انتخابات التجديد النصفي.. هل تحول ترمب إلى «بطة عرجاء»؟

جمال خطاب

03 نوفمبر 2026

13

انتخابات التجديد النصفي.. هل تحول ترمب إلى «بطة عرجاء»؟

في مساء 7 نوفمبر 2006م، جلس الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في البيت الأبيض يتابع نتائج انتخابات التجديد النصفي، كانت الولايات المتحدة غارقة في حرب العراق، والرأي العام الأمريكي يزداد استياءً من الحرب التي حصدت آلاف الضحايا وكلفت الخزانة الأمريكية مئات المليارات من الدولارات.

وأسفرت الانتخابات عن خسارة الجمهوريين للسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ لصالح الديمقراطيين، وفي اليوم التالي أعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد استقالته.

لم يكن ذلك مجرد تغيير إداري، بل كان اعترافاً بأن الانتخابات أعادت رسم ميزان القوى في واشنطن، وأضعفت قدرة بوش الابن على إدارة الحرب كما كان يريد.

هذه الحادثة تفسر أهمية انتخابات التجديد النصفي التي تجري كل 4 سنوات في منتصف الولاية الرئاسية، انتخابات لا تختار رئيساً جديداً، لكنها تحدد من يملك سلطة التشريع والرقابة في الكونغرس.

في انتخابات عام 2026م، يتنافس المرشحون على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً وعلى 35 مقعداً من أصل 100 في مجلس الشيوخ، والنتيجة قد تحدد شكل السنتين المتبقيتين من ولاية دونالد ترمب.

انتخابات مهمة.. لماذا؟

غالباً ما ينظر الأمريكيون إلى هذه الانتخابات باعتبارها استفتاءً على أداء الرئيس الحالي، وإذا خسر الحزب الحاكم الأغلبية في الكونغرس، يصبح تمرير القوانين أكثر صعوبة، بينما تزداد قدرة المعارضة على فتح التحقيقات واستدعاء المسؤولين ومراقبة السلطة التنفيذية.

يرى المؤرخ الأمريكي آلان ليختمان أن الانتخابات النصفية تمثل مؤشراً مبكراً على المزاج الشعبي والاتجاه الذي تسير نحوه البلاد، وقد أظهرت تجارب الرؤساء السابقين، من باراك أوباما، إلى جورج بوش، وبيل كلينتون، أن فقدان الأغلبية النيابية يمكن أن يحول الرئيس من قائد قادر على فرض أجندته إلى رئيس لا يستطيع سوى الأزمات السياسية اليومية.

هل سيصبح ترمب «بطة عرجاء»؟

مصطلح «البطةالعرجاء» (Lame Duck) لا يعني فقدان الرئيس سلطاته الدستورية، بل تراجع نفوذه السياسي وقدرته على تمرير مشاريعه، فالرئيس يحتفظ بحق النقض (الفيتو)، وقيادة السياسة الخارجية، وإدارة الحكومة الفيدرالية، حتى اليوم الأخير من ولايته، لكن المشكلة تكمن في أن السياسيين والفاعلين الاقتصاديين يبدؤون بالتفكير في المرحلة التالية أكثر من اهتمامهم برغبات الرئيس الحالي.

إذا نجح الديمقراطيون في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ معاً، فإنهم سيتمكنون من التحكم في جدول أعمال الكونغرس ولجانه الرئيسة، وسيصبح بإمكانهم تعطيل أجزاء واسعة من الأجندة التشريعية لترمب، وتأخير بعض التعيينات القضائية والإدارية، وفتح ملفات رقابية حساسة تتعلق بالإدارة الأمريكية، وفي هذه الحالة سيبقى ترمب رئيساً قوياً من الناحية الدستورية، لكنه سيكون أضعف سياسياً بكثير.

هل ستتأثر الحرب في الخليج؟

يعتمد تأثير الديمقراطيين على طبيعة الحرب ومستوى الانخراط الأمريكي فيها؛ فتاريخياً، يميل جزء كبير من الحزب الديمقراطي إلى التشدد في الرقابة على التدخلات العسكرية المكلفة وطويلة الأمد.

فعندما سيطر الديمقراطيون على الكونغرس عام 2006م، تصاعد الضغط الشعبي والسياسي لتغيير الإستراتيجية الأمريكية في العراق، ولهذا يرى الخبير الأمريكي ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، أن سيطرة المعارضة على الكونغرس لا تنهي الحروب تلقائياً، لكنها تجعل استمرار العمليات العسكرية أكثر كلفة سياسياً للرئيس.

وفي حال اندلاع أو استمرار مواجهة واسعة النطاق في منطقة الخليج، فإن أغلبية ديمقراطية قد تدفع نحو فرض رقابة أشد على التمويل العسكري، والمطالبة بتقارير دورية حول أهداف الحرب وتكاليفها، والضغط من أجل مسارات دبلوماسية أكثر نشاطاً، لكن يجب التأكيد أن صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة تمنح الرئيس هامشاً واسعاً للاستمرار في إدارة العمليات العسكرية، خاصة في المراحل الأولى من أي نزاع.

تأثير الانتخابات على «إسرائيل»

تعتبر العلاقة الأمريكية «الإسرائيلية» من أكثر الملفات حساسية في السياسة الأمريكية، وبينما يحظى دعم «إسرائيل» بتأييد واسع داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فإن السنوات الأخيرة شهدت تباينات واضحة داخل المعسكر الديمقراطي بشأن الحكومة «الإسرائيلية» وسياساتها.

وتشير استطلاعات الرأي الصادرة عن مركز «بيو» للأبحاث خلال الأعوام الأخيرة إلى اتساع الفجوة بين الجمهوريين والديمقراطيين في تقييم السياسات «الإسرائيلية»، خصوصاً في ملفات الاستيطان والحرب في غزة.

ولذلك، إذا حقق الديمقراطيون انتصاراً كبيراً في الكونغرس، فمن المرجح أن يزداد الضغط السياسي على الحكومة «الإسرائيلية» في ملفات مثل المساعدات الإنسانية، وإدارة العمليات العسكرية، ومستقبل التسوية السياسية، وقد ترتفع أصوات تدعو إلى ربط بعض أوجه الدعم الأمريكي بشروط تتعلق بحقوق الإنسان أو القانون الدولي.

لكن من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى انقلاب جذري في التحالف الإستراتيجي الأمريكي «الإسرائيلي»، فالدعم العسكري والأمني لـ«إسرائيل» يحظى بإجماع واسع داخل المؤسسة الأمريكية، سواء في الكونغرس أو أجهزة الأمن القومي، ولذلك سيكون التأثير الأكبر في أسلوب إدارة العلاقة وليس في جوهرها.

فالخلافات بين واشنطن و«تل أبيب»، كما يرى الكاتب الأمريكي توماس فريدمان غالباً ما تدور حول السياسات والوسائل، لا حول طبيعة الشراكة الإستراتيجية نفسها.

انتخابات تحمل ما هو أكبر من المقاعد

انتخابات التجديد النصفي لا تتعلق بالأرقام البرلمانية وحدها، بل بمستقبل السلطة في واشنطن، فإذا تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي الكونغرس، فإن الرئيس ترمب سيواجه واقعاً سياسياً جديداً قد يحوله إلى «بطة عرجاء» من حيث النفوذ السياسي، حتى وإن احتفظ بكامل صلاحياته الدستورية، وقد ينعكس ذلك على ملفات الحرب في الخليج والعلاقة مع «إسرائيل»، من خلال زيادة الرقابة والضغوط السياسية أكثر من إحداث تغييرات جذرية وفورية.

ولعل التاريخ يقدم خاتمة معبرة، ففي نوفمبر 2006م، وبعد خسارة الجمهوريين للكونغرس، اعترف الرئيس جورج بوش بأن الناخبين أرسلوا رسالة واضحة، لم يغادر البيت الأبيض، ولم يفقد سلطاته، لكنه لم يعد قادراً على الحكم بالطريقة نفسها، وبعد عقدين تقريباً، يبقى السؤال مطروحاً من جديد: هل يكرر الناخب الأمريكي الرسالة نفسها مع رئيس جمهوري آخر؟

الهوامش
  • 1 استطلاعات مركز «بيو» الرأي حول المواقف من «إسرائيل» والحرب في غزة.
  • 2 ستيفن والت، جامعة هارفارد كتابات وتحليلات حول السياسة الخارجية الأمريكية.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة