اقتصاد الذكريات!

اقتصاد الذكريات!

«صندوق الفرحة»، هكذا أطلق على ما أمتلكه من ثروة، أترقب بشغف عطلة الصيف، لتنميتها وزيادة أرباحها، فهي لا تقدر بثمن، هذا الصندوق يحوي الذكريات الجميلة، وألبومات العائلة، و«فلاش ميموري» لحفظ وتخزين أفراح الأصدقاء والأقارب، والهدف صناعة ذاكرة لكل فرد من أفراد الأسرة، تجسد تاريخه من لحظة الميلاد، وتطور حياته، وملامحه، فيما هو أشبه بلوحة جميلة لكل صغير، تذكره بماضيه، وتربطه بحاضره ومستقبله.

ربما يتجهز الكثير منا لعطلة الصيف أو الإجازة الصيفية ببرنامج مكثف من الرحلات الداخلية أو الخارجية، والاصطياف، والرياضات المائية، وزيارة المعالم الأثرية، وجولات التسوق، وغير ذلك من أنشطة ترفيهية وسياحية، متناسياً وسط زحام الأنشطة والفعاليات، ما يعرف بـ«اقتصاد الذكريات»، وهو واحد من أرقى وأجود وأثمن أنواع الاستثمار البشري، الذي يخلف ثروة هائلة لا تقدر بثمن من العلاقات الاجتماعية والمشاعر الإنسانية.

صناعة الفرحة

يعتمد هذا النوع من الاقتصاد على بناء ذاكرة جمعية، وأرشفة ذكريات اجتماعية لا تُنسى، وصناعة مشاعر إنسانية راقية، تذكر المرء بالزمن الجميل، وتحيي لديه حالة وجدانية من استدعاء الماضي، لا يمكن للحاضر أن يمحوها، ولا للمستقبل أن يتجاوزها.

كثيراً ما أجمع أبنائي حول ألبومات العائلة، ومعها طيف من الذكريات حول كل صورة؛ تاريخها، ومكانها، وظروف تصويرها، وحال الجد والجدة، ليتوارث الصغير قيمة الأهل والأسرة الممتدة والعزوة الاجتماعية.

السعادة تتجدد عندما نشاهد فرح الجدة أو الأم أو العم أو الخال، ونرى أنفسنا كيف كنا صغاراً، وكيف كبرنا، وكبرت أحلامنا، في وقت تعيدنا فيه لحظة من الذكريات إلى نقطة التقاء مع الماضي، لنتذكر حالنا، وما أنعم الله به علينا.

إن قيمة الصيف ليست في تذاكر السفر الخارجية، أو في جولات التسوق باهظة الفواتير، أو في قيمة الشاليه أو المنتجع السياحي الذي ستصطاف فيه، بل في جودة التواصل العميق مع العائلة، وبناء ذكريات تشكل شخصية الأبناء، وصناعة صندوق من الفرحة والمشاعر الإنسانية.

كيف نصنع صيفاً لا يُنسى بأقل التكاليف؟

حاول أن تجري تجربة جديدة خلال هذا الصيف، تنطلق من صناعة صندوق الذكريات، منذ لحظة مولدك، أنت وزوجتك وأطفالك، كأنك مؤرخ عائلي، توثق رحلة هذه الأسرة، ورحلة صغارها قبل أن يولدوا، إلى يومهم هذا.

لتوثق كل أسرة لحظات الميلاد، ومشاهد الحبو والقفز، ولقطات اللهو، ومراحل النمو، وأوقات النجاح، فهكذا نصنع ذكريات لا تُمحى من الذاكرة، ونجعل لكل فرد منا صندوقه الخاص من الذكريات والمشاعر والأحاسيس.

اقتصاد الذكريات ليس مكلفاً، بل قد يكون أرخص كلفة من برامج سياحية كثيرة، لكنه أعظم أثراً ونتيجة، فإنتاج ألبوم صور، أو فيديو قصير لمراحل حياتك، أو «برومو» لنجاحاتك لن يتطلب ميزانية ضخمة، بل يمكن بقدر من التعلم والاحترافية أن يقوم أفراد الأسرة بإنتاجه.

صيف المشاعر يمتد إلى الأقارب، فنحيي صلة الرحم، وزيارة الأهل، واقتناص سويعات مع كبار السن، نذكرهم خلالها بمقتنياتهم وذكرياتهم القديمة، لنصل بين جيل وجيل، ونرد الجميل لمن كبروا، فنفتح صندوقهم ونعود بهم إلى الزمن الجميل.

ويمكن عبر تجمع عائلي يجمع البعيد والقريب، والكبير والصغير، أن نكسر الحلقة الافتراضية التي فرضها علينا التغول التكنولوجي، والتواصل الإلكتروني، في مواقع التقاطع، بعدما صارت صلة الرحم «عن بُعد»، ولحظات الفرح والمواساة «أون لاين»!

هذه ليست دعوة للقطيعة مع التكنولوجيا، بل محاولة لإعادة تطويعها في بناء التماسك الأسري والاجتماعي، وتعزيز التواصل بين الأجيال، وربط أبناء الألفية الثالثة بماضيهم وتراثهم، من خلال اقتصاد الذكريات، وصندوق المشاعر، الذي يجب أن يكون هدفاً لكل أسرة وعائلة.

صندوق استثماري

نحن في حاجة أسرية واجتماعية ماسة إلى صيف مختلف، وصندوق استثماري يختلف عن الصناديق السيادية المعمول بها في بلداننا، صندوق له طبيعة إنسانية خاصة، محتوياته من المشاعر، وأسهمه لحظات الوصال مع الماضي، ورأسماله مقتنيات قديمة تحمل عبق التاريخ، وتذكر أهل الحاضر بالماضي الجميل،

إن التنقيب في الذكريات كنز ثمين لا يعرف قدره إلا من امتلكه، فهو تأريخ للأحداث، وتنمية للحس والمشاعر، واستثمار في الماضي، لنقيم الحاضر، ونستكشف الطريق إلى المستقبل.

لا تتفاجأ عندما تسمع عن مزاد الذكريات، وعن بيع المقتنيات التاريخية، وعن دور المزادات العالمية التي تتاجر بالذاكرة، وتزايد على المقتنيات في مزادات عالمية، وترفع قيمة السلعة وفق عمرها وزمانها، فتحصد سنوياً ملايين الدولارات.

هل أدركت إذن أنك تمتلك ثروة ضخمة، وأنت في حاجة للاستثمار فيها لتمتلك ما هو أكبر من مجرد أسرار وذكريات؟!

اقتصاد الذكريات أو كما يعرف بـ«اقتصاد الحنين»، هو استثمار ناجح وناجع، في صيف للمشاعر، سيمنحك بالتأكيد تجربة ثرية ومختلفة، ويمنح أسرتك وعائلتك صيفا ًبنكهة جديدة من أجل استعادة لحظات الطفولة البريئة، وإعادة إنتاج لحظات الفرح والسعادة من جديد.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة