روائع البيان في المراسلات النبوية (3)
بلاغة الاستيعاب في رسالة النبي ﷺ للمنذر ملك البحرين
بعد أن توقفنا
في الحلقتين السابقتين من هذه السلسلة المباركة مع خطاب الروح في «رسالة النبي صلى
الله عليه وسلم للنجاشي»، وخطاب الهيبة في «رسالته لهرقل»، نصل اليوم إلى محطة
مغايرة في سياقها، عميقة في دلالاتها؛ وهي رسالته صلى الله عليه وسلم إلى المنذر
بن ساوى العبدي، ملك البحرين.
هذه الرسالة
ليست مجرد دعوة ابتدائية، بل هي وثيقة إقرار وتوجيه جاءت ردًا على إعلان المنذر
إسلامه واستشكاله في كيفية التعامل مع التنوع الديني في أرضه. هنا، تتحول البلاغة
النبوية من المحاجة إلى التثبيت، ومن الإخبار إلى التشريع، في نصٍ يجمع بين جلال
النبوة وحكمة القائد.
جاء في كتاب «عيون
الأثر» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث برسالته إلى المنذر بن ساوى العبدي
ملك البحرين، مع العلاء الحضرمي بعد انصرافه من الحديبية، وجاء في كتابه إليه: «بسم
الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوي، سلام عليك! فإني أحمد
إليك الله الذي لا الله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده
ورسوله.
أما بعد..
فإني أذكرك الله
عز وجل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، فإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني،
ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا وإني قد شفعتك في قومك،
فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح
فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية».
الظرف التاريخي وبلاغة التوقيت
جاء عند الواقدي
أن هذه الرسالة كانت رداً على رسالة من المنذر يُعلم فيها النبي صلى الله عليه
وسلم بإسلامه ويستشيره في بعض أمور.
فقد ذكر الواقدي
بإسناد له عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته فإذا
فيه: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي،
وكتب إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب
المنذر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك
على أهل البحرين؛ فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ومنهم من كرهه، وبأرضي
مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمرك، فكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم بكتابه
السابق.
أسلم المنذر هذا
بكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحسن إسلامه، ومات قبل ردة أهل البحرين.
فالمنذر بن ساوى
كان يحكم إقليمًا حيويًا (البحرين الكبرى) التي كانت مسرحًا للتجاذبات بين الفرس
والعرب، وتضم خليطًا من المجوس واليهود والنصارى؛ لذا، جاء الخطاب النبوي ليرسي
قواعد المواطنة في الدولة الإسلامية الناشئة بأسلوب بليغ يجمع بين اللين والحزم.
بلاغة الاستهلال العَقَدي
بدأت الرسالة
بالبَسملة، ثم التعريف بالمُرسِل وبيان وظيفته البلاغية، بإضافته إلى رب العزة: «من
محمد رسول الله»، متبوعة بالسلام الذي خص به المنذر.
«فإني أحمد إليك
الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله»؛ نلاحظ
هنا استخدام أحمد إليك الله، وهو أسلوب بليغ في مشاركة الحمد، كأن النبي صلى الله
عليه وسلم يدعو المنذر لمشاركته في استشعار النعمة، ثم تأتي الشهادتان بصيغة الجمل
الاسمية المؤكدة بـ«أنّ»، لترسيخ العقيدة في قلب الملك الجديد، وتذكيره بأن محمدًا
صلى الله عليه وسلم رغم عظمته هو عبد لله ورسول له، وهي قمة التواضع البليغ التي
تقطع الطريق على تأليه العظماء الذي كان سائدًا في تلك العصور، خاصة في البيئة
التي كان يعيش فيها المنذر.
ثم ينتقل النص
إلى صلب التوجيه: «أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه»؛
استخدام فعل أُذكّرك بدلًا من أي فعل آخر فيه توجيه أو أمر أو نهي اختيار بلاغي
غاية في الدقة؛ فالتذكير يفترض وجود إيمان مسبق ويستنهض الوازع الداخلي للمخاطب.
ثم تأتي
النتيجة: «فإنما ينصح لنفسه»؛ وهو أسلوب قصر بـإنما يؤكد أن ثمرة الصلاح تعود على
الناصح أولًا (الذي هو هنا الحاكم)، وفي هذا استمالة ذكية لقلب المنذر، وتأكيد على
أن الرسالة الإسلامية ليس هدفها المغنم القريب الفاني بل النجاة الأبدية يوم
الخلود.
ترسيخ المرجعية بالتماثل في الطاعة
يقول صلى الله
عليه وسلم: «فإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي»؛ هنا
نجد التوازي التركيبي، وهو فن بديعي يربط بين طاعة الرسل (المبعوثين) وطاعة الرسول
صلى الله عليه وسلم، هذا الأسلوب يمنح الشرعية لعمال النبي صلى الله عليه وسلم
وبعثاته، ويقطع الطريق على أي محاولة لتهميش الرسل بدعوى التواصل المباشر مع
المركز (المدينة)، وفي الجملة الشرطية ومن نَصح لهم فقد نصح لي رفعٌ لقيمة النصيحة
كقيمة أخلاقية عليا في نظام الحكم الإسلامي.
ثم يلاحظ أنه
عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجانب الإجرائي، استخدم لغة تطمينية
بليغة: «إني قد شفعتك في قومك»؛ الشفاعة هنا تعني قبول وساطته وتثبيت وجاهته، وهي
تكريم للمنذر أمام رعيته.
وفي قوله صلى
الله عليه وسلم: «فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه»؛ قاعدة اقتصادية وتشريعية بليغة،
تؤكد استقرار الملكية الخاصة بمجرد الدخول في الإسلام؛ وهو ما يمنح الفرد الأمن
والطمأنينة على ماله وثروته، الذي قد يكون سبباً في تردد كثيرين في المواقف
الفاصلة.
وفي قوله صلى
الله عليه وسلم: «وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك»؛ هنا قمة بلاغة التحفيز؛ إذ
استخدم مهما الشرطية فربط البقاء في السلطة بالصلاح، وهو تعاقد سياسي بليغ بكلمات
معدودة.
وقد ختم النبي صلى
الله عليه وسلم رسالته بقاعدة دستورية للمجتمع المتعدد: «ومن أقام على يهودية أو
مجوسية فعليه الجزية».
اللفظ أقام يوحي
بالاختيار والحرية؛ فلا إكراه في الدين، ولم يقل من كفر، بل استخدم أقام على
يهودية، وهو تعبير موضوعي يصف الحالة الدينية دون تجريح؛ لينتهي ببيان الالتزام
المالي (الجزية) مقابل الحماية والمواطنة، في إيجاز معجز ينهي حيرة المنذر التي
ذكرها في رسالته السابقة للنبي صلى الله عليه وسلم.
من سمات الأسلوب النبوي في الرسالة
تتجلى في هذه
الرسالة عدة خصائص لسانية وبلاغية ميزت كلام النبوة، من أهمها:
1- الجمل
القصيرة الحاسمة: التي لا تحتمل التأويل، لتناسب طبيعة المراسلات السلطانية
والتشريعية.
2- المزاوجة بين
الترغيب والترهيب الخفي: الترغيب في «لن نعزلك»، والترهيب الضمني في «أذكرك الله».
3- الإيقاع
المتزن: الذي يمنح النص هيبةً وجلالًا، ويجعل من يسمعه يشعر بصدق المصدر وعظمة
الرسالة.
لقد كانت رسالة
المنذر بن ساوى دليلًا على أن الإسلام لم يأتِ لهدم الكيانات السياسية المستقرة،
بل جاء لإصلاحها وتوجيهها نحو العدل، بلسانٍ عربي مبين، يطاوع القلوب ويقود
العقول.
اقرأ في هذه السلسلة:
- رسالة النبي للنجاشي.. حينما
تحاور البلاغةُ القلوبَ قبل العقول
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً