استيطان يتمدد ومقاومة تتجذر (4)
المقاومة الفلسطينية بين شرعية الحق وإرهاب الإعلام
تُعدّ وسائل الإعلام أحد أبرز الفاعلين
في تشكيل الرأي العام، وتوجيه الإدراك الجمعي تجاه القضايا المحلية والدولية، وفي
سياق الصراع العربي-الإسرائيلي يلاحظ ميل العديد من الوسائط الإعلامية ولاسيما
الغربية إلى توجيه الاتهام للمقاومة الفلسطينية في حين تُخفّف أو تُغفل الانتهاكات
المرتكبة من قبل إسرائيل.. يثير هذا النمط من التغطية تساؤلات حول أسباب التحيّز
الإعلامي، وفي خضمّ النضال الطويل والمعقّد الذي يخوضه الشعب الفلسطيني بمقاومة
مستمرة ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من سبعة عقود مضت، ورغم أن هذه المقاومة
تنبع من حق أصيل في الدفاع عن الأرض والوجود، إلا أنها تواجه تشويهًا ممنهجًا من
قبل الإعلام المحلي والإقليمي والعالمي الذي غالبًا ما ينحاز إلى الرواية
الإسرائيلية ويصف كل فعل مقاوم تارة بـ"الإرهاب" وتارة أخرى بالتهور، وبين
شرعية الحق الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وسيف الإعلام المصلت عليه لتجريمه تدور
معركة شرسة وطويلة على الوعي والعدالة.
لذا لابد من تأكيد المؤكد وترسيخ فكرة أن شرعية المقاومة الفلسطينية ليست وليدة اللحظة، بل هي تراكم تاريخي من الرد على الاحتلال بدءًا من الانتداب البريطاني مرورًا بالنكبة عام 1948، ثم النكسة، فالانتفاضتين الأولى والثانية، وحتى الحروب المتكررة على غزة والمعارك الطويلة في الضفة الغربية، وكل ذلك في مواجهة احتلال عسكري فاشي قائم بالقوة يسيطر على الأرض ويحاصر الشعب ويُمارس بحقه شتى أنواع القمع والتطهير العرقي.
وفقًا للقانون الدولي، ولاسيما المادة 51
من ميثاق الأمم المتحدة فإن للشعوب تحت الاحتلال الحق في مقاومة المحتل بجميع
الوسائل المشروعة، بما في ذلك الكفاح المسلح كما تنص اتفاقيات جنيف على ضرورة
حماية المدنيين وتعتبر المقاومة ردًا مشروعًا على الاحتلال والانتهاكات، وعلى هذا
الأساس فإن كل أوجه النضال الفلسطيني.. من المقاومة الشعبية.. إلى المسلحة.. إلى
القانونية.. تنبع من شرعية قانونية وأخلاقية.
إلا أن وسائل الإعلام لا تُقرّر ما يفكّر فيه الناس، بل تُحدّد ما يجب أن يفكروا فيه، عبر تسليط الضوء على مواضيع محددة وتهميش أخرى، أما الثانية فتوضح كيف تقوم الوسائط بإعادة تشكيل الواقع من خلال اختيار زاوية معينة للعرض، واستخدام لغة تحمل دلالات ضمنية تؤثر على التلقي العام.
العلاقة بين وسائل الإعلام ومراكز القوة
ترتبط العديد من المؤسسات الإعلامية
خصوصًا في الغرب بعلاقات مباشرة أو غير مباشرة مع دوائر صنع القرار السياسي
والاقتصادي، وبالنظر إلى التحالفات الاستراتيجية بين الدول الغربية و"إسرائيل" فإن
هذا التداخل يُفضي إلى اصطفاف إعلامي يعكس تلك المصالح، كما أن اللوبيات المؤثرة
كـ"اللوبي الصهيوني"، تلعب دورًا محوريًا في الضغط على المؤسسات
الإعلامية لضمان تغطية مواتية لصورة "إسرائيل" والتقليل من شرعية أو سردية الطرف
الفلسطيني.
أحد أبرز مظاهر الانحياز الإعلامي يكمن
في التأطير الأمني للصراع حيث تُقدَّم "إسرائيل" غالبًا كدولة تدافع عن نفسها ضد
"تهديدات إرهابية" بينما تُصوَّر المقاومة الفلسطينية- رغم كونها نابعة
من واقع الاحتلال- كفاعل عدواني ويؤدي هذا التأطير إلى إغفال وتجاهل الجذور
السياسية للصراع، وعلى رأسها الاحتلال والاستيطان وتحويل القضية إلى مسألة
"أمنية" بحتة، في المقابل تُقلّص معاناة المدنيين الفلسطينيين إلى أرقام
هامشية، ويغيب عنها التأطير الإنساني الذي يُبرز الأثر الواقعي للعدوان والحصار.
فتجد التحيّز البنيوي واللغة والخطاب
الإعلامي الغربي غالبًا ما يُعيد إنتاج أنماط استشراقية تصور الشعوب غير الغربية-
والعربية منها خصوصًا- بوصفها بدائية، عنيفة، وغير عقلانية. من هذا المنظور،
تُقدَّم المقاومة كظاهرة خارجة عن "النظام الدولي القائم على القيم
الغربية"، في حين تُصور إسرائيل كجزء من العالم المتقدم المتحضر.
يُشكّل هذا التصور تبريرًا ضمنيًا
لسياسات العنف والاستيطان على أنها دفاع عن "القيم الديمقراطية" في
مواجهة "التهديدات المتطرفة".
الإعلام العالمي وتحالفه
مع الرواية "الإسرائيلية"
رغم هذه الشرعية، يعاني الفلسطينيون من
"إرهاب إعلامي" مستمر يتمثل في تحريف الحقائق واستخدام لغة مضللة وتبني
وجهة نظر الاحتلال فعلى سبيل المثال، عندما تقتحم القوات "الإسرائيلية" مدن الضفة
ومخيماتها وتقتل مدنيين غالبًا ما يُستخدم مصطلح "اشتباك"، أما عندما
ترد الفصائل الفلسطينية بإطلاق صواريخ من قطاع غزة أو يتم استهداف الجنود العسكريين
تُستخدم أوصاف مثل "هجوم أو عمل إرهابي".
هذا الانحياز لا يأتي من فراغ بل نتيجة
سيطرة نُخب سياسية واقتصادية غربية على كبريات المؤسسات الإعلامية ومعها هيمنة
اللوبيات الداعمة لإسرائيل، وبالتالي فإن الرواية التي تصل إلى المتلقي الغربي-
وحتى العربي أحيانًا- تُقدّم الفلسطيني على أنه المعتدي وتُخفي واقع الاحتلال
والاضطهاد والاستيطان والقتل اليومي.
ومن أخطر أدوات هذا الإعلام المتحيز
العمل على تحويل الإعلام الضحيةَ إلى جانٍ بهدف قلب المفاهيم، إذ تُصوَّر عمليات
المقاومة الفلسطينية التي تستهدف جنودًا أو مواقع عسكرية وكأنها هجمات عشوائية
تستهدف الأبرياء، بينما يُبرّر قتل الأطفال الفلسطينيين بأنه "أضرار
جانبية"، وتُخفي هذه اللغة الماكرة أصل المأساة وهو أن هناك احتلالًا يفرض
نفسه بالقوة ويمنع الفلسطينيين من الحياة بكرامة.
ويكفي أن نلاحظ التغطية الإعلامية
الغربية لأي تصعيد.. تُفتَح الشاشات للتباكي على "خوف الإسرائيليين" في
الملاجئ، بينما تُعرض مشاهد القصف على غزة دون تعاطف حقيقي، وكأن الدم الفلسطيني
أقل قيمة! بل إن بعض القنوات تتعامل مع مشهد الطفل الفلسطيني الشهيد وكأنه مجرد
رقم في نشرات الأخبار.
نضال الإعلام الفلسطيني
والعربي
أمام هذه الحرب الدعائية برزت أصوات
فلسطينية وإعلام مقاوم حاول كسر الحصار المفروض على الحقيقة من خلال مواقع التواصل
الاجتماعي، بدأت الصورة تنقلب تدريجيًا وبات الفلسطيني يصوّر معاناته مباشرة وينقل
عبر هاتفه مشاهد الاعتقال والقتل والدمار، وهو ما أحرج الإعلام التقليدي، وفضح
كثيرًا من مزاعمه، وقد برز دور الصحفيين والكتاب الفلسطينيين والعرب في هذا
السياق، أمثال الصحفية شيرين أبو عاقلة التي اغتيلت وهي تُغطي اجتياحًا عسكريًا
إسرائيليًا، وعشرات الصحفيين الذين استهدفوا خلال حرب الإبادة على غزة، ورغم
استشهادهم حاول الإعلام الإسرائيلي التغطية على الجرائم، وادّعى أنهم قُتلوا
"خلال تبادل لإطلاق النار"، أو أنهم يتبعون تنظيمات فلسطينية، قبل أن
تُثبت التحقيقات الدولية مسؤولية الاحتلال وإجرامه.
جل ذلك لإثبات أن المقاومة ليست إرهابًا،
بل هي نضال من أجل الحياة والاستقلال، ومازالت محاولات «إسرائيل» والإعلام الغربي لشيطنة
كل أشكال المقاومة الفلسطينية مستمرة بما في ذلك المقاطعة الاقتصادية (BDS) والتظاهرات
السلمية، وحتى الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى!
وهذا يدل على أن الهدف ليس "نبذ
العنف" كما يُزعم بل إسكات الفلسطيني تمامًا وتجريده من حقه في التعبير،
والمقاومة، والوجود.
إن مقاومة شعب أعزل يعاني الاحتلال
والحصار والتجويع لا يمكن بحال من الأحوال مساواتها بأعمال الاحتلال المنظم
والمدعوم عسكريًا وسياسيًا من قوى كبرى، والمقاومة الفلسطينية ليست إرهابًا، بل هي
فعل حرية يشتبك مع الظلم حتى في أشكاله الثقافية والدبلوماسية، وهي في جوهرها دفاع
عن الكرامة الإنسانية.
ختامًا.. بين الحقيقة والزيف تبقى
المقاومة عنوان الحق، فالمعركة اليوم ليست فقط في ميادين القتال، بل على الشاشات
وفي العقول والإعلام بات جبهة موازية تُخاض فيها معركة الرواية والشرعية، ولذلك
فإن دعم المقاومة لا يكون بالسلاح فقط بل بالوعي، وفضح التحيّز الإعلامي، وتوسيع
دوائر الحقيقة حتى يعرف العالم أن الفلسطيني لا يطلب أكثر من حريته وحقه في
الحياة، وأن مقاومته ليست عدوانًا بل ردًّا على عدوان.
لذا فقد نجح الإعلام الحر والمثقفين
وأحرار العالم في إسقاط إرهاب الإعلام وسرديته، وأن يعيدوا للمقاومة الفلسطينية
معناها النقي: «نضال في وجه محتل، وحق لا يسقط بالتشويه ولا بالتضليل».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً