الوعظ المحنط!
بحي من أحياء
الإسكندرية فقير كنت أعمل، والجمعة راحتي، كأكثر العاملين، ذهبت لصلاتها ذات مرة
قاصدًا مسجدًا استدنيته من مسكني، وبه خطيب من العلماء الحاذقين، هكذا وصفه لي أحد
الأصدقاء، جلست بين المصلين، وأصغيت السمع والشوق ملء جناني أن أنهل من الشيخ
الخطيب، وأفيد من علمه المتين.
وشرع الشيخ في
خطبته، وهو ثابت البدن كأنه رمح مركوز، له بصر حديد، يسرد القول رتيبًا كأنما
يتلوه من لوح محفوظ، وفرغ من مقدمة خطبته، وتناول موضوعها، وكان عن المسيح الدجال،
كانت لغته غاية الفصحى، يتخللها وحشي الكلام وغريبه، وكنت على يقين أن أكثر
الحاضرين لا يفقهون.
الوعظ المحنط
ذكر مما ذكر أن
الدجال حين يمر بالقرية تصبح أنعامها أطول خواصر، وأدر ضروعًا، فأملت لحظي نحو
جاري ذي العمامة، وسألته في صمت: وأين أنت يا عماه من تلك الخواصر والضروع؟ وهل
تدري كيف تطول هذه، وتدر تلك؟ وعلى كره مني تبسم ثغري بسمة إشفاق على جاري وعلى
كثير من السامعين.
راح يورد
الأحاديث الشريفة التي تعضد ما يقول، وبها يستشهد، وما أتى على ذكر واحد منها إلا
جاء بعنعنته كاملة بلا نقص، بل كان يذكر الراوي ولقبه إن وجد، ونحن لما يتلو في
سماع يصحبه السكون، فقد سكنت منا الأبدان، وكذلك العقول، اختلست هنيهة من الزمن
لأسأل سؤالًا به مرارة: ومن ذا يطيق أو يعي ما يقال؟
وأسرع الجواب
على سؤالي، ومن حيث لا أدري، نفثه نافث في روعي، وبشيء من الانتهار أخبرني أن ليس
من الضرورة أن نعي شيئًا أو نفقهه، والغاية الخليقة بالبلوغ هي أن تثبت جدارة
الشيخ في الحفظ والاستظهار، ولتبين للجميع معالم ذاكرته الفولاذية الصلبة التي
استحكمت باقتدار على هذا الكم المذهل من الألقاب والأسماء.
فرغ الشيخ من
خطبته، ونحن فراغ مما أفاض، وقمنا للصلاة، وما قام بعقولنا نفع مما سمعنا،
وانتهينا من الشعائر وخرجنا، وسرت يلفني سخط وحنق على المدموغ بلقب العالِم
الجهبذ، ووددت أن لم آتِ إلى مثار الحنق والغيظ الدفين.
وقبل بلوغي
المنزل الذي أسكن، صادفني أحد أبناء بلدي، فقرأ أمارات الغيظ على ملامح وجهي،
فاستعلم عن السبب، فأخبرته، فقهقه وقال: هكذا خطب بنا العيد، ذلك الشيخ العتيد، قلت:
أوجاء بعنعنات الأحاديث في خطبة العيد؟! قال: هي لازمة لا تنفك عنه في كل موطن وكل
حين، فلا عليك يا صاحبي، ولا تذهب نفسك بالحسرات، ولقد رأيت منه ما رأيت، وسمعت ما
سمعت، فلا تعاود الذهاب إليه، همهمت ساخرًا: قد أعود حين تتوق نفسي للغيظ والحنق،
أو يمس عقلي طيف الجنون.
مضت شهور، لا
أذكر كم كانت، ودعيت لعقد قران صديق حميم بمسجد من الحي قريب، لبّيت الدعوة، وكنت
من أول الحاضرين، وبقية الحضور ملؤوا صحن الجامع، وإلى الطابق العلوي تقاطرت
الحريم، وبينما أنا في شغل بالناس من حولي، مسلّمًا ومرحبًا، سمعت خشخشة مكبر
الصوت، فالتفت إلى أمامي لأصغي السمع لمن يقول، وما إن رأيته حتى شب ضرام الغضب في
كل جسدي، فقد كان الشيخ العتيق.
ورغبت أن أخرج
كي لا أسمع ما سيقول، لكن خروجي لا يليق، وصاحب العرس صديقي، جلست على كره، وشرع
صاحبنا في وعظه، وراح يسرد بالعنعنة الأحاديث، ويلقي بالكلمات جامدة يابسة، كأنها
أجزاء صخر غير نحيت، ولو أن سامعًا غير شهيد لمن يكون الوعظ لظنه لطلاب علم الحديث،
راوغت الشيخ بسمعي، فما أصغيت إليه، وتلهيت بالشرود في ذكريات وأخبار، حتى أسعفني
ضجيج النسوة، وقد علا فأزرى بصوت الشيخ، فغضب لضجيجهن، فسكت عن الكلام بعد شيء من
التبكيت لهن.
انتهى القران،
وعدنا كما كنا، كل إلى مسكنه، وفي طريقي أطلقت العنان لغضبي، أصبه حاميًا على ذلك
الشيخ، وقلت: من عجب، ما لهذا الرجل وأضرابه؟ أيضيرهم شيء إن تخلوا عن ذلك التقعر
والتعالي على الناس؟ وماذا عليهم إن تبسطوا وألانوا الجانب لمن سمعهم من السامعين؟
لكنني استدركت
على نفسي، وقلت: ويحك أيها المغبون في فكرك، إن الرجل وأضرابه قد أتونا بما نعوزه
وإليه نحتاج، فلقد نظروا بعين الناقد البصير لما عليه حال الجماهير، ورأوا أن
الفضائل قد بلغت ذروة المنتهى، وتخلق بها الناس، فما تخلف عنها أحد؛ فلا أحد يغش
أو يكذب، ولا دين الله يُسب، ولا فحش الكلام يقارَفُه لسان من الألسن، والأرحام
موصولة، والجيرة مصونة، وكل محمود من الخصال يأتيه الجميع بلا تقصير.
ولذا، رأوا ألا
حاجة تنقصنا إلا إيراد الأحاديث بعنعنتها، وتوضيح قضية الدجال، وكيف تكون السبابة
في تشهدنا وعلى ركبتيْنا، أم على أيدينا يكون النزول من الركوع إلى السجود، وغيرها
من جلائل الأمور التي غابت عن الجمع الموحد لله رب العالمين.
وذلك الاستدراك
من نفسي على نفسي كان تهكمًا مرًّا سكب مزيدًا من الزيت على نار الغيظ في جوفي،
وقلت متسائلًا: أهؤلاء قوم من بني جلدتنا يعيشون بيننا، أم تراهم من أفلاك السماء
هبطوا إلينا، وفيهم جهالة بحالنا، أم ماذا تراهم؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً