أخلاق اليهود

النفاق والدونية في العهد القديم

لوحة مائية مكتوب فيها النفاق والدونية في العهد القديم


حينما يوجد اليهود في مجتمع يشعرون فيه بشيء من الضعف، وتسلط الآخرين عليهم فإنهم ينهجون منهج النفاق والتلون، والسلوك الدوني مع أولئك المخالفين.

والعجيب أن مصادرهم الدينية (وعلى رأسها العهد القديم) أصلت لهم وسوغت لهم مسالك النفاق والدونية، وبيان ذلك فيما يلي:

 تأصيل العهد القديم لأخلاق النفاق والدونية:

سجل العهد القديم كثيرًا من صور الدونية والنفاق في تعامل اليهود مع المخالفين لهم، ومن أبرز تلك الصور:

1- المراوغة والغدر:

من أغرب القصص التي يحكيها العهد القديم وتؤسس لهذا الخلق الذميم؛ قصة مراوغة وغدر أبناء يعقوب تجاه (شَكِيم وحَمُور)([2])، عندما أراد حمور أن يخطب دينة بنت يعقوب لابنه شكيم وذهب إليهم: يطلب إليهم خطبة أختهم دينة، فطلبوا منهم أن يختتنا هما وجميع ما في مدينتهم، وجميع قومهم، لأنهم لا يصاهرون أغلاف-غير مختونين- ووعدوهم إن اختتنوا جميعًا فإنهم سيصاهرونهم، ويزوجونهم ويتزوجون منهم، وبالفعل نفذ شكيم وحمور كل ما اتفقوا عليه واختتن كل ما في المدينة، ولما تمت عملية الختان توجع الجميع إثرها.

وهنا استغل أبناء يعقوب هذه الفرصة، وأخذوا سيوفهم، وذهبوا إلي المدينة بأمان وسلام، ودخلوا علي أهلها وغدروا بهم جميعًا، حيث قتلوا كل ما في المدينة من ذكر، وقتلوا حمور وشكيم بحد السيف وهذا أقصي درجات الغدر، ولم يكتفوا بهذا، بل نهبوا وسلبوا جميع ما في المدينة من البقر، والغنم والحمير، والزروع، والثمار، وسبوا النساء والأطفال، وأخذوا كل ما في البيوت من ثروات، وهاك نصها في سفر التكوين:

[فَأَجَابَ بَنُو يَعْقُوبَ شَكِيمَ وَحَمُورَ أَبَاهُ بِمَكْرٍ وَتَكَلَّمُوا. لأَنَّهُ كَانَ قَدْ نَجَّسَ دِينَةَ أُخْتَهُمْ، فَقَالُوُا لَهُمَا: «لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ هذَا الأَمْرَ أَنْ نُعْطِيَ أُخْتَنَا لِرَجُل أَغْلَفَ، لأَنَّهُ عَارٌ لَنَا. غَيْرَ أَنَّنَا بِهذَا نُواتِيكُمْ: إِنْ صِرْتُمْ مِثْلَنَا بِخَتْنِكُمْ كُلَّ ذَكَرٍ. نُعْطِيكُمْ بَنَاتِنَا وَنَأْخُذُ لَنَا بَنَاتِكُمْ، وَنَسْكُنُ مَعَكُمْ وَنَصِيرُ شَعْبًا وَاحِدًا. وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لَنَا، أَنْ تَخْتَتِنُوا، نَأْخُذُ ابْنَتَنَا وَنَمْضِي». فَحَسُنَ كَلاَمُهُمْ فِي عَيْنَيْ حَمُورَ وَفِي عَيْنَيْ شَكِيمَ بْنِ حَمُورَ. وَلَمْ يَتَأَخَّرِ الْغُلاَمُ أَنْ يَفْعَلَ الأَمْرَ، لأَنَّهُ كَانَ مَسْرُورًا بِابْنَةِ يَعْقُوبَ. وَكَانَ أَكْرَمَ جَمِيعِ بَيْتِ أَبِيهِ. فَأَتَى حَمُورُ وَشَكِيمُ ابْنُهُ إِلَى بَابِ مَدِينَتِهُِمَا، وَكَلَّمَا أَهْلَ مَدِينَتِهُِمَا قَائِلِينَ: «هؤُلاَءِ الْقَوْمُ مُسَالِمُونَ لَنَا. فَلْيَسْكُنُوا فِي الأَرْضِ وَيَتَّجِرُوا فِيهَا. وَهُوَذَا الأَرْضُ وَاسِعَةُ الطَّرَفَيْنِ أَمَامَهُمْ. نَأْخُذُ لَنَا بَنَاتِهِمْ زَوْجَاتٍ وَنُعْطِيهِمْ بَنَاتِنَا. غَيْرَ أَنَّهُ بِهذَا فَقَطْ يُواتِينَا الْقَوْمُ عَلَى السَّكَنِ مَعَنَا لِنَصِيرَ شَعْبًا وَاحِدًا: بِخَتْنِنَا كُلَّ ذَكَرٍ كَمَا هُمْ مَخْتُونُونَ. أَلاَ تَكُونُ مَوَاشِيهِمْ وَمُقْتَنَاهُمْ وَكُلُّ بَهَائِمِهِمْ لَنَا؟ نُواتِيهِمْ فَقَطْ فَيَسْكُنُونَ مَعَنَا». فَسَمِعَ لِحَمُورَ وَشَكِيمَ ابْنِهِ جَمِيعُ الْخَارِجِينَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ، وَاخْتَتَنَ كُلُّ ذَكَرٍ. كُلُّ الْخَارِجِينَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ. فَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِذْ كَانُوا مُتَوَجِّعِينَ أَنَّ ابْنَيْ يَعْقُوبَ، شِمْعُونَ وَلاَوِيَ أَخَوَيْ دِينَةَ، أَخَذَا كُلُّ وَاحِدٍ سَيْفَهُ وَأَتَيَا عَلَى الْمَدِينَةِ بِأَمْنٍ وَقَتَلاَ كُلَّ ذَكَرٍ. وَقَتَلاَ حَمُورَ وَشَكِيمَ ابْنَهُ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَخَذَا دِينَةَ مِنْ بَيْتِ شَكِيمَ وَخَرَجَا. ثُمَّ أَتَى بَنُو يَعْقُوبَ عَلَى الْقَتْلَى وَنَهَبُوا الْمَدِينَةَ، لأَنَّهُمْ نَجَّسُوا أُخْتَهُمْ. غَنَمَهُمْ وَبَقَرَهُمْ وَحَمِيرَهُمْ وَكُلُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ وَمَا فِي الْحَقْلِ أَخَذُوهُ. وَسَبَوْا وَنَهَبُوا كُلَّ ثَرْوَتِهِمْ وَكُلَّ أَطْفَالِهِمْ، وَنِسَاءَهُمْ وَكُلَّ مَا فِي الْبُيُوتِ"([3]).

فهذا هو المثل الأعلي لليهود في صورة أبناء يعقوب، وهي بمثابة الدرس التربوي

اللاأخلاقي الذي يتعلمه اليهود، ويعلمونه أبناءهم في معاهدهم العلمية، وهي مليئة بدروس الغدر، والخداع، والمراوغة. ولا ريب أن تسجيل هذا الحادث من العوامل التي أصلت الروح التي صدرت عنها هذا الغدر في بني إسرائيل وجعلتهم لا يتورعون عن ارتكاب مثله في كل فرصة ومناسبة.

2ــــ سرقة مال المخالف (المصريين) بالغدر والخديعة:

جاء في سفر الخروج:"فَيَكُونُ حِينَمَا تَمْضُونَ أَنَّكُمْ لاَ تَمْضُونَ فَارِغِينَ. بَلْ تَطْلُبُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ جَارَتِهَا وَمِنْ نَزِيلَةِ بَيْتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا، وَتَضَعُونَهَا عَلَى بَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ. فَتسْلِبُونَ الْمِصْرِيِّينَ"([4]). وبالفعل نفذ اليهود خطة الغدر التى رسمها لهم سيدنا موسيu - كما يزعم العهد القديم-!! كما يذكر سفر الخروج-:" فَحَمَلَ الشَّعْبُ عَجِينَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْتَمِرَ، وَمَعَاجِنُهُمْ مَصْرُورَةٌ فِي ثِيَابِهِمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ. وَفَعَلَ بَنُو إسرائيل بِحَسَبِ قَوْلِ مُوسَى. طَلَبُوا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا. وَأَعْطَى الرَّبُّ نِعْمَةً لِلشَّعْبِ فِي عُيُونِ الْمِصْرِيِّينَ حَتَّى أَعَارُوهُمْ. فَسَلَبُوا الْمِصْرِيِّينَ"([5]).

3- الحرص على الحياة.. وخوف الموت:

من مظاهر الدونية عند اليهود التعلق الشديد بالحياة الدنيا، ومن هذه همته لا يجد أدنى غضاضة في أن يبذل كل سلوك دنيء مادام سيحقق له حياة أي حياة ولو كانت في ذل وهوان!!

ويتضح هذا المسلك فيما سجله العهد القديم أنه عندما خرج موسي عليه السلام ببني إسرائيل من مصر وكانوا في مذلة ومسكنة فخرج فرعون لمطاردتهم ومحاربتهم وخرج علي رأس جيش عظيم علي نحو ما تذكر الأسفار حتى يدركهم، وقد كانوا يسيرون في الصحراء الشرقية وبينما هم كذلك إذ رأوا فرعون فظهر سلوكهم علي هذا النحو:" فَلَمَّا أُخْبِرَ مَلِكُ مِصْرَ أَنَّ الشَّعْبَ قَدْ هَرَبَ، تَغَيَّرَ قَلْبُ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ عَلَى الشَّعْبِ. فَقَالُوا: «مَاذَا فَعَلْنَا حَتَّى أَطْلَقْنَا إسرائيل مِنْ خِدْمَتِنَا؟» فَشَدَّ مَرْكَبَتَهُ وَأَخَذَ قَوْمَهُ مَعَهُ. وَأَخَذَ سِتَّ مِئَةِ مَرْكَبَةٍ مُنْتَخَبَةٍ وَسَائِرَ مَرْكَبَاتِ مِصْرَ وَجُنُودًا مَرْكَبِيَّةً عَلَى جَمِيعِهَا. وَشَدَّدَ الرَّبُّ قَلْبَ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ حَتَّى سَعَى وَرَاءَ بَنِي إسرائيل، وَبَنُو إسرائيل خَارِجُونَ بِيَدٍ رَفِيعَةٍ. فَسَعَى الْمِصْرِيُّونَ وَرَاءَهُمْ وَأَدْرَكُوهُمْ. جَمِيعُ خَيْلِ مَرْكَبَاتِ فِرْعَوْنَ وَفُرْسَانِهِ وَجَيْشِهِ، وَهُمْ نَازِلُونَ عَنْدَ الْبَحْرِ عَنْدَ فَمِ الْحِيرُوثِ، أَمَامَ بَعْلَ صَفُونَ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ فِرْعَوْنُ رَفَعَ بَنُو إسرائيل عُيُونَهُمْ، وَإِذَا الْمِصْرِيُّونَ رَاحِلُونَ وَرَاءَهُمْ. فَفَزِعُوِا جِدًّا، وَصَرَخَ بَنُو إسرائيل إِلَى الرَّبِّ. وَقَالُوا لِمُوسَى: «هَلْ لأَنَّهُ لَيْسَتْ قُبُورٌ فِي مِصْرَ أَخَذْتَنَا لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟ مَاذَا صَنَعْتَ بِنَا حَتَّى أَخْرَجْتَنَا مِنْ مِصْرَ؟ أَلَيْسَ هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْنَاكَ بِهِ فِي مِصْرَ قَائِلِينَ: كُفَّ عَنَّا فَنَخْدِمَ الْمِصْرِيِّينَ؟ لأَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ نَخْدِمَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَنْ نَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ». فَقَالَ مُوسَى لِلشَّعْبِ: «لاَ تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ الْيَوْمَ. فَإِنَّهُ كَمَا رَأَيْتُمُ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ، لاَ تَعُودُونَ تَرَوْنَهُمْ أَيْضًا إِلَى الأَبَدِ. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ"([6]).

يُظهر هذا النص أهم صفات اليهود الدالة على حرصهم على الحياة وخوفهم من الموت:

- الفزع الشديد عندما رأوا فرعون وجنوده،

- الصراخ الشديد والاعتراض علي أمر الله وقضائه.

- التذمر الشديد والاعتراض علي نبي الله موسي عليه السلام ـ.

- اختيار معيشة الذل والهوان علي الحرية، فقد فضلوا أن يعودوا إلى مصر لخدمة المصريين خوفًا من أن يموتوا في الصحراء وهذا غاية الدونية.

وهذا ما أخبر به القرآن الكريم عن خبيئة نفوس القوم فقال:) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ((البقرة: 96).

ويسجل سفر الخروج أيضًا موقفًا آخر دالًا على هذا المسلك الدوني؛ فعندما صار موسي عليه السلام ببني إسرائيل في صحراء سيناء ولم يجدوا ماء ليشربوا، تذمروا علي موسي قائلين ماذا نشرب؟ وماذا نأكل؟ وتمنوا العودة إلى أرض مصر التي كانوا يذلون فيها، ففي سفر الخروج: " فَتَذَمَّرَ كُلُّ جَمَاعَةِ بَنِي إسرائيل عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ. وَقَالَ لَهُمَا بَنُو إسرائيل: «لَيْتَنَا مُتْنَا بِيَدِ الرَّبِّ فِي أَرْضِ مِصْرَ، إِذْ كُنَّا جَالِسِينَ عِنْدَ قُدُورِ اللَّحْمِ نَأْكُلُ خُبْزًا لِلشَّبَعِ. فَإِنَّكُمَا أَخْرَجْتُمَانَا إِلَى هذَا الْقَفْرِ لِكَيْ تُمِيتَا كُلَّ هذَا الْجُمْهُورِ بِالْجُوعِ"([7]).

يبرز هذا النص أخلاق آبائهم الأولين من الرضا بالدون والذل، وتفضيل حياة الاستعباد مادامت ستوفر لهم شبع بطونهم... والله أعلم


الهوامش
  • 1 ([1]) معنى النفاق:(المنافق) من يخفي الكفر ويظهر الإيمان، ومن يضمر العداوة ويظهر الصداقة، ومن يظهر خلاف ما يبطن. المعجم الوسيط: 2/942. ومعنى الدونية: من (دانَ) دَونًا ودُونًا: خَسَّ وحَقُرَ وضَعُفَ. وله: أطاع وذل (الدون) الخسيس الحقير، المعجم الوسيط:1/ 305. والمقصود بها: فعل ما يتنافى مع المروءة مثل الغدر والخيانة، والمراوغة والغش...والعلاقة بينهما: أن الدونية وصف زائد على النفاق وأثر من آثاره
  • 2 ([2]) حمور وشكيم ابنه من الكنعانيين، ورد في قاموس الكتاب المقدس، ص351. أن شكيم اغتصب دينة ابنة يعقوب، وقتله أخواها شمعون ولاوي.
  • 3 ([3]) سفر التكوين: 34 :13- 29.
  • 4 ([4]) سفر الخروج: 3/22.
  • 5 ([5]) سفر الخروج : 12/34 ـ 36.
  • 6 ([6]) سفر الخروج: 14 :5- 12.
  • 7 ([7]) سفر الخروج: 16: 1 - 3.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة