من وصايا الرسول ﷺ في الحروب (5)
النهي عن الغدر بين المستأمَنين
في أوقات
الحروب، يتخيل البعض أنه لا مجال للحديث عن القيم والضوابط الأخلاقية الحاكمة،
فيظن أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن الحاكم الأكبر هو المصلحة والمنفعة، لكن الإسلام
يرفض ذلك، ويقرر أن الأخلاق لا تخضع للتغيير، بل هي ثابتة حاكمة على كل المواقف،
خاصة في مواقف القتال.
ومن أخطر ما
يطعن في شرف القتال أن يستهين المقاتل بالعهد، فينقضه ويغدر بمن استأمنه، فالغدر
ليس حيلة عسكرية؛ بل هو انهيار أخلاقي، نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته
لأمراء الجيوش، حيث روى مسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: «اغْزُوا
بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا
تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا..».
الغدر نقض العهد
والغدر نقض
العهد، وترك الوفاء به، (مقاييس اللغة، 4/ 413)، وقال الجاحظ: الغدر هو الرّجوع
عمّا يبذله الإنسان من نفسه ويضمن الوفاء به، وهو خلق مستقبح، وإن كان يصاحبه فيه
منفعة، (تهذيب الأخلاق، ص30).
فالغدر في الحرب
يعني نقض العهد أو خيانة الأمان بعد إعطائه، كمن يعطي الأمان لعدو ثم يقتله، أو
يتفق على معاهدة ثم ينقضها خفية، وهذا السلوك مرفوض في الإسلام، بل إنه من الكبائر
التي حذر منها الشرع الشريف، فعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه عدّ من
الكبائر نكث الصفقة؛ أي الغدر بالمعاهد. (الزواجر، ص614).
الأمر بالوفاء بالعهد
قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ
إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ
جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)
(النحل: 91)، وقال عز وجل: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء:
34)، وقال سبحانه: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: 1).
والنبي صلى الله
عليه وسلم كان لا يغدر، بل نهى عن الغدر في الحرب؛ فقد روى مسلم في صحيحه عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ فيما كان بينه وبين هرقل، أن هرقل قال
لأبي سفيان: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ
قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ
سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا،
وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا، قَالَ:
فَوَاللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ.
وفي سنن أبي
داود بسند صححه الألباني عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ قَالَ:
كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ
بِلَادِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ غَزَاهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى
فَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ
وَفَاءٌ لَا غَدَرَ، فَنَظَرُوا فَإِذَا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَأَرْسَلَ
إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا
يَشُدُّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يَنْبِذَ
إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ.
أخطار الغدر الإيمانية
1- الغدر من صفات المنافقين:
روى البخاري،
ومسلم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ
كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى
يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ،
وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».
2- يسلط الله على الغادرين عدواً من غيرهم:
في سنن ابن ماجه
بسند حسن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ
الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ
تُدْرِكُوهُنَّ.. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ،
إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ
مَا فِي أَيْدِيهِمْ..».
3- الله خصيم الغادر يوم القيامة:
في صحيح البخاري
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى
بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ
اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ».
4- لكلّ غادر لواء يوم القيامة:
في الصحيحين
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ
بِقَدْرِ غَدْرِهِ»، وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ
الفِتْيَانِيِّ، قَالَ: لَوْلَا كَلِمَةٌ سَمِعْتُهَا مِنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ
الْخُزَاعِيِّ، لَمَشَيْتُ فِيمَا بَيْنَ رَأْسِ الْمُخْتَارِ وَجَسَدِهِ،
سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَنْ أَمِنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ لِوَاءَ غَدْرٍ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
5- الغادر لا يدخل الجنة:
في سنن الترمذي
بسند صححه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهِدًا لَهُ ذِمَّةُ
اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَقَدْ أَخْفَرَ بِذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يُرَحْ
رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ
خَرِيفًا».
الأخطار السياسية للغدر
1- فقدان الثقة
في الاتفاقات: الجيش الذي يُعرَف الغدر لا يثق به أحد، ولا يمكن أن يجني الاتفاق
معه أي ثمرة؛ ولذا ينفض عنه من حوله، ويقف وحيداً في ميادين الحياة كلها.
2- إثارة غريزة
الانتقام: حين يغدر الإنسان بغيره تتولد الكراهية بينهما، وتنبعث روح الانتقام،
ويبحث كل طرف عن أذية الآخر، فلا ينتج عن هذا إلا النزاع والصراع.
3- تشويه الصورة
الحضارية للغادر: من يغدر بغيره يشاع عنه ذلك، وينظر إليه على أنه لا يفي بعهده
ولا يلتزم بوعده، فيترتب على هذا تشويه صورته وفقدان هيبته وضياع حضارته.
الفرق بين الخدعة والغدر
في الصحيحين عن جَابِر
بْن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَرْبُ
خَدْعَةٌ»، فهل الخدعة تشمل الغدر؟
الجواب: لا، لأن
الخدعة تكون في ميدان الحرب دون نقض العهد أو خيانة الأمانة، وذلك مثل إخفاء الخطة
العسكرية أو التمويه على العدو أو تضليله من غير اتفاق معه، أما الغدر فيكون
بخيانة الأمان بعد إعطائه أو نقض العهد بعد إبرامه.
ماذا يفعل المسلم إذا نقض العدو العهد؟
المسلم مأمور
بحفظ العهود وعدم نقضها، أما إذا نقض العدو عهده فإن المسلم لا يبدأ بالغدر، بل
يعلن انتهاء العهد قبل القتال، لأن الله تعالى قال: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ
إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال: 58).
اقرأ أيضا:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً