إنما الأعمال بالنيات (2)
النية عند السلف.. من كلام ابن رجب الحنبلي
وقف الحافظ ابن
رجب الحنبلي عند حديث «الأعمال بالنيات» وقوفاً طويلاً، فاستوعبه بحثًا وتحريرًا
وبسط فيه القول، وجمع من درر العلوم وحِكم السلف ونفائس الآراء ما لا يكاد يُرى في
غيره، فاختصرته خدمةً للقرّاء وإشاعةً للنفع.
وقد فرق الحافظ
بين المقصود بالنية عند الفقهاء، وعند السلف والعارفين، وسوف نتناول في هذا المقال
الحديث عن معنى "النية عند السلف والعارفين"
عن أمير
المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله
ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها
فهجرته إلى ما هاجر إليه» (متفق عليه).
المقصود بالنية عند السلف والعارفين
والنية عندهم
مرادها تمييز مَن المقصود بالعمل، وهل هو الله وحدَه لا شريكَ له، أم غيره، أم
الله وغيرُه؟ وهي التي تعرف بالإخلاص في العمل.
والنيةَ في كلام
النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وسلفِ الأُمَّة إنَّما يُرادُ بها هذا المعنى
غالبًا، فهي حينئذٍ بمعنى الإرادة، ولذلك يُعبَّرُ عنها بلفظِ «الإِرادة» في
القرآن كثيرًا، كما في قوله تعالى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ
مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (آل عمران: 152)، وقد يُعَبَّر عنها في القُرآن بلفظ «الابتغاء»،
كما في قوله تعالى: (إِلَّا
ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (الليل: 20).
وأمّا ما ورد في
السُّنَّةِ وكلام السَّلفِ مِنْ تسمية هذا المعنى بالنيَّةِ، فكثيرٌ جدًّا، ومنه
حديثِ عُبادةَ بن الصَّامتِ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَنْ
غَزَا في سَبيلِ الله، ولم يَنْوِ إلَّا عِقالًا، فله ما نوى».
وفي الصَّحيحين
عن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّكَ لن
تُنفِقَ نفقةً تبتغي بِها وجهَ اللهِ إلَّا أُثِبْتَ عليها، حتَّى اللُّقمَة
تجعلُها في في امرأتك».
وعن يحيى بن أبي
كثير قال: تعلَّموا النِّيَّة، فإنَّها أبلغُ من العَمَلِ، وعن زُبَيدٍ اليامي
قال: إنِّي لأحبُّ أن تكونَ لي نيَّةٌ في كلِّ شيءٍ، حتَّى في الطَّعام والشَّراب،
وعن سفيانَ الثَّوريِّ قال: ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من نيَّتي، لأنَّها
تتقلَّبُ عليَّ، وقيل لنافع بن جُبير: ألا تشهدُ الجنازةَ؟ قال: كما أنتَ حتَّى
أنوي، قال: ففكَّر هُنَيَّة، ثم قال: امض.
أمثلة عملية للنية
وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: «فَمَنْ كانت هجرتُهُ إلى اللهِ ورسوله، فهجرتُهُ إلى الله
ورسولهِ، ومَنْ كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبُها، أو امرأة ينكِحُها، فهجرتُه إلى ما
هاجرَ إليه».
فأصلُ الهجرة:
هِجرانُ بلدِ الشِّرك، والانتقالُ منه إلى دارِ الإِسلام، فأخبرَ النبيُّ صلى الله
عليه وسلم أن هذه الهجرةَ تختلفُ باختلافِ النيَّات فمن هاجَرَ إلى دار الإسلام
حُبًّا لله ورسوله، ورغبةً في تعلُّم دينِ الإِسلام، وإظهارِه فهذا هو المهاجِرُ
إلى الله ورسوله حقًّا، ومن كانت هجرتُهُ لطَلَب دُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ
ينكِحُها في دارِ الإِسلام، فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليه مِنْ ذلكَ، فالأوَّل
تاجرٌ، والثَّاني خاطب، وليسَ واحد منهما بمهاجرٍ.
وسائر الأعمال
كالهجرةِ في هذا المعنى، فصلاحُها وفسادُها بحسب النِّيَّة الباعثَةِ عليها.
قصة مهاجر أم قيس
وفي قوله: «إلى
ما هاجرَ إليه» تحقيرٌ لِمَا طلبه من أمر الدُّنيا، واستهانةٌ به، فقد روى وكيعٌ
في كتابه عن الأعمش، عن شقيقٍ -هو أبو وائلٍ- قال: خطبَ أعرابيٌّ مِنَ الحيِّ
امرأةً يقال لها: أمَّ قيسٍ، فأبت أن تزوَّجهُ حتَّى يُهاجِرَ، فهاجَرَ،
فتزوَّجته، فكُنَّا نُسمِّيه مهاجرَ أمِّ قيسٍ، قال: فقال ابن مسعود: مَنْ هاجَر
يبتغي شيئًا، فهو له.
وقد اشتهرَ أن
هذه القصة كانت سببَ قولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كانت هجرتُه إلى
دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ ينكِحُها»، ولم نر لذلك أصلًا بإسنادٍ يصحُّ، والله
أعلمُ.
خطورة النية في الجهاد وطلب العلم
وقد سُئِلَ
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن اختلاف نيَّاتِ النَّاس في الجهاد وما يُقصَدُ به
من الرِّياء: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «مَنْ قاتَل لِتَكونَ كلمةُ اللهِ هي
العليا، فهو في سبيل الله»؛ فخرج بهذا كلُّ ما سألوا عنه من المقاصد الدُّنيوية.
وقد وردَ
الوعيدُ على تعلُّم العِلم لغيرِ وجه الله، كما خرجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داود،
وابنُ ماجه، من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ تعلَّم
عِلمًا مِمَّا يُبتَغى به وجهُ الله، لا يتعلَّمُه إلَّا لِيُصِيبَ به عرَضًا من
الدُّنيا، لم يجِدْ عَرْفَ الجَنَّة يومَ القِيامَةِ»؛ يعني ريحها.
وقد ورد الوعيدُ
على العمل لغيرِ اللهِ عمومًا، كما خرَّجَ الإِمامُ أحمدُ من حديثِ أبيّ بن كعبٍ،
عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «بَشِّرْ هذه الأمَّةَ بالسَّناء
والرِّفْعَة والدِّين والتمكينِ في الأرض، فمن عَمِلَ منهُم عملَ الآخرةِ
للدُّنْيا، لم يكنْ له في الآخرةِ نصيبٌ».
فقه الرياء وأقسامه
والعمل لغيرِ
اللهِ أقسام، منها:
1- تارة يكونُ
رياءً محضًا، بحيثُ لا يُرادُ به سوى أن يرائي المخلوقين لغرض دُنيويٍّ، كحالِ
المنافِقين في صلاتهم، كما قال تعالى: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ
وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء: 142)، وهذا العملُ لا
يشكُّ مسلمٌ أنَّه حابِطٌ، وأنَّ صاحبه يستحقُّ المقتَ مِنَ اللهِ والعُقوبة.
2- وتارةً يكونُ
العملُ للهِ، ويُشارِكُه الرِّياءُ، فإنْ شارَكَهُ مِنْ أصله، فالنُّصوص الصَّحيحة
تدلُّ على بُطلانِهِ وحُبُوطه أيضًا؛ لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «يقولُ
تعالى: أنا أغنى الشُّركاءِ عن الشِّرك، مَنْ عَمِل عملًا أشركَ فيه معي غيري،
تركته وشريكَه»، وهذا مذهب طائفة من السلف بلا مخالف عندهم، وإنْ كانَ فيه خلافٌ
عَنْ بعضِ المتأخِّرينَ.
وأمَّا إنْ كان
أصلُ العمل للهِ، ثم طرأت عليه نيَّةُ الرِّياءِ، فإنْ كان خاطرًا ودفَعهُ، فلا
يضرُّه بغير خلافٍ، وإن استرسلَ معه، فهل يُحبَطُ به عملُه أم لا يضرُّه ذلك
ويجازى على أَصلِ نيَّته؟
في ذلك اختلافٌ
بين العُلماءِ مِنَ السَّلَف قد حكاه الإِمامُ أحمدُ وابنُ جريرٍ الطَّبريُّ،
ورجَّحا أن عمله لا يبطلُ بذلك، وأنَّه يُجازى بنيَّتِه الأُولى.
وذكر ابنُ جريرٍ
أنَّ هذا الاختلافَ إنَّما هو في عمل يرتَبطُ آخرُه بأوَّلِه، كالصَّلاةِ
والصِّيام والحجِّ، فأمَّا ما لا ارتباطَ فيه كالقراءةِ والذِّكر وإنفاقِ المالِ
ونشرِ العلم، فإنَّه ينقطعُ بنيَّةِ الرِّياءِ الطَّارئةِ عليه، ويحتاجُ إلى
تجديدِ نَيَّةٍ.
3- وتارة يخالط
العمل نية غير الرياء: فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلًا نيَّةٌ غيرُ الرِّياءِ،
مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ، أو أخذ شيءٍ مِنَ الغنيمةِ، أو التِّجارة، نقصَ بذلك
أجرُ جهادهم، ولم يَبطُل بالكلِّيَّة، لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ
الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً، تعجَّلوا ثُلُثي أجْرِهِم، فإنْ لم يغنَمُوا شيئًا،
تمَّ لهُم أجرُهم».
وقال أحمدُ:
التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم،
ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ.
4- فأمَّا إذا
عَمِلَ العملَ للهِ خالصًاً، ثم ألقى الله لهُ الثَّناء الحسنَ في قُلوبِ المؤمنين
بذلك، ففرح بفضل الله، واستبشَرَ بذلك، لم يضرَّه ذلك، وفي هذا المعنى جاء حديثُ
أبي ذرٍّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه سُئِلَ عن الرَّجُل يعملُ العمَلَ
لله مِنَ الخير ويحمَدُه النَّاسُ عليه، فقال: «تلكَ عاجلُ بُشرى المؤمن» (أخرجه
مسلم).
كيف نفهم قول النبي «الأعمال بالنيات»؟
قيل: معناها
الأعمالُ صحيحةٌ، أو معتَبَرةٌ، أو مقبولة بالنِّيَّاتِ، وعلى هذا فالأعمالُ
إنَّما أُرِيدَ بها الأعمالُ الشَّرعيَّةُ المفتَقِرةُ إلى النِّيَّة.
وقال آخرون: بل
الأعمال هنا على عُمومها، لا يُخَصُّ منها شيءٌ، فيكون المعنى أن الأعمال واقعة أو
حاصلة بالنِّيَّاتِ، وهذا قول كثير من المتقدِّمين، وظاهرُ كلامِ أحمدَ.
قال في رواية
حنبلٍ: أُحِبُّ لكلِّ مَنْ عَمِلَ عملًا مِنْ صلاةٍ، أو صيامٍ، أو صَدَقَةٍ، أو
نوعٍ مِنْ أنواعِ البِرِّ أنْ تكونَ النِّيَّةُ متقدِّمَةً في ذلك قبلَ الفعلِ.
ويحتمل أن يكون المعنى صلاحَ الأعمال وفسادَها بحسب صلاحِ النِّيات وفسادِها.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً