الهجرة الصيفية.. تخلص من السلبيات والعادات السيئة
بداية العام
الهجري الجديد ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو عتبة زمنية لتجديد أداء التضحية
الناجعة في الأمة، وقراءة المستقبل ونقل الخبرات، هو عملية إحياء للنفس من جديد
بترك السيئات وطرح السلبيات، وهجرة العادات السيئة، والأفكار المحبطة، والروتين
القاتل، لنؤسس بداية جديدة تماماً، ونهاجر إلى عالم جديد مفعم بالإيجابيات.
ماذا لو جعلنا
من هذا الصيف نقطة انطلاق لهجرة حقيقية؟ ليس سفراً بالطائرة، وإنما سفر من نسخة
قديمة لنفسك، إلى نسخة أفضل وأقوى، فالهجرة عملية تجديد مستمرة وتذكير للنفس أن
هناك آفاقاً جديدة ساعة توفر صدق العزم فيها، واتخاذ القرار الملائم في توقيته
المناسب.
حادث الهجرة
النبوية درس في التغيير، وهجرة الروح وليس الجسد، فهو صالح لكل زمان ومكان، إنه
الدرس الأكبر والأمثل في تحرر النفس من كل ما يعوقها في نشر الفضيلة.
الهجرة ليست ترك المكان
تسيطر علينا
الأفكار النمطية أن الهجرة لا بد أن تنتقل من مكان لآخر، حتى تستطيع الإنجاز أو
النجاح والفلاح في مشروعاتك التي تخطط لها.
وحول هذا
المفهوم يقول المفكر السوري عبدالكريم بكار: لاحظتُ مؤخراً انتشار فكرة الهجرة بين
الشباب، لا من ديار إلى ديار، بل من واقعٍ موجِع إلى حلمٍ غامض، ومن وطنٍ يُضيّق
عليهم إلى أفق لا يعرفون ملامحه بعد.
ونبه بكار أن
أكثر ما يغيب عن كثيرين هو أن الهجرة في أصلها ليست فراراً، وإنما انتقال بالوعي
قبل الجسد، وسَفَرٌ من العجز إلى القدرة، ومن الشكوى إلى الفعل.
لقد هاجر النبي صلى
الله عليه وسلم وصحابته لا لأنهم كرهوا موطنهم، بل لأنهم أرادوا إقامة الحقّ في
أرضٍ تسمح له أن ينمو.
وبيّن، خلال
حديثه لـ«المجتمع»، أن هجرتهم كانت حركةً نحو البناء، لا انسحاباً من المعركة،
ولهذا ظلوا أينما حلّوا يحملون رسالة، لا جواز سفر جديداً.
وحذّر من أن
الشباب اليوم بين منفى الداخل وضيق الأوطان، يعيشون قلقاً مشروعاً، لكنّ الحل لا
يكون دائماً في الرحيل، بل أحياناً في إعادة تعريف البقاء.
هجر الشاشات
باتت الشاشات
معلماً من معالم خطف عقل الأسرة في عصرنا الحديث التقني، فهي بين أيدينا في كل
مكان، في صالة معيشتنا وفي غرفة نومنا، فهي الشريك الأكثر تسللاً لحياتنا.
ولهجرة مثل هذا
الشريك المفروض علينا، يجب أن نتعامل معه بإيجابية وليس بخصومة صفرية وذلك عبر:
1- حذف
التطبيقات الإدمانية.
2- استخدام
تطبيقات تتبع الوقت: بتحديد وقت كحد أقصى لكل تطبيق يومياً ثم الغلق التلقائي.
3- تنظيم البيئة
المحيطة: بمنع الشاشات في غرف النوم.
4- تجنب إدخال
الهاتف أو التلفزيون إلى غرفة النوم لتحسين جودة النوم.
5- تطبيق قاعدة وجبات
بلا شاشات: بترك الهاتف بعيداً تماماً أثناء تناول الطعام.
هجر الحوار السلبي والخرس الأسري
إن الحوار فن لا
يملكه إلا صاحب قلب رحيم حتى مع خصومه، فكيف في أحوالنا الأسرية، ولقد ضرب النبي صلى
الله عليه وسلم أروع الأمثلة الحية والنابضة، التي اعتمدتها المناهج التربوية
الحديثة في الإقناع وهو ما يعرف بـفن الإنصات.
لقد أبهر النبي
صلى الله عليه وسلم أحد كبراء ووجهاء قريش عتبة بن ربيعة، بفنه الاستماعي، وعندما
تحدث معه تحدث بما يناسب حلمه وذكّره بما حدث للأولين، وإن لم يؤمن عتبة برسالة
النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كسب تحييده، وهو ما عبّر عنه سادة قريش أنه ذهب
بوجه وجاء بوجه آخر.
ولو تأملنا معظم
قضايا الشباب ومشكلاتهم والوقوع في الأخطاء، سنجد أن معظمها ناتج عن هجرة الحوار
الأسري معهم، وعدم الاستماع إليهم.
إن سيرة النبي
صلى الله عليه وسلم مليئة بفن الحوار وإقناع الآخر عبر أصول الفطرة والقيم، التي
لا يختلف عليها أحد، وتُجْمع عليها جميع الملل والنحل.
ففي القصة
الشهيرة التي جاءه فيها الشاب الذي يريد أن يرخّص له الزنى -ولا ننسى هنا أن الشاب
يجلس ويحاور أكبر سلطة تشريعية على وجه الأرض- ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قدّر
سن الشاب وما تموج به نفسه من خيالات واضطرابات قلقة، فرده إلى أصل الفطرة وجذور
القيم التي لا يختلف عليها أحد، وأن مثل هذا الفعل المشين لا يرضاه إنسان سويّ
لأفراد أسرته كما لا يرضاه الشاب نفسه لأحد من نساء أسرته.
قصة واقعية عن أحد عبدة الشيطان
يروي الاستشاري
والمعالج النفسي محمد خطاب، لـ«المجتمع» أنه فوجئ وهو في عيادته أن أبّاً وأمّاً
يصطحبان ابناً لهما في المرحلة الثانوية، كان قد اعتقد بعض الأفكار الفاسدة، وصار
ضمن المجموعة الشاردة التي ظهرت في مصر في تسعينيات القرن الماضي، وكانت عرف بـعبدة
الشيطان.
ويضيف أن الشاب
حضر بصعوبة بالغة مع والديه، وأراد أن يصيبني بالإحباط عندما دخل عليَّ وفاجأني
أنه من عبدة الشيطان ولن يرضخ لأحد، فما كان من المعالج النفسي إلا أن يستمع له
حتى النهاية بكل أريحية، وتحمّل نبرات صوته وتضخم مشاعره الغليظة.
وكانت المفاجأة
من خطاب أنه ردّ عليه بالقول: كما استمعت منك من المهم أن تستمع لي ونتبادل الحوار،
وربما أكون أحد أصدقائك في العبادة الجديدة.
واستمر معه في
الحوار حتى أقنعه المعالج النفسي بخطورة مثل هذه الأفكار، ولكن كانت البداية
الصحيحة هي فن الدخول إلى قلب الآخر؛ لأن الاستشاري المعالج علم أن هذا الشاب
محروم من سعة الحوار، فأعطاه الفرصة التي جاءت بالنتيجة التي كان يرجوها.
ولذلك، كان ينصح دائماً الكاتب الراحل عبدالوهاب مطاوع، الملقب بـ«صاحب القلم الرحيم»، في توجيهاته واستشاراته الأسرية بضرورة:
1- الاستماع
للنشء.
2- مناقشة
الأبناء في كافة أفكارهم وتطلعاتهم مهما بدت مستهجنة.
3- إلغاء لغة
الأوامر.
4- الاعتماد على
الإقناع بدلاً من فرض السيطرة.
5- قبول الآخر:
بتبني الحوار الهادئ والمستنير.
ويبقى السؤال
الأخير ونحن على أعتاب إجازة صيفية طويلة: هل الهجرة تجب أن نهاجر كلّنا، أم أن
نُحيي فينا روح المهاجر الأول؟
يقول د. عبدالكريم
بكار: علينا أن نترك ما لا يرضي الله إلى ما يرضيه، ومن يخرج من ضيق الواقع إلى
سعة الأمل، إن الأوطان لا تنهض إلا بالشباب الذين يؤمنون أن الله لم يخلقهم عبثاً،
وأن زمانهم ليس لعنة بل فرصة، ومن أدرك ذلك، لم يَعُد يسأل: إلى أين أهاجر؟ بل ماذا
أستطيع أن أُغيّر من حيث أنا موجود في مكاني.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً