العنوان انهيار الولايات المتحدة تبعًا لانهيار أبنائها الخلقي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1971
مشاهدات 94
نشر في العدد 54
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 06-أبريل-1971
انهيار الولايات المتحدة
تبعًا لانهيار أبنائها الخلقي
الدكتور عيسى عبده يتحدث إلى المجتمع عن رحلته في أوروبا وأمريكا واليابان (۲)
الإيمان في قوة الدولار إلى حد القداسة هو صورة معاصرة لعبادة اليهود للعجل الذي صنعوه من ذهب.
حوار أجراه: أبو عبد الله
الخبز مدهون بشحم الخنزير
ولجماعة الاتحاد سالف الذكر مشروعات مالية واقتصادية كإنشاء مركز تجمع للمسلمين، يشتري منها المغترب حاجته من الأطعمة والأشربة والخبز، ولك أن تتوقف قليلًا عند الخبز باعتبار أن شبهة الحرمة فيه مستبعدة مثلًا، والواقع غير ذلك؛ لأن الكثرة الغالبة من الخبز الذي يُباع في الأسواق مجهز بدهون يدخلها دهن الخنزير. إلى هذا الحد يجد المسلم مشقة في المحافظة على دينه بأن يتوقى الأطعمة المحرمة. ولذلك فكر الاتحاد في إقامة مراكز التجمع. وفوق ذلك وأهم يريد هذا الاتحاد إنشاء فصول لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم والحديث الشريف، بالقدر الذي يتفق وطاقة الصغار من أولاد المغتربين وبناتهم؛ لأن هذا الجيل الناشيء محروم تمامًا من اللغة والكتاب و السنة، والحق أن اتجاه اتحاد الطلبة المسلمين إلى إنشاء هذه المراكز هو عمل جليل وليس فيه خسارة مادية، بل إنه فرصة للاستثمار الطيب، وفرصة للإسهام في نشر الدعوة و حماية أبناء المغتربين من الصبغة الغالبة عليهم في الوقت الحاضر، بحكم البيئة التي يعيشون فيها.
أقول أفلم يأن للأغنياء من مسلمي هذا الزمن أن يوجهوا بعض أموالهم لمثل هذه المشروعات بدلًا من إيداعها في بنوك الصهاينة؟ وأضح أن هذه المشروعات تستوعب رؤوس أموال ضخمة إذا أريد تعميمها في كل الفروع.
وأوربا
وسألت المجتمع الدكتور عيسى: هل من إضافة خاصة بأوروبا أم أن الحال كما سبق ذكره؟
-الحق أنني توقفت في سويسرا وحدها، ومن هذا المركز الوسط في أوروبا، ومن اتصالي بجماعات تمر بهذه البلاد عرفت عن أوروبا ما أدهشني، فلقد كنت أظنها بمنجاة من التيارات التي عصفت بالغرب والشرق جميعًا، فإذا بهذه التيارات تجرف كل شيء وتطرق كل باب، ففي قلب أوروبا النزعة الاشتراكية الضيقة، وفيها التحلل والإغراق فى المادية، وفيها التلوث في الجو وفي مياه الأنهار والبحيرات، كالذي رأيته في الولايات المتحدة، وهكذا رأيت أن العواصف التي تهب على العالم لا يحجبها عن أي بلد أي حجاب.
بصفتكم من مفكري الإسلام و دعاته البارزين، ما العمل الذي قدمتموه إلى دينكم أثناء جولتكم في اليابان والولايات المتحدة و أوروبا ؟
إن ما قدمت القليل، لأنني لم أستقر في أي بلد فترة كافية، وكان هدفي أولًا التعرف على أحوال الدعوة والدعاة، ومما يذكر أنه في اليابان تحدثت في بعض الجامعات عن المعاملات والأوضاع الاقتصادية في الإسلام، وقد أبدى المستمعون دهشتهم من أن هذا الدين يتطرق إلى مثل هذه الأمور، هذا عن اليابانيين لا عن المسلمين الذين قابلتهم، وقد قدم لي الأستاذ "أكيدا" من جامعة أوزاکا نسخة من ترجمة للقرآن الكريم كما يظن هو وزميل له، ودعاني هذا الإهداء إلى القاء محاضرة عن ترجمة القرآن، وبينت فيها استحالة ترجمة فقرة من آية، وضربت الأمثال، وحذرت من الحكم على هذا الكتاب المنزل بمجرد الاطلاع على آية ترجمة، وقلت إن ما يسمى ترجمة يساعد المسلم العارف بالكتاب وباللغة الأجنبية، وهو بصدد توضيح أحكام الدين، ولكن الاطلاع على آية ترجمة مع جهل اللغة العربية والانقطاع عن علوم القرآن يحقق من الأضرار أضعاف ما يمر بالوهم، من حيث تحقيق مصلحة محدودة، كاقتناع فرد واحد بجلال هذا الكتاب، ولقد كررت هذه المحاضرة في زيوريخ بسويسرا، وكان لها وقع طيب، حملت بعض المسلمين على أن يقوموا بإعداد بعض الآيات بنصها ورسمها في المصحف، ثم إعادة كتابتها بالرسم المتداول في المدارس، کإضافة الألف في كلمة السماوات مثلًا، ثم اثبات النص الألماني على ركاكته، وأخيرًا إفساح المجال للتعقيب والشرح بقصد تبيان المعاني الصحيحة التي يحملها النص العربي، ولا تحملها الترجمة المدعاة. وقبل ذلك ألقيت بعض المحاضرات في بعض جامعات أمريكا مثل "باركلي» و"استانفورد» عن مشكلات العالم في زمننا الحاضر وحكم الإسلام عليها.
ومن أخص ما تكلمت فيه ومن أهمه أيضًا موضوع أحب أن أثبته هنا؛ ليطلع عليه هذا الجيل وأجيال أخرى تجيء إن شاء الله رب العالمين؛ لأنه يثير قضية بالغة الخطورة لم تقابل بالارتياح من بعض الدارسين المعاصرين؛ لأنهم تأثروا بالصبغة الغربية، وتملكت عليهم مشاعرهم وتقديرهم، أريد بهذه القضية ما دعوت إليه من تكاتف الجهود على إعادة الدراسات الجادة للدين الإسلامي في أرض المسلمين ومساجدهم وديارهم وجامعاتهم. فقد هالني أن أرى الجامعات في البلاد الإسلامية ومراكز البحث العلمي ترسل البعوث من الشباب المسلم للحصول على إجازات دراسية في الإسلام، وهؤلاء يتلقون أحكام الدين عن المستشرقين ممن لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
حملة الدكتوراه الإسلامية!!
ومن المؤسف أن خطة خصوم الإسلام نجحت فيما انقضى من القرن العشرين، بأن جرى العمل على أن يربط بين المركز والجزاء المادي، وبين الشهادة الصادرة عن تلك الجامعات الأجنبية. ومن نكد الدنيا على هذه الأمة أن يفخر الدارس للدين الإسلامي بدرجة الدكتوراه مثلًا ويضيق بلقب الشيخ، أو أن يفخر الدارس على أيدي المستشرقين بأنه تلميذ لفلان منهم. ولقد أُتيحت لي أكثر من فرصة تحدثت فيها إلى بعض المعلمين والمتعلمين، ورأيت الفرق الواضح بين الزهرة الصناعية الكاذبة، وبين ما تنبته الأرض من كل زوجٍ بهيج خلقه الله سبحانه.
ذلك أن علوم الدين لا تيسر للكافر والكتابي، أن هي إلا شقشقة لسان، وتصيد لمواطن الشبهات أو الخلاف وتعميقها. أقول إن جمع المخطوطات ولو "بالميكرو فيلم" وتنسيقها وترتيبها وتصنيفها في دور منظمة هو أول عمل يجب على المسلمين إنفاذه، ثم تقام مراكز البحث والجامعات الإسلامية في دار الإسلام، وهذا أمر وثيق الصلة بالدعوة، وهي موضوعنا؛ لأن البيئة الغربية والشرقية التي تجد دعاة المسلمين يتوافدون عليها، وهم أنفسهـم تلامذة للغرب والشرق، هذه البيئات الغريبة عن الإسلام معذورة إذا لم تستشعر بالاحترام الكافي لدين يتلقاه دعاته عن الكفار.
مرةً أخرى أقول إن هذا أمر بالغ الخطورة، ويستوجب وضع خطة طويلة المدى؛ لإمكان التخلص من هذا البلاء، والمثل المشهور يقول: "فاقد الشيء لا يعطيه»، فإذا كان دعاة المسلمين يطلبون الهدي وعلوم الإسلام على أيدي الكفار، فكيف تثمر كلماتهم في بيئة هم عيال عليها؟!.
يقال أن الولايات المتحدة ستنهار تبعًا لانهيار وتدهور أبنائها الخلقي. فما رأيكم في هذا؟
هذا صحيح، وفي تقديري لا تعدو أن تكون مسألة وقت؛ لأن عوامل الانهيار الداخلي في المجتمع تجيء من نواح كثيرة، منها الإغراق في الشهوتين المعروفتين الجنس والطعام، وإذا قلت الطعام فإن هذا يتسع للشراب كذلك كالخمور وما في حكمها، فقد بدأت تنتشر في الشباب بصـورة خاصة.
وناحية أخرى هي التعلق بالتغيير من أجل التغيير، ولذلك تجد جماعات من الجنسين تخرج على كل مألوف لمجرد الخروج في الملبس، وفي السلوك الشخصي.
وناحية ثالثة هي التمييز العنصري والتمييز على أساس الألوان. وقد لاحظت أيضًا ما يمكن أن يعتبر سببًا رابعًا من أسباب انهيار هذا المجتمع، وذلك كراهية رجال الأعمال لسياسة الدولة، وبخاصة شن الحروب من أجل ترويج صناعة الأسلحة، ولا يمنع من ظهور هذه الحقيقة حاليًا سوى الرقابة الشديدة، والكبت فلا يحسبن القارئ أن هذه البلاد فيها حرية تزيد على بلاد أخرى، بل الكلمة الموجهة والمجلة تستعبد بالإعلانات، والرجال يستعبدون بالمال، ومن لم يخضع يتعرض للاضطهاد بكل ما تحمل هذه اللفظة من المعاني، أعني إلى حد القتل.
ثم إن الجمعيات الدينيـــــة والهيئات ساخطة على التدهور الخلقي، وقد سبق أن أشرت إلى ذلك.
من أسباب انهيار الولايات المتحدة
أما من الناحية الاقتصادية وهي عصب الحياة، فإن الأسباب التي أراها مؤدية إلى انهيار هذا الصرح القائم على الغرور والعنت فهي أسباب كثيرة، منها:
التضخم المالي: و من علاماته اتجاه المستويات العامة للأسعار نحو الارتفاع، وقد عنى الرئيس الحالي "نيكسون» أول ما شغل منصبه بدراسة هذه القضية، واجتمع بأمره خمسون عالمًا وخبيرًا في الاقتصاد، واشتد بينهم الخلاف، وانقسموا إلى فرق ثلاث.
ولا أريد آن أستطرد هنا، فموضوع التضخم قضية خطيرة قائمة بذاتها، وإنما أريد أن أنبه القارئ إلى أن الانفاق الذي لا يسهم في الرفاهية كما في ميزانيات الحرب وغزو القضاء من شأنها أن تؤدي إلى تفشي البطالة، وبث القلق في صفوف المجتمع. ولئن كانت الأباطرة في التاريخ قد انهارت سروحهم تباعًا بسبب التوسع، فإن الذي أراه أن هذه القوة الكبرى قد طغت وسلكت مسلك الأباطرة من جديد بما تثيره من حروب، وبما تنفقه من أموال على غير طائل.
وفي هذا القدر كفاية للعوامل الاقتصادية التي تسهم في الانهيار آجلًا أو عاجلًا.
نسمع أن الشباب في أوروبا و أمريكا يضيع وقته بين الشهوة و اللذة، ومع ذلك نشاهد تقدمًا في الصناعة وإبداعًا في التكنولوجيا. فكيف يحدث هذا؟
التقدم التكنولوجي في الغرب بدأ من الربع الثاني من القرن التاسع عشر، وأهم مظاهره الاختراعات وتطبيقاتها، واستمر هذا التقدم في تجمع مستمر زهاء مائة وخمسين عامًا، وبقوة الدفع لم يتوقف، ولكن استجدت بعض العناصر التي جعلت الغرب أحرص ما يكون على مزيد من التقدم، وأهم هذه العناصر يقظة اليابان في أوائل القرن العشرين، وتحديها لقوى الغرب، وظهور الشيوعية بعد الحرب العالمية الأولى.
هذه التحديات هي التي جعلت الغرب يضطر اضطرارًا إلى متابعة السير وتشجيع العلماء والفنيين، فليس هذا التقدم إذًا ناتجًا عن نزع خيرية، أو عن تفوق، بل عن خوف فقدان المركز المميز في العالم. ومن الأدلة التي تحضرني، أنه في مؤتمـر للصناعات الثقيلة عقد في لندن سنة ١٩٥٠م، قال رئيس المؤتمر وهو من كبار رجال الصناعة عبارة لها قيمة تاريخية وخلاصتها: إن زمن فتح الأسواق عُنوة وإبقاءهـا بالأساليب السياسية بدأ يتراجع سريعًا، وعلى الصانع البريطاني أن يعمد إلى التفوق؛ حتى يستبقى الأسواق.
ومن المظاهرات المعاصرة أن اليابان قد تفوقت على الولايات المتحدة في كثير من الصناعات، ومنها صناعة السفن. فاليابان ضربت الأرقام القياسية في سرعة التنفيذ وفي ضخامة الأعمال التي تقوم بها. من كل هذا يتضح أن التفوق المادي مستمر للارتفاع بمستوى الكفاية إبقاءً على قوت اليوم.
التوافق بين الصليبة والصهيونية
يلاحظ أن للصهيونية العالمية نفوذًا قويًا في الولايات المتحدة و أوروبا، نرجو أن تعطونا فكرة واضحة عن ذلك.
قبل دراستي لهذه الأحوال عن كثب ولو لفترة، كنت أظن أن اليهود في العالم لا يزيدون على ستة عشر مليونًا، وأن الصهيونية نزعة استعمارية يعتنقها فريق من اليهود وحسب، وكنت أتساءل كيف يصح في الفهم أن عشرات الملايين من النصارى يساندون الصهيونية في ثبات خلال القرن العشرين علي الفعل، حتى لمست التوافق التام بين البلاد الغربية التي تزعم أنها تابعة للدين المسيحي وبين الصهيونية.
وفي مناسبات كثيرة قلت إننا كمسلمين لا نواجه مليونين أو ثلاثة أو أربعة من اليهود، بل نحن نواجه عشرات الملايين من سكان الغرب الذين يقال لهم مسيحيون، ومن العلامات البارزة في هذا الخصوص عبارة تظهر على الدولار الأمريكي وترجمتها بالحرف الواحد "إننا نؤمن بالإله».
In God We Trust ، وقد لاحظت أن الإيمان في قوة الدولار إلى حد القداسة، هو صورة معاصرة لعبادة اليهود للعجل الذي صنعوه من ذهب، فالصورة واحدة.
وأحب أن أنبه البلاد الإسلامية إلى هذه النقط الهامة التي يسندونها، فليست الخصومة بين الإسلام واليهود، ولا بين الإسلام و الصهيونية، ولكنها بين الإسلام وما عداه من جحافل البشر التي تعبد المادة، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد سمعت في بعض البلاد الأوروبية عبارة تدل على استعباد المادة لهذه الشعوب كقولهم: "إن الله موجود حيث أصل»، يريد بذلك أن الإنسان بقدرته على تسخـير قوى الطبيعة هو الفعال، فإذا وصل إلى القمر فإنه عندئذ يقول: هنا الإله؛ لأنه وصل.
ويتفرع عن ذلك بعض التعبيرات المعاصرة كقولهم: بإرادتي، وبإرادة الإنسان، ونحو ذلك: فعلت كذا، وسأفعل كذا. وقد جاراهم في ذلك بعض الجهلة والمخدوعين من أبناء أمتنا.
ما مدى فعالية الدعوة الإسلامية في بلاد الغرب بوجه خاص؟
القدر الذي رأيته من شؤون الدعوة الإسلامية قليل، ولكن الفكرة العامة التي كونتها في رحلتي الأخيرة، بالإضافة إلى ما سبق من معرفة محدودة تحملني على التحذير من الظن، بأن هذه الدعوة تلقى في زمننا أية عناية جدية، ولقد أشرت من قبل في هذا التحقيق إلى أن كثيرًا من الجوامع والمراكز الإسلامية تشبه المصالح والتمثيل السياسي والقنصلي، ولا تخلو من منازعات بين الفرق من أجل استعلاء مذهب مع آخر كما لا تخلو من منازعات على مكاسب مادية صغيرة يحرص عليها بعض الأفراد، إنني لا أستطيع أن أغفل العدد القليل من المخلصين الذين يعيشون للدعوة، ولكن الصبغة الغالبة والبيئة التي تحيط بهم تجعل جهودهم قليلة الأثر، كما أن عناية البلاد الإسلامية التي تدعم أمثال هؤلاء غير كافية على الإطلاق، أذكر على سبيل المثال أنني رأيت في "أوزاكا» بعض الدعاة المتطوعين كالشيخ السمني، والأستاذين السباعي وكشفى خير الدين، وهؤلاء لا يقومون بأي دور رسمي في الدعوة، ولا يتلقون أية معونة، ولكن أثرهم في جامعة "أوزاكا» وفي الوسط الذي يعيشون فيه أظهر من المسؤولين الذين يعيشون على حسابها. وفي الولايات المتحدة رأيت عددًا من اتحاد الطلبة المسلمين، كالدكتور «أحمد حسين صقر»، والدكتور «عثمان أحمد»، والدكتور «أحمد التوتونجي»، وغيرهم. و في أوروبا عناصر لا تقل عمن ذكرناهم، وقد قرأت بعض التقارير عن كوبنهاجن وجهود الشبان المسلمين فيها الذين يدرسون ويخصصون جانبًا من وقتهم لإقامة مسجد وأداء الشعائر، وكذلك في زيوريخ. وهذه جهود طبية، ولكنها غير كافية.
إذن ماذا تقترحون لخدمة الدعوة الإسلامية؟
الواجب على الدول الإسلامية أن تبادر إلى دعم مراكز هذه القلة المخلصة، وأن تضع خطة طويلة المدى لتحقيق ما ذكرته من قبل، وهو رفع مستوى الدراسات الإسلامية في دار الإسلام، ومضاعفة العناية بالمخطوطات، ومضاعفة إعداد الدعاة إعدادًا كافيًا من ناحية الكفاية العلمية، وصدق العزم، على أن يعيش الداعية من أجل الدعوة. ومن الحلول العاجلة تقديم الدعم المالي لهؤلاء؛ حتى يتسنى لهم إنشاء نواة للمجتمع المسلم في البلاد التي يعيشون فيها، ومن المقترحات التي أظنها جديرة بالدراسة هي إنشاء مكتب مركزي أو رئيسي واحد على الأقل لكل قارة، فمثلًا يقوم في الكويت مركز لخدمة البلاد الأسيوية، وعنه تتفرع مكاتب في كراتشي وطوكيو وغيرهما، وفي طرابلس بليبيا يقوم مركز لخدمة الدعوة في إفريقيا، ويتفرع عنه مكتب في الخرطوم مثلًا، وفي الولايات المتحدة يقوم مركز في شيكاغو وعنه تتفرع مكاتب متعددة، وفي كندا يقوم المكتب في مونتريال، وفي أوروبا يقوم في وسطها في سويسرا مثلًا، ومنه تتفرع فروع في بعض الدول الأوروبية، وهكذا وتعنى هذه المكاتب المركزية بمتابعة أحوال الدعوة والدعاة ووضع الخطط وتوجيه الدعم المالي إلى حيث يكون منتجًا ومثمرًا.
ومن الأسباب التي دعتني إلى هذا التفكير أن داعية كالشيخ" محمد جميل» محمد جميل الباكستاني يجد مشقة في الاستجابة للدعوات التي تصله من الشرق الأقصى وحده أعنى بذلك تايلاند والفلبين وإندونيسيا واليابان وهذا ما رأيته بنفسي، إلى حد أنه قد يمر كل عام كامل قبل أن يستطيع تكرار الزيارة للراغبين في معرفة شيء عن الإسلام. وهكذا اتجهت إلى الرأي الذي أعرضه للنظر وهو التخصص الإقليمي مراعاة لبعد المسافات، وضرورة تكرار الاتصال بين الداعية والمجتمع الذي يخدمه.
دور المرأة في الدعوة
كل إنسان يزور أماکن جديدة تظل عالقة بذهنه خواطر، وانطباعات لا تنسى، فهل لكم أن تحدثوا قراء المجتمع عنها؟
أكثر الصور ثباتًا في ذهني ذلك العدد القليل من الطلاب والأساتذة في الجامعات الذين رغبوا في متابعة الدراسة، والاتصال بالضيوف المشتغلين بالدعوة. رأيت هذا في جامعتي «أوزاکا» و «طوكيو» باليابان ورأيته في العدد القليل من الجامعات الأمريكية التي أُتيحت لي فرصة زيارتها والقاء أحاديث فيها.
هؤلاء الشباب يصدرون في تصرفاتهم كما لو كانوا غرقى ويريدون منا الانقاذ، بل إن هذه حال الأفراد النادرين من الأساتذة الذين يحاولون استبقاء الزائر يتكلم عن الإسلام أطول مدة ممكنة، ويلاحقونه حيث ينزل أو يحل ويحاولون الحصول على موعد آخر لعله يعود إليهم.
هذه الصورة التي تدل على وجود نفوس متعطشة للفهم ولعلها تؤمن بدعوة الحق. هذه الصورة تفرض على الدول الإسلامية أن تبذل جهدًا صادقًا بأن تمد يدها لهؤلاء الغرقى.
وأخيرًا لاحظت أن بين الفتيات والنساء من ينطبق عليهن هذا القول كالرجال تمامًا، ولذا آثرت في أكثر من موضع موضوع اختيار العنصـر النسوي الصالح للاشتغال بالدعوة، وهذه مسألة تنبه لها المبشرون من أوائل القرن العشرين، فاستخدموا النساء في التبشير، وكان لبعضهن آثار أشادت بها التقارير، وأرجو من القارئ ألا يمر على هذه العبارة مرًا سريعًا، بل أن يطيل النظر؛ لأن انحراف الأم المسلمة عن سبيل الدين أضاع فريقًا كبيرًا من الأجيال التي عاصرناها، وبهذا يفخر المبشرون.
وإلى خطورة هذه الحال تنبه بعض الكتاب ومنهم الدكتور عمر فروخ في بعض مؤلفاته، ولا نزال نحن غافلين عن أهمية دخول العنصر النسوي الصالح في ميدان الدعوة.
وعلى ذكر العنصر النسوي ومشكلاته في الدعوة أقول إن بعض الفتيات في اليابان اعتنقن الإسلام، ومضى علي ذلك سنوات، ويواجه هذا البعض مشكلة العثور على زوج مسلم؛ لأنه إذا تعذر عليهن التوفيق فى حل المشكلة، وتواجه الأمر الواقع، وبذلك تفقد إسلامها وهذا الأمر الواقع لا يهدد الداخلات فى الإسلام وحسب، بل يهدد أيضًا بنات المسلمين المغتربين.
أبو عبد الله
مواقف
عود إلى حوار مفتوح..
القضية التي كانت موضوع الحوار الفكري الذي دار بين الأخوين الكريمين العقيل وأبو عزة، قضية غاية في الأهمية. وليست مهمتي هنا أن أحدد موقفي منها أو أنحاز لموقف أحد الأخوين الكريمين، بل أن أتناول جوانب أكثر عملية على ضوء ما أُثير من نقاش حول تلك القضية الكبيرة، قضية الشورى. أهمية هذه القضية تنصب على مناحي عديدة، مناحي فكرية بحتة، تتعلق بمكان الشورى في عملية اتخاذ القرارات والمواقف في هيكل الدولة الإسلامية.
وقد وصفت هذا المنحى بالفكري؛ لعدم اعتقادنا نحن بوجود دولة إسلامية في الوقت الحاضر. ولذا فكل ما يبحث بهذا الشأن يستطيع أن نسحب عليه صفة الفكرية. المنحى الآخر- وهو برأيي المتواضع- الأهم هو منحى عملي يتعلق بمعطيات ذلك الحوار ونتائجه، وانعكاس تلك النتائج والخلاصات الفكرية على منهج العمل الإسلامي في الفترات الحالية والمستقبلية.
أهمية القضية إذن هي كيف تستطيع خلاصة الحوار أن تسهم في رسم مناهج العمل الإسلامي، وكيف تستطيع تلك الخلاصة أن تؤثر على أبنية الحركة الإسلامية وتكويناتها وتشكيلاتها. وليست القضية بالطبع تقتصر على اهتمامات الأخوين الكريمين، بل إنهما يشكران على ذلك؛ حيث أسهما فيها بحدود ما أتاهما الله من فكر واجتهاد، يبقى بعد ذلك أن يعي كافة أصحاب الاتجاه الإسلامي أن القضية تتعلق بكل واحد منهم وبأن الحوار تتسع دائرته لتشمل كل من له دور مهما صغر في دائرة العمل الإسلامي الحركي المنظم. وليس المقصود بذلك أن تبدأ الأقلام بالعطاء فوق صفحات المجتمع الغراء، بل أقصد بأن الحوار المؤتمري المنظم والذي يمثل كافة قطاعات الاتجاه الإسلامي هو السبيل الأسلم للوصول إلى ركائز فكرية ثابتة، يطمئن إليها الاتجاه الإسلامي؛ لتقف فوقها حركته، ويرسم بمقتضاها منهاج عمله دون التقليل من أهمية هذه.
التقليد الهادم
نشرت إحدى المجلات الأسبوعية المحلية كلمة تحت عنوان «الرقص ليس عيبًا». تذكر فيه حفلًا راقصًا لبنات حواء، حضره أولياء أمورهن!!. والعجيب أن هذا الحفل حدث في الكويت لا في أوروبا، وأولياء الأمور عرب مسلمون ليسوا «فرنجة»..!!. أبعد هذا يكون لنا عتاب على الكاتب الذي يدعي بأن الرقص ليس عيبًا؟!، لو أن ولي أمر الطالبة كانت فيه بقية من غيرة لأدرك أن الله يغار أن تنتهك محارمه!. لو أنه كانت عنده بقية من فطنة وذكاء لأدرك أن معظم النار من مستصغر، وأنه إذا رقصت ابنته الصغيرة اليوم فستصبح في الغد.! مع العلم بأن اللاتي كن موجودات منهن أيضًا خمس فتيات درسن الباليه في الخارج لمدة ثلاثة شهور. كفانا مسخًا لشخصيتنا، وهو أنا عند أعدائنا وهم يروننا في أرض المعارك نلهو ونلعب. أيها الآباء والأمهات: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (سورة التحريم: 6). القضايا وتجاهل وجودها ليس قطعًا من صالح الحركة الإسلامية، والتبكير بالبت فيها أصلح وأنفع وأحصن للصفوف، ومن الواجب تمثيل كافة شرائح الاتجاه الإسلامي حين يبدأ مؤتمر الحوار عمله، وتنفيذ مهامه.
إن ضرورة عقد مثل هذا اللقاء المؤتمري ليبحث هذه القضية وغيرها من القضايا المؤجلة ضرورة تفرضها طبيعة الظروف الحرجة التي تمر بها الحركة الإسلامية.
إن تثار قضية بهذه الأهمية وأن يسهم القلم الإسلامي المعاصر فيها، ويجتهد في إسهامه ويختلف في نتائج اجتهاداته لدليل قاطع على توافر المناخات الصحية بين أصحاب الاتجاه الإسلامي، ومن الضروري أن نؤكد هنا بأن الحوار الذي دار هو من المؤشرات الهامة على حيوية الفكر الإسلامي الحديث الذي تتبناه الحركة الإسلامية كمنهج وطريق، وخطأ أن يعتبر البعض أن اختلاف وجهات النظر حول قضية قد ينشأ عنه اختلاف أساليب العمل وطرائقه، ومن ثم تشتيت الطاقات الحركية الإسلامية.
ولا يجب أن ينسي ذلك البعض أن التجانس الفكري داخـل إطار أي حركة ليس من الضروري أن يكون إيجابيًا في بناء الحركة، بل لقد رأينا هذا التجانس يفرض داخل إطارات بعض الحركات غير الإسلامية، فكانت نتيجة ذلك الترهل الفكري والحركي الذي تعيشه، وما زالت تعاني منه كثير من الحركات العقائدية. على العكس، يجب أن تتسع آفاقنا الفكرية لتضم كافة الآراء في إطار أساسيات الفكـر الإسلامية والمنهج الحياتي الذي تطرحه.
فتى الخليج
الرابط المختصر :