النخبة.. وأثرها الريادي في المجتمع
يعد مفهوم النخبة من المفاهيم الرئيسة في قراءة حركة التاريخ الإنساني والمجتمعات بصورة عامة، إذ لا يمكن قراءة التاريخ بمعزل عن نخبه، الذين يشكلون ديناميكية عجلته في الماضي والحاضر والمستقبل.
ولعل نظرة سريعة
لمفهوم النخبة نجد أنها تطلق على مجموعة من الأشخاص تتوافر فيهم صفات وخصائص
تؤهلهم إلى ريادة المجتمع، فهم الصفوة وسراة القوم الذين فهموا الواقع وارتقوا بما
لديهم من علوم ومعارف نحو التميز والإبداع والتأثير.
ويندرج تحت هذا
المفهوم عدد من القضايا التي تؤدي إلى فهم طبيعة النخبة وأثرها في المجتمع بمختلف
تقسيماتها وتوجهاتها، فليس كل مدع يظفر بها أو ينال صفتها، فهي مسؤولية واصطفاء
نتيجة عوامل عدة وظروف أهلته لأن يكون في ذلك المصاف.
وهذا يعطي
مسؤولية كبيرة في تحمل النخب لوظيفتها، بل رسالتها، بعيداً عن كل المؤثرات
المحيطة، فقد تكون النخب بصفة أكاديمية، لكن هذا لا يعفيها من مسؤوليتها أن تتفاعل
في المجتمع وتقدم رؤيتها تجاه العديد من القضايا التي تلامس حياة ومصير الناس؛
بمعنى ألا تنكفئ وتنعزل بحجة الوظيفة التي تمارسها، فتكون الفجوة والهوة بينها
وبين المجتمع طبقية، وهذا ما يؤثر على مكانتها وثقة المجتمع بها، كونها اختارت
العزلة بديلاً عن المشاركة وتقديم المشورة والرأي وما يحتاجه المجتمع.
بل يتعدى الأثر
إلى أبعد من ذلك في فهم طبيعة المكانة وتحديات المرحلة، بمعنى أن تكون النخبة
واعية بالقدر الذي تفهم في ضوئه طبيعة الحياة التي تعيشها، بعيداً عن التنظير إلى تقديم
الحلول والمعالجات، بل وإلى رسم سياسات معينة لتكون وثيقة أو دليلاً في تجاوز
العقبات.
ولا ريب في أنّ
في مثل هذه الأجواء يتطلب من النخب سواء التعليمية أو الفكرية أو السياسية أو
الاقتصادية، أن توحِّد رؤاها في خدمة المجتمع، وتقديم الدعم الكامل له في ضوء
التجارب والإمكانات التي لديهم بما يسهم في وضع العديد من الإصلاحات التي تعين على
تخطي العقبات وإصلاح ما تضرر بسبب التشظي والفرقة.
فالمجتمع عندما
ينظر إلى نخبه وهي مدركة تماماً لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، سيغير من
نظرته وتوجهه بنحو إيجابي نتيجة الشعور بصدق النوايا والخطوات الجادة في رسم معالم
تدلل على نية التغيير والتأثير.
والأمثلة كثيرة
في التاريخ لنخب كان لها الأثر الفاعل في تغيير واقع مجتمعاتها من الدمار والضياع
إلى البناء والازدهار؛ لأنّ من خاصية تلك النخب أنها تؤمن بأنّ الحركية الإيجابية شرف
وميثاق وأمانة في رقبتها، لا بد أن تسير في المسار الصحيح الذي يرمز إلى التفاعلية.
وهنا قد يثار
تساؤل: من لديه القدرة على التأثير؟ هل هناك نخبة حركتها أقوى وأسرع من الأخرى، أم
أنها في الحال سواء؟
في الحقيقة لو
نظرنا إلى أحداث التاريخ وما نتج عن مجرياته من تداعيات وآثار كان لها صدى واسع في
تلك الحقب، لوجدنا أنّ تلك النخب كان لها سبق المبادرة دون الانتظار أن يسند لها
واجب التكليف، فطالما أنها مؤمنة بمكانتها ودورها في الحياة، وأنّ العمل جزء رئيس
في ثوابتها، كان لا بد من تقديم ما يقع على عاتقها من مسؤولية.
فهناك من النخب
من كان له الأثر الفاعل في دفع الخطر والوباء والبلاء عن بلاده، ومنهم من كان له
الدور في إشاعة روح التسامح والوئام بعيداً عن جو التشرذم والانقسام، ومنهم من كان
له بصمة في مجال الطب والهندسة والعمارة.. وغيرها من الأعمال التي أسهمت في رقي
المجتمعات.
وعلى اختلاف
طبيعة العمل الذي يقوم به النخب، من غير انتقاص لما يقدمونه من أعمال وواجبات تصب
في مصلحة المجتمع، فإنّ النخب العلمية كانت وما زالت تحتل موضع الصدارة بين النخب؛
لما تمتلكه من ثراء علمي وفكري، ورؤية في تقديم خبرتها المتراكمة، وفن التعامل مع
المقابل في بيان رأي أو تقديم خيارات لحالة معينة.
كذلك لديها
المقدرة على الحوار الذي يفضي إلى نشر رسالة العلم والتسامح والمودة والوفاق بين
أفراد المجتمع، فضلاً عن طبيعة العمل المنوط بها وتحقيق الاندماج المعرفي
والمجتمعي، أفضى إلى أن تكون قادرة على تحقيق ذلك الأثر من خلال تقديم الحلول
الناجعة ورسم سياسات عامة، تكون بمثابة مظلة تساعد الحكومات على تجنب المشكلات والأزمات.
إن حجم الوعي
الذي تشكّل لدى تلك النخب نتيجة الكم الهائل من الخبرات في مجال عملها وما يحيط به
من مؤثرات، قد جعلها تتمسك وتدعو إلى غلبة الهوية الجامعة بعيداً عن المسميات التي
تفرّق ولا تجمع مجتمعاتها، وأعطت رسالة مفادها بأنها صمام الأمان والمظلة التي
تعبر عن المساحة الآمنة في نظر المجتمعات الطامحة إلى واقع جميل وسليم من كافة
الأمراض السياسية والاجتماعية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً