النسوية.. وإستراتيجية تذويب الرجولة
ما نموذج الرجل
الجديد الذي تكافح من أجله النسوية؟ يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً مع حملات
التسويق العالمية لنموذج الرجل الجديد الخاضع لتقلبات المزاج الأنثوي، ذلك النموذج
المفتقد للصلاحيات الفطرية والتقليدية، الذي يجب أن يتخلى عن أهم ركيزتين أساسيتين
للرجولة، وهما الرعاية والأبوة.
تأنيث معايير الرجولة
النسوية في
سعيها للبحث عن معنى للحياة بعيداً عن البيت، يبدو أنها لم تجد إلا الرجل لتضعه
مكانها، وحشر الرجل في نطاق البيت لا يتأتى إلا بتغيير معايير الرجولة الفطرية
والاجتماعية ليقبل الرجل بهذا الدور الجديد الذي يذوب أهم ركيزتين للرجولة داخل
الأسرة، وهما الرعاية والأبوة.
تظن النسويات أن
سلطة الرجل في الأسرة النووية البسيطة، في السابق، كانت ترجع أنه هو المُعيل
للأسرة، ومن يمتلك المورد المالي يصبح مستحوذاً على السلطة، إضافة إلى القبول
الاجتماعي للرجل للقيام بدور القائد للأسرة، فقد كانت صفات الرجولة تنبع من ممارسة
هذا الدور.
وتفكيك النسوية
لهذا الدور الذي حظي بقبول اجتماعي واسع، يعني تفكيك سلطة الرجل وتذويب مكانته
داخل الأسرة وخارجها، ويصبح القضاء على سلطة الرجل في أقدم وأرسخ دوائره، وهو
الأسرة، ما هو إلا امتداد لتفكيك دوره في باقي مناحي الحياة.
وطُرح نموذج
الرجولة الجديد، تحت مسمى «الرجولة النسوية»؛ وهو مفهوم يزعم أنه يدعو إلى إعادة
صياغة مفاهيم الذكورة التقليدية وتخليصها من التسلط، وتفكيك البنى الأبوية وإعادة
إنتاج رجولة قائمة على التعاون والتفاعل؛ أي أن يضطلع الرجل بجزء من أعباء الرعاية
المنزلية، وأن تتراجع سلطته داخل الأسرة، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال إعادة إنتاج
معايير جديدة للذكورة والرجولة.
في دراسة بعنوان
«الذكورة النسوية» نشرت عام 2025م، ذكرت أن الهدف من «الذكورة النسوية» تفكيك الأدوار
«الجندرية» التقليدية؛ وهو ما يعني أن يقوم الرجل بتقديم أعمال الرعاية في المنزل.
ومن أجل إيجاد
قبول لهذا التذويب للرجولة تحت غطاء ما يسمى بـ«الذكورة النسوية» بدأت حملات دولية
لنشر هذا الاتجاه المقلق، فظهرت حملات دولية للترويج، ومنها:
1- حملة رعاية
الرجال (MenCare)، ونشطت في حوالي 50 دولة لتشجيع الرجل على
أن يكون له دور في الرعاية الأسرية مثل المرأة، وأن يقوم بالرعاية المنزلية
وواجباتها.
2- تحالف «MenEngage» الذي ضم أكثر من ألف منظمة في أكثر من 70 دولة، وهو يرصد كيفية
تشكيل أنماط الذكورة الجديدة، ويسعى لإخراج الذكورة النسوية من الحيز الأكاديمي
النخبوي إلى الفضاء الاجتماعي الشعبوي وتحويلها إلى جزء من الحياة اليومية،
والمساهمة في إعداد نماذج جديدة من تلك الرجولة المنشودة ليحتذي بها الرجال.
في دراسة سابقة
نشرت عام 2023م حول تأنيث معايير الرجولة، ذكرت عدة حقائق يجب الانتباه إليها،
منها:
- أن الأدلة
المعاصرة تشير إلى أن مفهوم الرجولة يتغير، مُكتسبًا سمات أنثوية.
- أنه لا تزال
آثار هذا المعيار الرجولي الجديد على العلاقات بين الجنسين غير واضحة.
ولن نذهب بعيداً
إذا أكدنا أن مطالب اتجاهات نسوية بإباحة الإجهاض أو رفض الزواج، أو اعتبار حق
استئصال الرحم حقاً أنثوياً كسبيل للتخلص من ضريبة الأنوثة في الحمل والرعاية، تحت
شعار زائف هو «التخلص من ضغط البيولوجيا»، ما هو إلا نوع من الحصار للرجولة من
خلال تشويه الأنوثة وتحويل الأنثى إلى كائن يصعب تصنيفه بيولوجياً.
والحقيقة أن دور
الرجل في بعض المجتمعات، وبخاصة الغربية، يشهد تحولاً، وتغيرات في سمات الرجال،
ومهنهم، نحو تأنيث معايير الرجولة، بأن يتبنى الرجل أدواراً وسلوكيات كانت تُعتبر
أنثوية، وهذا يتطلب تحولاً ثقافياً عميقاً.
فالرجولة مكانة
اجتماعية مكتسبة، ويجب على الذكر اكتسابها، وأنها تُفقد بسهولة، على عكس الأنوثة
التي تعد فطرية ونتاج نمو جسدي وبيولوجي إلى جانب المكتسبات الاجتماعية.
الرجولة.. ومقاومة التذويب
بما أن الرجولة
عملية مكتسبة وقابلة للفقد، فإن الرجل يشعر بالخطر تجاه أي تهديد تتعرض له
الرجولة، ويُنتج ردود فعل متنوعة للحفاظ على مكتسب الرجولة، ويزداد توتره وتحفزه
للمواجهة مع إحساس بخطر فقْد الرجولة واكتساب سمات أنثوية، ومن هنا جاءت ردود فعل
الرجال ذات حدة وتحدٍّ تجاه تجاوز النسويات، وظهرت حركات نسائية ترفض هذا الاتجاه
النسوي لتذويب الرجولة، ومنها:
1- حركة «الزوجات
التقليديات»؛ وترى تلك الحركة التي نشطت منذ العام 2016م أن النسوية خطر وتهديد
على الرجل والأسرة، وتدعو لعودة المرأة إلى الأدوار الجندرية التقليدية؛ ربة منزل
متفرغة لإدارة شؤون البيت، وإعداد الطعام، وتربية الأطفال، معتبرة أن طاعة الزوج
وتلبية احتياجات الأسرة قمة الأنوثة والنجاح، وذلك كبديل لضغوط الحياة المهني،
وتنشر هذه الحركة مقاطع فيديو لزوجات أو أمهات يبقين في المنزل وهن يطبخن، ويعتنين
بأطفالهن، ويؤدين الأعمال المنزلية.
2- السلوكيات
المعادية للنساء؛ النسوية حوّلت الرجل إلى معاداة النساء وخصومتهن، وأيقظت الغضب
وروح التحدي في نفس الرجل، وذوّبت فيه شهامة الفارس الذي كان يرعى الأنوثة.
ويلاحظ أن
الشباب أكثر عرضة لإظهار مواقف متحيزة جنسيًا عندما يرون منافسة بين الرجال
والنساء على موارد المجتمع، ويتفاقم هذا التصور مع عدم الاستقرار الاقتصادي،
وارتفاع معدلات البطالة، ونظرة المجتمع إلى المؤسسات العامة على أنها غير عادلة.
ويرى الرجال أن
التقدم المحرز في حقوق المرأة يُشكل تهديدًا لفرصهم، وهذا ما أكدته دراسة نشرت
أغسطس عام 2022م بعنوان «من يرى أن حقوق المرأة تُشكل تهديداً للرجال والفتيان» أن
الأبحاث الحديثة رصدت رد فعل عكسي ضد هذه المساواة بين الجنسين، تتجلى في تصاعد
التمييز الجنسي المعاصر، وأن الدراسات تشير إلى أن هذا التمييز يتنبأ بمواقف
سياسية وسلوكيات انتخابية تضر بتمكين المرأة والليبرالية، وأن الكثير من الشباب
ينظرون إلى التقدم المُحرز في حقوق المرأة على أنه تهديد لفرص الرجال.
يبدو أن نموذج
الرجل الذي تنشده النسوية، ربما ينحصر في العبارة الطريفة التي قالها الممثل
الشهير آل باتشينو: «لن تتوقف المرأة عن المطالبة بالمساواة، حتى ترى الرجل يلِد
أمامها».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً