروف والملابسات المتصلة بالمقام والزمان والمكان، وإلى ضوابط يعيها من يريد النهوض بهذه العملية؛ فهناك شطحات في التأويل قد تذهب بالنص بعيدًا، خصوصًا فيما يتصل بالنصوص الدينية. وهذا يعني أن المهتمين بالتأويل ليسوا على حال واحدة هم أيضًا(6).

في سورة «يوسف».. من الرؤيا إلى تحققها

إذا وقفنا متأملين أمام النص القرآني، أعلى نصوص العربية وأرقاها صياغة وتعبيرًا، وأعمقها دلالة، وجدنا أن كلمة «تأويل» ترد في سياقات عدة.

ففي سورة يوسف نتوقف أمام قوله تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف: 4). ويأتي تحقق هذه الرؤيا في أواخر السورة، عندما اجتمع بأبويه وإخوته في مصر: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) (يوسف: 100).

وها هو ذا عليه السلام يبين دلالة رؤيا صاحبي السجن: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف: 36).

فكان الجواب: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف: 41).

وهذه رؤيا الملك التي لم يجد لها تأويلًا عند من حوله: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (يوسف: 43).

فكان تأويل يوسف عليه السلام: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ {47} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ {48} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف).

فالتأويل في هذه المواضع يتصل بتعبير الرؤى وما تؤول إليه، ولا يقتصر على شرح الألفاظ التي حُكيت بها.

في سورة «الكهف».. حين تنكشف حكمة الحدث

وفي سورة الكهف نتوقف أمام القصة التي جمعت موسى عليه السلام بالخضر؛ لنعرف كيف كانت حكمة الأفعال معلومة للخضر، بينما اعترض موسى على ما ظهر له منها، لعدم علمه بأسبابها ومآلاتها. ويتحدد ذلك في ثلاثة مشاهد:

المشهد الأول: خرق السفينة؛ (فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (الكهف: 71).

المشهد الثاني: قتل الغلام؛ (فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (الكهف: 74).

المشهد الثالث: إقامة الجدار؛ (فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) (الكهف: 77).

لقد وقف موسى عليه السلام عند ظاهر هذه الأفعال بحسب ما كان متاحًا له من العلم، ثم بيَّن الخضر المقاصد والغايات التي لم تكن ظاهرة له، فقال: (هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف: 78).

أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، وكان إحداث العيب فيها لحمايتها من ملك يأخذ السفن غصبًا. وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين، وبيَّن الخضر ما تعلق بأمره من خشية إرهاقهما طغيانًا وكفرًا. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين، وكان تحته كنز لهما، فأراد الله أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما، رحمةً بهما. ويختتم الخضر بيانه بقوله: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف: 82).

وهكذا يرد التأويل في السياق المتصل بيوسف عليه السلام متعلقًا بالرؤى، وفي قصة موسى والخضر متعلقًا ببيان حكمة الأحداث ومآلاتها. ويمكن الإفادة من السياقين في تأمل العلاقة بين الظاهر وما وراءه، مع مراعاة خصوصية العلم الذي أُوتيه يوسف والخضر.

إن ثنائية الشكل والمضمون التي تتكون منها أية علامة لغوية تأخذنا إلى عمليات عدة:

1- الوصف الذي يستغرقه الشكل أو البناء الخارجي والعناصر التي يتكون منها وما بينها من علاقات فحسب. وفيما يسمى بنقد الحداثة يبدو هذا واضحًا في تيار البنيوية.

2- الاستكشاف الذي تنتهي به رحلته أمام المعنى القريب الظاهر الذي يمكن نعته بالمعنى المخادع أو المعنى الوهمي أو القناع الذي يرتديه المعنى الذي يُفترض أن النص يقصده أو يرمي إليه.

3- الاستكشاف الذي يدرك أن المعنى الأول أو الظاهر ليس نهاية المطاف؛ ومن ثم فإن عليه القيام بمزيد جهد لإدراك المعنى العميق.

وتحتفي القراءة المستفيدة من المنهج الثقافي في نقد النصوص بهذا النوع الأخير من الاستكشاف، ونجد لبعض جوانبه أصولًا في تراثنا العربي، كما عند عبد القاهر الجرجاني وابن رشد، مع اختلاف منطلقات كل منهما ومجال معالجته.

وإذا نظرنا إلى وظائف اللغة عند رومان جاكبسون، أمكن الإفادة من الوظيفة الشعرية في تأمل بناء الرسالة، ومن الوظيفة المرجعية في مراعاة سياقها، ومن الوظيفة الميتالغوية، أو «ما وراء اللغة»، في توضيح الألفاظ والشفرة اللغوية المستخدمة، لا بمعنى الكشف عن مقاصد خفية وراء النص(7).

ومن ثم، فإن التأويل يحتاج إلى معرفة باللغة، وإدراك للعلاقات القائمة بين مكونات النص، وإلمام بالسياق الذي ورد فيه؛ حتى يكون الانتقال من المعنى القريب إلى ما وراءه قائمًا على دليل، وتظل القراءة موصولة بالنص الذي تسعى إلى فهمه.

الهوامش
  • 1 الجاحظ، البيان والتبيين، جـ1، تحقيق حسن السندوبي، ص77–79، مؤسسة هنداوي للنشر، القاهرة، 2022م.
  • 2 أحمد يحيى علي، «هوية النص بين شخصية الأديب وشخصية الناقد»، مجلة الرافد، الإصدار الإلكتروني، أبريل 2020م، دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة.
  • 3 عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، ص263، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000م.
  • 4 ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، ص32–33، دار المعارف، القاهرة، 1999م.
  • 5 محمد عمارة، دراسة نقدية لكتاب: بسط التجربة النبوية، التأويل العبثي للوحي والنبوة والدين، ص22–23، كتاب مجلة الأزهر، القاهرة، 1432هـ.
  • 6 سيزا قاسم، القارئ والنص: العلامة والدلالة، ص124–125، مكتبة القاهرة، 2002م.
  • 7 رومان جاكبسون، قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي ومبارك حنون، ص31–47، دار توبقال للنشر والتوزيع، المغرب.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة