انقلاب سياسي في الكيان الصهيوني.. ماذا بعد؟
في عودة جديدة
للحياة السياسية، وبقوة، وفيما وصف في وسائل الإعلام العبرية بـ«الانقلاب السياسي»،
أعلن رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الأسبق نفتالي بينيت، وزعيم المعارضة يائير لابيد،
عن قائمة مشتركة أطلق عليها اسم «بياحاد» أو «معاً» باللغة العربية، من أجل
الإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رغم تباين الآراء ما بين صراع على السلطة
أو التباين الواضح بشأن قضايا وملفات الإستراتيجية، أو مجرد توحيد لصفوف المعارضة،
أو مجرد «انقلاب».
فور الإعلان عن
تشكيل «التحالف» الانتخابي الجديد بينهما، خرجت وسائل إعلام عبرية عدة ووصفت عودة
بينيت إلى أحضان لابيد بـ«الانقلاب السياسي»، بعدما شكلا معاً تحالفاً في العام
2021م، ونجح كل منهما في رئاسة الوزراء بالتبادل، حيث شغل بينيت المنصب في الفترة
ما بين 13 يونيو 2021 وحتى 30 يونيو 2022م، فيما شغلها لابيد في 1 يوليو 2022 وحتى
نهاية ديسمبر من العام نفسه، وهو التحالف الذي أكد فور الإعلان عنه في بيان مشترك،
أنه خطوة نحو عملية إصلاح دولة «إسرائيل»، تضع حدًا للصراعات الداخلية، وخطوة
باتجاه نصر حاسم في الانتخابات البرلمانية المقبلة.
ومن هنا، انبرت
تلك الوسائل الإعلامية في التحليل، حيث رأت صحيفة «كالكاليست» أن الهدف من تشكيل
حزب «معاً» الإطاحة ببنيامين نتنياهو من عرش رئاسة الوزراء، الذي مكث فيه لأطول
فترة ممكنة، قدرت بـ18 عاماً كاملة، على مدى ولايات متعددة، حيث يسعى بينيت إلى
استقطاب مؤيدين من التيار اليميني، بينما يحاول لابيد استقطاب مؤيدين من الوسط،
فيما رأت «القناة 13» العبرية أن بينيت، ولابيد يحاولان إصلاح ما أفسده نتنياهو
عبر تحالفهما معاً ومحاولتهما قيادة الكيان الصهيوني نحو ما وصفته بالتغيير
والإصلاح المنشود.
فيكتور أوربان مثالاً
وأشارت صحيفة «يديعوت
أحرونوت»، على لسان محللتها للشؤون السياسية موران أزولاي، أن رئيس الوزراء المجري
فيكتور أوربان، بقي في السلطة 16 عامًا كاملة، وتم الإطاحة به من قبل المعارضة،
لتلفت الأنظار إلى إمكانية إطاحة الحزب الجديد بنتنياهو، بعد فترته الطويلة في
سُدَّة الحكم.
فيما رأى مايكل
شيمش بـ«هيئة البث الإسرائيلية»، أن تحالف بينيت-لابيد كان ضربًا من الخيال رغم
تحالفهما السابق، نتيجة لاستمرار كل منهما على فكره ورؤيته بشأن بلاده، فلابيد من
تيار اليسار، وبينيت من اليمين المتشدد، لكنهما اجتمعا في حزب «معاً» في تحالف غير
واقعي، للإطاحة بنتنياهو، مشيراً إلى أنه لم يكن أحد يتوقع فعلياً إتمام هذا
التحالف مرة أخرى، ولكنه حدث بعد تقليص خلافاتهما الأيديولوجية، معتبراً أن هناك
شخصيات مستفيدة من هذا التحالف، وهما بتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب «الصهيونية
الدينية»، وأفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «يسرائيل بيتنو»، حيث توقع استقطابهما بعض
مؤيدي بينيت المحبطين بعد تحوله نحو يسار الوسط الذي يجنح إليه لابيد.
حزب هجين بلا هوية واضحة
فيما اختلف إلياشيف
ريخنر، المحلل السياسي لصحيفة «ماقور ريشون» العبرية مع تلك الرؤى، واعتبر هذا
الحزب بمثابة حزب هجين بلا هوية واضحة، والرؤى المشتركة بين لابيد، وبينيت قليلة
ولا تؤدي إلى تحالف قوي أو كتلة انتخابية ذات هوية حقيقية، سواء كانت يمينية أو
يسارية، وإنما الغرض منه العمل على إسقاط نتنياهو فحسب، داعيًا إلى أن يكون الهدف
للحزب الجديد مستقبل الدولة فحسب دون أي اعتبارات شخصية.
ونوهت «القناة
12» العبرية بأنه حال انضمام رئيس هيئة الأركان الأسبق الجنرال غادي أيزنكوت، زعيم
حزب «يشار الوسطي»، للانضمام إلى الحزب الجديد، سيرجح بنسبة كبيرة تغلبه على
نتنياهو؛ في وقت أظهرت استطلاعات الرأي الذي أجراه الموقع الإلكتروني العبري «واللا»،
أن بينيت المرشح الأوفر حظاً لهزيمة نتنياهو في الانتخابات البرلمانية المقررة في
أكتوبر المقبل، وذلك فور الإعلان عن تشكيل الحزب الجديد، حيث ستحصد المعارضة 59
مقعداً، ومعسكر نتنياهو 51، والنواب العرب 10 مقاعد، وهو ما يقضي بوجوب استعانة
المعارضة بالنواب العرب، رغم إعلان بينيت، ولابيد عن عدم استعانتهما بهم لتشكيل
حكومة جديدة؛ مع الإشارة إلى أنه سبق لهما الاستعانة بدعم القائمة العربية الموحدة،
برئاسة منصور عباس، لتشكيل حكومة عام 2021م، التي ما لبثت أن سقطت في العام
التالي.
النواب العرب كتلة لا يستهان بها
وبدورها، قامت
القناة العبرية «i24NEWS» بعمل استطلاع آخر، كشف أن حزب الليكود
الحاكم بزعامة نتنياهو، سيحصل على 33 مقعدًا، يليه مباشرة الحزب الجديد لبينيت-
ولابيد «معاً» مع 24 مقعداً، وفي المركز الثالث حزب شاس مع 11 مقعداً، وحزب يشار 8
مقاعد بقيادة آيزنكوت، وفي حال تحالف آيزنكوت مع حزب «معاً» ستحصل كتلتهما
الانتخابية على 30 مقعداً، ويسبقهما الليكود بـ33 مقعداً؛ ما يعني أن هناك ضرورة
لاستعانة التحالف الجديد بالنواب العرب الذي يبلغ عدد مقاعدهم في كل استطلاع للرأي
10 مقاعد، وهو عدد لا يستهان به في أي ائتلاف حكومي جديد.
برنامج الحزب الجديد
وهنا، كان
لزامًا على لابيد، وبينيت أن يعلنا عن برنامجهما في الحزب الجديد، الذي سيترأسه
بينيت، إذ يقوم بداية على وجوب تشكيل لجنة تحقيق حكومية في أحداث 7 أكتوبر 2023م «طوفان
الأقصى» التي أعلنت عنها حركة «حماس» واخترقت بها مستوطنات الغلاف، وإصدار قانون
الخدمة العسكرية أو قانون الحريديم الذي يعني التجنيد للجميع في الكيان الصهيوني،
سواء كان علمانياً أو متديناً، مع تحديد فترة ولاية رئيس الوزراء بـ8 سنوات فقط،
وأضافت عليهم «القناة 13» العبرية بنداً يتعلق بعدم تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب
العربية.
غير أن كل وسائل
الإعلام العبرية قد أجمعت على أن حزب «معاً» يعمل على حماية أراضي دولة «إسرائيل»،
ولن يتنازل عن شبر واحد للعدو، في إشارة إلى قطاع غزة ولبنان وسورية، مع تعزيز
يهودية الدولة، وهو ما لا يشير إلى تحول جذري في برنامج هذا الحزب، حيث يتبنى
الثنائي (لابيد، وبينيت) مواقف أمنية متشددة تتقاطع في أساسها مع فكر نتنياهو
المتطرف، لتثبيت الإستراتيجية الصهيونية العامة دون تغيير واضح، باستثناء كيفية
إدارة هذه الإستراتيجية؛ أي الاختلاف في التكتيك وليس في الإستراتيجية ذاتها.
«إسرائيل الكبرى» أم حل الدولتين؟
وحول القضية
الفلسطينية، فهناك حالة من الاختلاف بشأنها بين نتنياهو وكل من بينيت، ولابيد، حيث
يطرح بينيت فكرة إدارة الصراع مع الفلسطينيين من أجل تقليصه وتهميش دوره، بينما
يشدد نتنياهو على إلغاء الملف من الأساس وكأنه لا وجود لهم، في وقت يفتح الأخير
الباب أمام المستوطنين لاستكمال خطة «إسرائيل الكبرى» ويتيح لهم الانفلات بالأمن
لصالح زيادة رقعة البؤر الاستيطانية، بينما يتبنى لابيد معارضة هذا الانفلات بدعوى
الحفاظ على الأمن القومي «الإسرائيلي»، وصورة الكيان الصهيوني أمام المجتمع الدولي
من أجل استمرار بقائه على الأراضي الفلسطيني المحتلة.
ويميل لابيد نحو
حل الدولتين، لكنه كان يلوم نتنياهو، دومًا، لعدم تحقيقه نتيجة حاسمة بحق حركة «حماس»
في قطاع غزة، وهو الموقف الذي يتبناه أيضًا بينيت، كما أن كل استطلاعات الرأي
أظهرت أن غالبية «الإسرائيليين» يعارضون تأسيس دولة فلسطينية مستقلة في الضفة
الغربية المحتلة وغزة والقدس الشرقية.
ومن هنا، فإنه
رغم اعتبار تشكيل حزب جديد في «إسرائيل» تحت مسمى «معاً» بين لابيد، وبينيت،
واعتباره بمثابة انقلاب سياسي في الكيان الصهيوني، فمن غير المرجح أن يحدث بينيت،
ولابيد حال نجاحهما في تشكيل ائتلاف حكومي تحولاً كبيراً في السياسة تجاه
الفلسطينيين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً