تشكيل الوعي..

اللهم بلّغنا رمضان.. ماذا أعددت له؟

عبدالقادر وحيد

05 فبراير 2026

461

إن عملية الإعداد في حياة الإنسان ليست جزءاً من النجاح، بل هي النجاح نفسه، ولأهمية هذه العملية، كانت الإجابة النبوية جامعة ومانعة في كل ما يخطط له المسلم في مناحي حياته حتى وإن كان الأمر صعب المنال.

فعندما جاء أحد السائلين يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، كانت إجابته كافية وشافية: «ما أعددت لها؟» (صحيح البخاري)، كذلك كان الخطاب القرآني منفرداً في التكليف الإعدادي، وأنه جزء من عقيدة المؤمن وسلوكه في كل مناحي الحياة.

تصحيح مفاهيم

لقد درج على طريقة تفكيرنا مع حلول شهر رمضان المبارك أن كل الغزوات وكل المعارك الكبرى، وقعت في رمضان، لأنه شهر النصر؛ ما ساهم في مسلّمة لدينا أنه لا نصر إلا في شهر رمضان، ناسين الإعداد الطويل، الذي سبق شهر النصر.

ولو استقرينا غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة أمهات الغزوات، سنجد أن غزوتين فقط كانتا في رمضان، هما غزوة «بدر» و«فتح مكة»، أما معظم الغزوات فكانت في شوال، الذي يلي رمضان، ما يكرس لدينا مفهوماً واقعياً أن الإعداد الجيد كان في رمضان(5).

رمضان هو المحطة الحقيقية، التي يستعلي فيها المسلم على ذاته، ويقهر شهواته، وبدلاً من أن يثّاقل إلى الأرض، يجد نفسه مستعلياً بإيمانه، وقاهراً لشهواته.

والدرس الأعظم في رمضان اكتشاف طاقات نفسك، وأن ما لم يكن تتوقعه في الانتصار على النفس قد وقع فعلاً؛ بل صار سهلاً، وصدق الشاعر:

كلُّ ما لَم يكن من الصعب في الأَنفُسِ     سهـلٌ فيها إذا هـو كـانا

يعدّ رمضان حقاً اختباراً لهزيمة شهوات النفس، وأن ما عجزت عنه في الشهور السابقة، قد حققته فيه، ليغرس رسالة سامية في النفس، وجاهزيتها للاستعداد الدائم بالسمو على شهواتها.


لقد ضرب لنا سيد التابعين أبو مسلم الخَوْلاني مثلاً رائعاً في طبيعة الإعداد وفهم جوهره وتأثيره على النفوس، فقد دخل عليه أناس وهو غازٍ في أرض الروم، وقد احتفر حفرة في خيمته، وجعل فيها نطعاً، وأفرغ فيه الماء، وهو يتبرد فيه من شدة الحرّ، فقالوا: ما حملك على الصيام وأنت مسافر؟ قال: لو حضر القتال لأفطرت ولتهيأت له، وتقويت، ثم ضرب لهم مثلاً قائلاً: إن الخيل لا تجري لغايتها، وهي بدينة إنما تجري وهي ضمر -أي قد زال شحمها- ألا وإن أيامنا باقية جائية لها نعمل(6).

إنه يروّض نفسه بالطاعة ويجاهدها في الرخاء، حتى تكون طيّعة له، سهلة الانقياد في ساعة العسرة والشدة.

سباستيان.. والإعداد الإستراتيجي

في عام 2012م، أعلنت محلات ألمانية شهيرة تدعى «Saturn»، عن مسابقة كبيرة احتفالاً بافتتاح فرعها الـ150، وأن الفائز بالمسابقة سيدخل فرعها الجديد، لمدة 150 ثانية، يحمل فيها كل ما يشاء بالمجان.

انتهت المسابقة وتم الإعلان عن الفائزين، منهم الشاب سباستيان، البالغ من العمر 27 عاماً.

كان يوم المسابقة مصحوباً بتغطية إعلامية غير مسبوقة، وعندما فتحوا المتجر المليء بالأدوات الكهربائية والأجهزة الحديثة، اشتدّ الزحام، واصطدم الجميع ببعضهم، وتسببوا في عراقيل، وصناعة سدود وحواجز بشرية، بسبب عفوية الفوضى، وفي النهاية لم يحمل أحد شيئاً ذا بال بسبب الزحام، سوى الشاب سباستيان.

كان الجميع في غاية العجب من أداء الشاب، حيث تمكن من حمل عدة أجهزة من بينها ثلاجة كبيرة الحجم، وقدّر حينها ما قام بسحبه وجمعه من المتجر بـ29 ألف يورو.

كانت أول عبارة نطق بها الشاب سباستيان بعد خروجه من المتجر: «لقد نجحت إستراتيجيتي»، وكانت هذه الإستراتيجية التي تبناها وكشفها لوسائل الإعلام، أنه كل يوم منذ إعلام المسابقة، يمرّ على المتجر ويخطط  لمساره وأولوياته أثناء سيره في ممرات المتجر، وماذا يحمل، وماذا يترك، لكي يخرج بأكبر قدر من المكاسب، وهو ما تحقق له على أرض الواقع.

إن هذه طريقة كل من يطلب النجاح هل دخل عليه رمضان وهو مستعد، أم أنه قد فاجأه مثلما فاجأ الجميع دون استعداد، فتركهم فجأة كما دخل عليهم فجأة.

إن المُنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى

لقد حذرنا الهدي النبوي من الإعداد الخاطئ، وكيف يكون مهلكاً للفرد وحرقاً لوسائله وتدميرها، فضرب لنا مثلاً «فإن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى» يقال للرجل إذا انقطع به في سفره وعطبت راحلته: قد انبت، من البتّ: القطع(7).

أي أنه يقوم بضرب دابته فيجهدها فيتخلف عن الركب فلا هو لحقه، ولا بقيت له دابته، التي أنهكها من شدة الحثّ على إدراك الركب، وهذه حالنا في كل رمضان ندخل فيه بنشاط ودون إعداد، فيأتي آخره وهو جوهر الشهر وفيه ليلة القدر، وقد تعبنا ومللنا، وركبنا الكسل.

فمن تكلف الاجتهاد عجز عن حمل ذلك، وأن أحب الأعمال إلى الله تعالى المداومة على العمل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكلفوا من العمل ما تطيقون فوالله لا يملّ الله حتى تملّوا».

وقال صلى الله عليه وسلم: «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ»، فمن عمل عملاً يقوى عليه بدنه في طول عمره في قوته وضعفه استقام سيره، ومن حمل ما لا يطيق فإنه قد يحدث له مرض يمنعه من العمل بالكلية، وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل فيصير كالمنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى(8).



اقرأ أيضاً:

شهر الفتح المبين

شهر رمضان فرصة للتغيير

رمضان.. ومنهجية العمل الثابت

الهوامش
  • 1 الصالحي: سبل الهدى والرشاد.
  • 2 الذهبي: سير أعلام النبلاء.
  • 3 ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث.
  • 4 ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة