المسكوت عنه في حفلات الزواج الاستعراضية

أسامة الهتيمي

31 ديسمبر 2025

457

على الرغم من أنه لا توجد إحصاءات رسمية أو أرقام دقيقة بشأن إجمالي الإنفاق العربي على حفلات الزفاف سنوياً، فإن بعض التقديرات خلال الفترة من عام من 2009 إلى عام 2021م تشير إلى أن حجم الإنفاق في حفلات الزفاف خاصة في دول الخليج بلغ نحو 3 مليارات دولار سنوياً.

تكشف بعض الأرقام التقديرية خلال عامي 2024 و2025م أن متوسط تكلفة حفل الزفاف الواحد في بعض الدول الخليجية من 50 إلى 200 ألف دولار، أو يزيد على ذلك في  الحفلات الفاخرة، بينما يتراوح متوسط هذه الحفلات في مصر من 20 إلى 40 ألف دولار، وفي لبنان وسورية والعراق تتراوح ما بين 10 إلى 50 ألف دولار، فيما يتراوح متوسطها في دول المغرب العربي من 10 إلى 30 ألف دولار.

وبالطبع، فإن هذه الأرقام تعكس بوضوح حجم التحول الذي طرأ على شكل حفلات الزواج في عالمنا العربي من مناسبة اجتماعية بسيطة إلى ظاهرة باهظة التكاليف، بشكل يتعارض مع التوجيهات الإسلامية ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم التي حثت على التيسير وعدم المبالغة، ما يستدعي ضرورة التوقف عندها.

حفلات الاستعراض

لعلنا لا نكون مبالغين إذا وصفا الكثير من حفلات الزواج في عالمنا العربي في الوقت الراهن بأنها حفلات استعراض على مختلف المستويات سواء كانت مادية أو سلوكية، حيث يتداخل فيها الترف المبالغ فيه مع ممارسات أخلاقية تتعارض مع القيم الإسلامية التي يمكن أن نرصد منها:

1- محاكاتها لـ«عروض الافتتاح»، فنجد الإضاءة الخافتة والموسيقى الصاخبة والمؤثرات الضوئية والدخان الصناعي وفتح الأبواب ببطء، ثم ظهور العروسين اللذين تدربا على يد فريق ليدخلا القاعة بطريقة محددة وكأنهما يصوران مشهداً سينمائياً.

2- يستتبع ذلك بالطبع تصوير المشهد بشكل احترافي عبر فريق تصوير يستخدم آلات تفوق ما يتم استخدامه في بعض البرامج التلفزيونية حيث الكاميرات و«الدرونز» التي تحلّق فوق رؤوس الحضور ووحدات الإضاءة الضخمة.

3- لا يكاد يخلو حفل زفاف من فقرة خاصة برقص العروس أو العريس أو هما معاً، فيما يلحق بهما أصدقاؤهما وأقاربهما في مشهد تسقط في أغلبه المعايير والتوجيهات الدينية ووسط قبول من الحاضرين.

4- تتخلل بعض الأعراس فقرات باهظة التكاليف، كأن تكون هناك استعراضات نارية وفرق فنية أو أحد المغنيين المشهورين، فيما يتم الاستعانة أحياناً بالخيول العربية وبالسيارات الرياضية التي تصطف خارج القاعة لتتضاعف الأعباء رغم أنها أمور لا علاقة لها بالزفاف ذاته.

5- على الرغم من أن السُّنة النبوية حثت على الولائم في الأعراس في حال الاستطاعة، فإن البعض وبكل أسف تجاوزوا حدود الاعتدال فيها بما يفجر الأسى عند النظر إلى الهدر الذي يحدث داخل القاعات وبين هؤلاء الفقراء الذين لا يجدون ما يقتاتون به لحفظ حياتهم.

6- لا يخفى على أحد ما تقوم به بعض العرائس وقريباتها وصديقاتها من ارتداء لملابس غير لائقة وعارية في حفلات معلوم أنها مختلطة؛ ما يعني تكشف هؤلاء الفتيات والنساء على رجال أجانب عنهن.

7- قيام البعض بتقديم هدايا باهظة بشكل علني ومستفز بهدف إشعال التنافس بين المهنئين لتتحول التهنئة إلى مباراة اجتماعية.

8- السوأة الكبرى أن يعمد بعض العرسان إلى محاكاة أنماط دخيلة مستوردة من بعض حفلات الزواج الأجنبية، فيمارسون تصرفات لا تنسجم مع القيم والأعراف، كتلك القبلات المتبادلة بين العروسين، أو الإيماءات والمشاهد الخادشة للحياء والمتناقضة مع الوقار الذي يفترض أن يميز مناسبة تأسيس أسرة.

أسباب التحول

لا شك أن هذا التحول الذي نقل حفلات الزفاف في عالمنا العربي من شكلها البسيط الذي يمكن أن يكون مجرد تجمع عائلي محدود، إلى هذا المهرجان الاستعراضي الكبير الذي يمكن أن يستمر لساعات، وراءه جملة من الأسباب التي جعلت منه ظاهرة تستفحل يوماً بعد يوم.

يأتي في مقدمة هذه الأسباب هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على حياة الناس، إذ أضحى الكثيرون أسرى لأن يحولوا كل تفاصيل حياتهم إلى محتوى للنشر، فيحرص كل من العريس والعروس على أن يقدما محتوى خاصاً ومختلفاً؛ حتى يحظيا بأكبر قدر من المشاهدات وإبداء الإعجاب، غير مهتمين بأن هذه لحظة خاصة بهما وبأهليهما.

كذلك تعد الضغوط الاجتماعية سواء من أهل العروس أو من المجتمع المحيط تدفع العريس إلى التقليد والمحاكاة حتى لا يبدو أقل من غيره، فكما فعل غيره عليه أن يكون مثله إن لم يكن أفضل منه، وحتى لا يُتهم أيضاً بالعجز أو بالتقصير.

ومن ذلك أيضاً انسحاق بعض الأسر والعائلات أمام التقاليد، حيث يتجاوزن في دعوة المدعوين حد الاعتدال، فتجد بعض الحفلات وقد ضمت من 1000 إلى ما يزيد من المدعوين؛ الأمر الذي يضطرهم إلى استئجار قاعات كبيرة فضلاً عن تكلفة أعلى في الضيافة.

وكذلك تلجأ بعض الأسر والعائلات إلى شركات متخصصة ومحترفة لإعداد هذه الحفلات التي بطبيعة الحال تغالي في عروض الفخامة وحجم الإنفاق على الإبهار من أجل تحقيق الاختلاف والتميز.

الرجولة المهددة

بالطبع، يرى أصحاب هذه الحفلات أن ما يقومون به فرصة للمباهاة والتفاخر بغض النظر عن كيف تم توفير تلك النفقات، أو ما أثر ذلك على الآخرين ممن ضعفت نفوسهم أمام التقليد؛ فحملوا أنفسهم بما يفوق طاقاتهم؛ فيُدفعون دفعاً لاستنزاف قدراتهم في ليلة واحدة تحت ضغط المقارنة وهاجس الظهور ليبدؤوا حياتهم مثقلين بالديون.

وما أن تنتهي سكرة الفرحة بعد وقت قليل من الحفل حتى ينتبه هؤلاء إلى أن حياتهم غير مستقرة مادياً، حيث عبء سداد ما عليهم من قروض بما ينعكس على حياتهم الأسرية، وبما يناقض جوهر القوامة التي تقوم على قدرة الزوج على الإنفاق الرشيد وتحمل المسؤولية، ومن ثم تدخل الأسرة الجديدة في دوامة من المشكلات التي ربما تصل إلى حد تهديد كيانها.

ولا يقل القبول بالمخالفات الشرعية في العرس خاصة تلك التي تصدر من العروس في ملبسها وبعض سلوكها خطورة عن الأعباء المالية، فتمريرها والرضا بها يقترب برجولة الزوج من حافة الهاوية، ويتناقض كل التناقض مع ما وجب عليه من ستر زوجته وحفظ عرضها والغيرة عليها، فضلاً عن كون ذلك مخالفة لقول الله: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب: 33).

ولا ينحصر تهديد الرجولة على الزوج فحسب، رغم أنه الشخص الأول المعني بذلك، كونه يملك قرار رفض هذا الشكل من الاحتفال في يوم الزفاف، لكنه يمتد إلى أهل العروس نفسها، بل ربما لأهل الكثيرين من الفتيات والنسوة المشاركات في مثل هذه المخالفات الشرعية. 

ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قد استبق ذلك بالتحذير من الوقوع في فخ الدياثة، فعن سالم بن عبدالله عن أبيه رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة ديوث»، وفي رواية أخرى: «الذي لا يغار على أهله».

وعليه، فإن الأزمة الحقيقية لهذه الحفلات الاستعراضية يتجسد فيما تعكسه من خلل عميق في ترتيب القيم الأمر الذي يجذر لكل ما من شأنه أن ينتقص من رجولة وقوامة الزوج على مختلف المستويات.



اقرأ أيضاً:

السؤال الصعب.. ماذا عن حق «الجنس الحلال»؟!

الشباب والجنس.. المغريات وارتفاع تكاليف الزواج

جيل خليجي يختار العزوف عن الزواج!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة