من بلاغة العطف في القرآن الكريم (2 - 2)
المتشابه اللفظي وأسرار الاختيار في القرآن الكريم
في المقال
السابق، وقفنا عند بعض المواضع التي بدا فيها التعبير القرآني خارجًا عن الصورة
التي يتوقعها النحو، ولا سيما حين تأتي الواو أو غيرها من حروف العطف في موضع يدعو
ظاهر التركيب إلى تقدير جملة أو علة محذوفة. وكان السؤال الذي حاولنا إثارته: هل
يكفي تقدير المحذوف لاستيفاء دلالة التعبير، أم أن العدول عن الصورة المتوقعة قد
يكون هو نفسه جزءًا من البلاغة؟ وفي هذه الحلقة نقترب من المتشابه اللفظي بوصفه
بابًا دقيقًا للكشف عن أسرار الاختيار في القرآن الكريم؛ إذ تتشابه الآيات في
ألفاظها وتراكيبها، ثم تفترق في حرف عطف، أو في إثبات أداة وحذفها، أو في تقديم
لفظ وتأخيره، فيغدو هذا الاختلاف الدقيق مفتاحًا لفهم خصوصية السياق ودقة بناء
المعنى.
فقد تتكرر
العبارة القرآنية في أكثر من موضع، ويكاد اللفظ يكون واحدًا، ثم يقع الاختلاف في
حرف صغير: تثبت الواو في موضع وتحذف في آخر، أو تأتي الفاء بدل الواو، أو يثبت
العطف في سياق ويحذف في سياق آخر. وقد تبدو هذه الفروق لأول وهلة من قبيل التنوع
الأسلوبي، غير أن المقارنة الدقيقة تكشف أن كل موضع يحتفظ بخصوصية سياقية لا تسمح
دائمًا بنقل الصياغة من موضع إلى آخر.
وهنا تتجاوز
دراسة المتشابه اللفظي مجرد السؤال عن سبب اختلاف الألفاظ، لتصبح وسيلة للنظر في
منطق الاختيار اللغوي في القرآن: لماذا عُطفت هذه الجملة هنا ولم تُعطف هناك؟
ولماذا جاءت الفاء في موضع والواو في موضع آخر؟ وهل يمكن أن يكون الحرف الذي يبدو
صغيرًا مشاركًا في بناء المعنى العام للآية؟
وليس المقصود أن
لكل حرف معنى ثابتًا يمكن استخراجه بعيدًا عن السياق، وإنما المقصود أن قيمة الحرف
تظهر في علاقته بما قبله وما بعده، وبالمقام الذي ورد فيه.
وسنقف هنا عند
ثلاثة نماذج من المتشابه اللفظي، يجمع بينها أن الاختلاف في العطف أو الوصل ليس
منفصلًا عن اختلاف السياق.
المتشابه اللفظي بين إثبات الواو وحذفها
النموذج الأول: قال
تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ
رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ
أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن
نَّبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام: 34)، وقال سبحانه وتعالى في السورة
نفسها: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ
رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ) (الأنعام: 115).
والتشابه بين
الموضعين ظاهر، لكن الفرق دقيق: في الآية الأولى سبقت الجملة بالواو (وَلَا مُبَدِّلَ)، بينما
جاءت في الثانية من غير واو (لَا
مُبَدِّلَ). وقد يبدو الفرق لأول وهلة نحويًا محضًا، غير أن الناظر في
السياق يجد أن الآية الأولى جاءت في سياق تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، بعد ذكر
ما لقيه الرسل من التكذيب والأذى، ثم الإخبار بإتيان النصر: (فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا
وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) ثم تأتي: (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) فالجملة،
بواوها، تبدو داخلة في حركة التثبيت التي ينتظم بها السياق: تكذيب، وصبر، وأذى، ثم
نصر، ثم تقرير ثبات كلمة الله التي لا تتبدل، كأن الواو تصل هذا التقرير العام بما
سبقه من سنّة تكذيب الرسل وصبرهم ومجيء النصر، فتجعل ثبات كلمات الله ضمانًا لما
وعد به رسله من التأييد والنصر، ويسهم تركيب «لا مبدل»، بما فيه من نفي عام، في تقرير
ثبات كلمات الله وامتناع تبديلها، من غير تقيد بزمن مخصوص.
أما في الآية
الثانية فقد سبقها تقرير مكتمل: (وَتَمَّتْ
كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) فجاء: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه) والجملة هنا تبدو
أكثر استقلالًا في بنيتها، مع شدة اتصالها بما قبلها من جهة المعنى، ويزداد الفرق
دقة حين نلاحظ الانتقال من التصريح في: (لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) إلى الإضمار في: (لِكَلِمَاتِهِ) فالاسم الظاهر في الموضع الأول
يستحضر اسم الجلالة في مقام التثبيت، بينما كان المرجع حاضرًا في الموضع الثاني في
قوله: (كَلِمَتُ رَبِّكَ)
فكان الإضمار كافيًا من جهة الإحالة.
وهكذا لا يبدو
الفرق بين الآيتين مجرد زيادة واو وحذفها، وإنما يتضافر العطف والتصريح والإضمار
في تشكيل بناء مختلف لكل سياق.
واللافت هنا أن
المتشابه اللفظي يكشف لنا شيئًا قد لا يظهر عند قراءة كل آية منفردة، وهو أن
الجملة الواحدة حين تنتقل من سياق إلى آخر لا تنتقل معها بالضرورة جميع أدواتها؛
لأن السياق الجديد يعيد تشكيلها.
الفاء والواو.. اختلاف الربط باختلاف السياق
النموذج الثاني:
قال تعالى: (فَلَا تُعْجِبْكَ
أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:
55)، وقال
سبحانه في السورة نفسها (وَلَا
تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ
يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:
85).
ومن المواضع
التي تستحق التأمل أن الفارق بين الآيتين لا يقتصر على حرف واحد؛ فهناك مجموعة من
الفروق المتتابعة، وهذه الكثرة من الفروق تجعل من الصعب النظر إلى أحدها منفردًا؛
إذ يبدو أن كل تركيب قد صيغ بحيث ينسجم مع بقية التركيب والسياق.
وأبرز هذه
الفروق في موضوعنا هو: "فلا" مقابل "ولا"؛ فالفاء في الآية
الأولى تصل النهي بالسياق السابق، فتجعل قوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ) في صورة نتيجة أو تفريع لما
سبق من الحديث عن أموال المنافقين وأولادهم ومواقفهم. أما الواو في الآية الثانية
فتدخل بالنهي في سياق العطف والاستمرار، من غير أن تحمل الجملة الدرجة نفسها من
معنى التفريع. وهذا يلفت النظر إلى حقيقة مهمة، وهي أن الواو والفاء لا تؤديان
الوظيفة نفسها حين تتجاوران في السياقات المتشابهة؛ فالفاء تضيف إلى مجرد الربط
معنى من التفرع والاتصال بما سبق، بينما تبقى الواو أوسع في أداء مجرد الجمع
والربط.
ثم انظر إلى
قوله تعالى: (وَلَا
أَوْلَادُهُمْ) في مقابل (وَأَوْلَادُهُمْ)
ففي الموضع الأول تكررت أداة النفي مع المعطوف، وفي الثاني اكتُفي بالعطف
المباشر بين الأموال والأولاد، فيمكن أن نلحظ أن تكرار أداة النفي يجعل كل واحد من
المعطوفين مستحضرًا في دائرة النهي على نحو مستقل، بينما يجمع السياق الآخر بينهما
في تركيب واحد.
ومن اللافت كذلك
أن هذه الفروق تأتي في آيتين متشابهتين بصورة متتابعة، وكأن القرآن يعيد العبارة
نفسها تقريبًا، ثم يعيد تشكيلها بما يناسب المقام، وهنا تظهر قيمة المتشابه اللفظي
مرة أخرى، حيث إن الاختلاف الصغير في الحرف قد يكون علامة على اختلاف أكبر في
طريقة بناء الجملة وعلاقتها بسياقها.
التقديم والحذف في بناء المعنى القرآني
النموذج الثالث:
قال تعالى في سورة النحل: (وَهُوَ
الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا
مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا
مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: 14)، وقال في سورة فاطر:
(وَمَا يَسْتَوِي
الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ
وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً
تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (فاطر: 12).
والفرق هنا أوسع
من اختلاف حرف العطف؛ إذ اجتمع في الموضعين: (مَوَاخِرَ فِيهِ) و(فِيهِ مَوَاخِرَ) مع: (وَلِتَبْتَغُوا) و(لِتَبْتَغُوا) وهذا المثال من أجمل أمثلة
المتشابه اللفظي؛ لأنه يبين أن العناية بالصياغة لا تقف عند اختيار الحرف، وإنما
تمتد إلى ترتيب عناصر الجملة وعلاقتها بما بعدها.
ففي سورة النحل
جاء الكلام في سياق تعداد منافع البحر، حيث الأكل واستخراج ما فيه، وركوب الفلك،
والابتغاء من فضل الله، وشكره سبحانه وتعالى، فنحن أمام سلسلة متتابعة من مظاهر
التسخير ومنافعه، تتعاضد فيها الواوات على بناء تعداد متصل.
أما سورة فاطر
فتأتي في سياق مختلف يبدأ بالمقارنة: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ... وَهَٰذَا مِلْحٌ
أُجَاجٌ) ثم يأتي الحديث عن المنافع المشتركة: (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا
وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) ثم (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) فتقديم (فِيهِ) يجعل ظرف المكان
حاضرًا في بداية الجملة، وهو أمر ينسجم مع السياق الذي صار فيه البحر ومجال الحركة
فيه حاضرًا في بنية الكلام.
ثم تأتي جملة (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) من
غير واو، وهنا يبدو الارتباط بين الجملة وما بعدها أكثر مباشرة، بخلاف سورة النحل
التي جاءت فيها (وَلِتَبْتَغُوا)
ضمن سلسلة من الأغراض المتعاطفة.
ومن ثم يمكن أن
يكون حذف الواو في فاطر ذا صلة بطريقة اتصال الغاية بما قبلها، بينما إثباتها في
النحل ينسجم مع انتظام الأغراض في سلسلة واحدة. ومن هنا يمكن القول بأن العطف
يشارك في تحديد درجة استقلال كل معنى عن المعنى الذي يسبقه، فالواو قد تجعل الغرض
جزءًا من سلسلة متعاطفة، بينما قد يجعل حذفها الغاية أكثر التصاقًا بما قبلها.
وبناء على
الأمثلة السابقة يظهر لنا أن دراسة المتشابه اللفظي يمكن أن تقدم طريقًا مهمًا
لفهم الأسرار البلاغية للعطف في القرآن الكريم، فالاختلاف بين موضعين متشابهين هو
في ذاته سؤال بلاغي؛ لأنه يتيح لنا أن نرى ما لا يظهر بسهولة في القراءة المنفردة:
أن الحرف الذي يمكن أن يبدو قابلًا للاستبدال في ذهن القارئ قد يكون جزءًا من
هندسة المعنى في النص.
وإن أهم ما
يكشفه المتشابه اللفظي في باب العطف أن القرآن لا يعيد الصياغة نفسها لمجرد
التشابه في الموضوع، وإنما تتشكل العبارة بحسب المقام الذي ترد فيه. وهذا لا يعني
أن كل حرف يحمل معنى مستقلًا ثابتًا، ولا أن كل اختلاف بين موضعين يمكن اختزاله في
"سر" واحد، وإنما يعني أن قيمة الحرف تتحدد داخل شبكة العلاقات التي
ينشئها السياق، ومن ثم فإن المتشابه اللفظي لا يكشف فقط عن اختلاف بين آيتين؛ بل
يكشف عن حساسية النص القرآني للسياق، وعن أن التغيير الذي يبدو في ظاهره صغيرًا قد
يكون هو العلامة التي تقودنا إلى فهم دقيق للسياق والمقام.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً