الإسراء والمعراج.. منهج للسمو فوق تحديات الحياة

همام الطوالبة

19 يناير 2026

312

حين يمر بنا طيف ذكرى الإسراء والمعراج، لا ينبغي أن نكتفي بسرد القصة كحدث تاريخي جرى في غابر الأزمان، بل علينا أن نستحضرها كمنهج حياة يعيد ترتيب بيوتنا المبعثرة، ويرمم نسيج مجتمعنا الهش.

إنها رحلة بدأت من نفسٍ أرهقها الحزن في العام العاشر للبعثة، وانتهت إلى أمة كُلفت بقيادة البشرية وارثةً للأنبياء حاملة لمنهج رب الأرض والسماء؛ فأي شرف بعد ذلك وأي منزلة؟!

وفي هذا الانتقال الضخم دروسٌ عميقة ومعانٍ دقيقة في مختلف مجالات الحياة، خاصة للأسرة المسلمة والمجتمع المؤمن.

من عام الحزن إلى سعة السماء.. جبر الخواطر الأسرية

إن رحلة الإسراء والمعراج كانت حدثاً فارقاً ومعجزة ضخمة في تاريخ الدعوة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن اللافت أنها سُبقت بأزمةٌ أسرية كبرى في البيت المؤمن الأول؛ فقدْ فقَدَ النبي صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة رضي الله عنها، السند والحضن والمواساة، التي قال فيها كما في الحديث الصحيح: «ما أبدَلَني اللهُ عزَّ وجلَّ خَيرًا منها، قد آمَنَتْ بي إذ كفَرَ بي الناسُ، وصدَّقَتْني إذ كذَّبَني الناسُ، وواسَتْني بمالِها إذ حرَمَني الناسُ، ورزَقَني اللهُ عزَّ وجلَّ ولَدَها إذ حرَمَني أولادَ النِّساءِ».

وبلغ من حزنه عليها صلى الله عليه وسلم أنه سمَّى ذلك العام «عام الحزن»، حتى نعلم حجم المصاب في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وفي نفوس المؤمنين، فجاءت الرحلة المباركة لتضمد جرحاً إسلامياً غائراً بدأ من الأسرة، الأسرة التي هي خط الدفاع الأول عن الدعوة والداعية، التي منها يبدأ الإيمان، وفيها يجد الداعية الأمان، والتي يجب أن تتجه إليها همم المسلمين في كل زمان، لتكون لأفرادها واحة السكينة والسكن، من قلق الحياة وضجيجها.

الصلاة.. معراج يومي يضبط إيقاع الأسرة

وفي ذكرى المعراج، نحن مدعوون لرفع سقف طموحنا الأسري، فالصلاة التي فُرضت في تلك الليلة معراج يومي لكل فرد من أفراد الأسرة؛ توحد المرجعية التشريعية، وتصلهم بصاحب الخلق والأمر جل جلاله، وتسمو بهم فوق الخلافات التافهة والجزئية، ولذلك وجب علينا أن نعطي الصلاة حقها وحضورها في فضاء الأسرة المتنوع والمتشابك.

وفي ذكرى الإسراء تحضر التربية الأسرية، لتغرس في نفوس الأجيال المؤمنة حضور القبلة الأولى ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، إنهم أبناء أمة الإسراء، وارثو جميع الأنبياء الذين أمَّهم رسولنا صلى الله عليه وسلم، فالأنبياء عليهم السلام عقيدتهم جميعاً التوحيد، وشريعتهم جميعاً الشريعة المحمدية الخاتمة الناسخة لكل الشرائع، ولو بعث فيهم موسى، وعيسى، عليهما السلام ما وسعهما إلا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

ربط الأجيال بالمقدسات.. دروس من ذكرى الإسراء ومدرسة صلاح الدين

ثم إن الذكرى مرة أخرى تعيد ربط الأجيال المسلمة بمقدسات المسلمين، تماماً كما فعل صلاح الدين، الذي لم يحرر القدس إلا بعد أن نبت هو شخصياً في بيئة أسرية تعظم المقدسات والحرمات، وتعرف للرباط والجهاد في سبيل الله قيمته وأولويته، نحتاج اليوم أن نعلّم أبناءنا أن قضية «الأقصى» ليست قضية سياسية أو حقوقية فقط، ولكنها آية في كتاب الله، وعقيدة راسخة لا يتم إيمان المسلم دونها، وجزء من رحلة نبينا وذكراه العطرة، وهذا كله مما يعزز الهوية الإسلامية في مواجهة عواصف التغريب، وحملات المستعمر الشرسة.

وحدة المحراب.. رمزية التعاون والاجتماع

وفي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في المسجد الأقصى أعظم رمزية للوحدة والاندماج، فبرغم اختلاف الأزمان والشرائع، فإن اجتماع الأنبياء خلف إمام واحد يعني أننا أمة واحدة نجتمع في الماضي والحاضر على الأصول والثوابت وإن اختلفنا في الفروع والمتغيرات.

وهو المعنى الذي أدركه السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، فلم يتوجه نحو القدس وحطين، إلا بعد أن عمل لسنوات ممتدة على لمّ شتات المسلمين، وتطهير نفوسهم من الفرقة والتنازع وأسبابهما، وغرس بذور التعارف والتعاون والتكافل فيما بينهم، ليقول للمسلمين من بعده: إن لتحرير الأوطان أسباباً لا بد منها، تبدأ من الإنسان وعلاقاته الأسرية والاجتماعية، ولا تقصر في العمل الدؤوب المتواصل، الذي لا يعرف التواكل، بل يعرف العمل بمنطق الأرض مع الثقة بمدد السماء.

إن واقعنا المعاصر اليوم مليء بالتحديات الأسرية والاجتماعية وغيرها، ويحتاج إلى إسراء نحو القيم ومعراج نحو المبادئ، حاجة تجعلنا نستحضر تلك الذكريات، لا من باب الترف الفكري أو الأشواق الإيمانية اللطيفة فحسب، ولكن من باب الضرورة التي نرى فيها معالم عودتنا لذلك التوازن الفكري والنفسي والاجتماعي الضروري لنهضة أمتنا.

إن ذكرى الإسراء والمعراج دعوة لكل أب وأُم، ولكل مربٍّ ومصلح، أن يرفعوا أبصارهم نحو السماء دون أن ينسوا واجباتهم على الأرض، فالبيت الذي يُبنى على اليقين، والمجتمع الذي يوحده المحراب، هما وحدهما المؤهلان لاستعادة أمجاد صلاح الدين، فلنجعل من هذه الذكرى نقطة تحول؛ نسري فيها بقلوبنا نحو التسامح، ونعرج فيها بأرواحنا نحو الاستقامة، عسى الله أن يكتب لجيلنا فتحاً يبدأ من النفوس وينتهي بأسوار القدس العتيقة.



اقرأ أيضاً:

الإسراء والمعراج...دروس وعبر

الإسراء والمعراج بين العقل والإيمان

تحويل القبلة والبناء الحضاري للأمة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة