روح البلاغة ورحيق الفصاحة (1)
بوابة الرضوان في مقاصد علوم البيان
الحمد لله الذي
جعل البلاغة للعقول ضياء، وللقلوب شفاء، والصلاة والسلام على من أُوتيَ جوامع
الكلم نبينا محمد خير الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
هذا المقال هو
مفتتح سلسلة جديدة بعنوان "روح البلاغة ورحيق الفصاحة"، نضعها بين
أيديكم في حلقات متتابعة، وهي ليست مجرد جمع للقواعد؛ بل هي بمثابة روح وريحان،
روح ورحيق، نختصر بها المسافات إلى علوم البلاغة الثلاثة، أردت أن تكون مرآة
لمقاصد مائة تبتغي وجه الله في فهم أسرار كتابه العزيز.
نور الوحي في مشكاة البيان
إنني هنا أسير
بنور الوحي، وأقتبس من مشكاة النبوة ما ينير لنا دروب البيان، ويفتح لنا مغاليق
الأذهان؛ فاعلم -أيها القارئ النابه- أن كل حرف هنا هو لبنة في صرح التقرب إلى
الله؛ فالبلاغة عندي هي وسيلة المؤمن لإدراك لطائف الوحيين ونفائس اللسان العربي
المبين، ولقد حرصت على أن أمزج فيها بين عذوبة اللفظ ونبل المقصد الأسمى.
معراج الذوق وسمو الأشواق
تأمل معي كيف
تتحول الصورة البيانية إلى معراج روحي، وكيف يغدو العلم خشية ونورا؛ حيث إن طريقي
هنا هو طريق الأصالة؛ حيث أنهل من التراث الصافي؛ لأبني فكرا بكرا، يبتعد عن
التكرار المملول، فنحن في بداية غيث هطال، يروي الظمأ، ويصلح البال.
أيها القارئ
النابه، استعد لتغوص في بحار المعاني، وتقطف ثمار البيان، وتجني شهد البديع في
رحلة تقودك إلى محبة الرحمن.
نور الهداية في مقاصد روح البلاغة ورحيق الفصاحة
الرباط القدسي بين العقيدة واللغة:
إن الحكمة من
وراء تلكم السلسلة تكمن في ربط الفصاحة والبلاغة بالعقيدة، والبيان بالإيمان؛ فليس
الغرض أن تصير بليغا لسانا فحسب، بل أن تكون بليغا جنانا، ومخلصا كيانا. لقد بنيت
تلكم السلسلة على مائة مقصد بلاغي شرعي استنبطتها؛ لتكون دستورا لكل من يروم الفهم
الدقيق.
فلسفة القصد في فنون القول:
اعلم -يا رعاك
الله - أن تعلمك القصر أو الإيجاز أو الإطناب هو في حقيقته تعرف على مواقع العظمة
في كلام مَنْ أنزل القرآن؛ فإننا هنا نجدد معًا العهد مع لغة الضاد، لا لأجل
المباهاة ورئاء العباد، بل لإحياء روح التدبر في كل ناد؛ فالمقاصد المائة التي
ستراها تباعا هي حبل الوصل بين القاعدة البلاغية والثمرة التربوية المرجوة.
صفاء المنهج وجلاء المحجة:
أيها القارئ
العزيز، كن على يقين أن هذا الرحيق الصافي سيمنحك فهما دقيقا، وينير لك في ليل
الجهل طريقا طريفا؛ فإن كل صفحة من هذه الروح هي دعوة إلى الصفاء، وخطوة نحو
الارتقاء في معارج الذوق العربي الرفيع. لقد حرصت على انتقاء كل حرف، وتنقية كل
وصف؛ ليكون المصنف خالصا لوجه الله –جل في علاه- وخادما لدينه الحنيف.
الابتكار المقصدي في الفكر العريني
اعلم -أيها
الموفق– أن هذه المئوية المقاصدية منهج رباني في روح البلاغة، واعلم أن هذه
السلسلة ليست جمعا للمعلومات، بل هي فتح للبركات؛ حيث أعالج فيها علوم البلاغة
الثلاثة من خلال "المئوية المقصدية" التي هي ابتكار رباني منحنيه الوهاب
–تقدست أسماؤه- فإنني هنا أربط كل قاعدة بلاغية بمقصد شرعي أصيل.
تجليات الربانية في صياغة البلاغي
أيها القارئ
العزيز، إن هذه المئوية هي التي تجعل من درسك المعاني والبيان والبديع جسرا نحو
محبة الله ورسوله.. إنه مصنف رباني يهدف إلى صياغة طالب بلاغي وصناعة ناطق رباني
يعبد الله على بصيرة بيانية، ويدرك أن الفصاحة أمانة، وأن البيان مسؤولية جسيمة؛
ومن ثم فإنك ستجد في كل مقصد نورا يتلألأ.
الخلوص إلى القرآن وسُنة النبي العدنان
لقد مزجت العلم
بالعمل، والنظرية بالأمل؛ ليكون هذا المنجز حجة لك لا عليك يوم الدين؛ فتأمل هذه
المقاصد بقلبك قبل عينك، واجعلها نبراسا يضيء لك ما بين يديك؛ إذ إن الربانية التي
أنشدها هي أن نكون علماء حلماء، نفهم لغة الوحيين؛ لنبلغ رسالة الحق بأبهى صورة
وأنقى معنى رباني.
منهجية السلسلة وخطة السير
أيها القارئ
العزيز، إليك هذا التفصيل الذي يجعل المقدمة خريطة جلية، ومرآة للجهد المبذول
صفية.
أستعرض لك معالم
هذه الرحلة البيانية التي انتظمت في 100 مقصد، وزعت على 10 مجموعات جامعة دقيقة،
تم بناؤها على النسق الآتي:
أولا: علم
المعاني (4 مجموعات بمجموع 40 مقصداً).
وقد فصلت؛ لتكون
كل مجموعة بابا لفهم النظم:
المجموعة
الأولى: أسرار الإسناد وخبايا الإنشاء؛ حيث أحوال المسند والمسند إليه، وأغراض
الخبر، وأنواع الإنشاء الطلبي.
المجموعة
الثانية: لطائف التقديم والتأخير وبراعة القصر؛ في بيان حصر المعاني وتخصيصها
بأدوات الحصر المختلفة.
المجموعة
الثالثة: فن الوصل والفصل؛ لمعرفة مواقع العطف والاستئناف، وهو ملاك البلاغة،
والمعيار الذي يقاس به حذق البليغ.
المجموعة
الرابعة: جماليات الإيجاز والإطناب والمساواة؛ في الموازنة بين اللفظ والمعنى حسب
حال المخاطب؛ بما يلبي حاجة المقام، ويحقق الإفادة.
ثانياً: علم
البيان (3 مجموعات بمجموع 30 مقصداً).
تناولت طرق
التعبير عن المعنى الواحد بأساليب شتى:
المجموعة
الخامسة: سحر التشبيه وألوانه؛ من المرسل إلى البليغ، والغوص في صوره المفردة
والتمثيلية والضمنية.
المجموعة
السادسة: فنون المجاز والاستعارة؛ حيث الانتقال من الحقيقة إلى خيال ينطق بالصدق
في فضاء المجاز العقلي والمرسل والاستعارات بأنواعها.
المجموعة
السابعة: مكنونات الكناية وتعريض البليغ؛ في صياغة المعاني بلطافة الإيماء
والإشارة وقوة الدلالة؛ كناية عن صفة أو موصوف أو نسبة.
ثالثاً: علم
البديع (3 مجموعات بمجموع 30 مقصداً).
ختم بها المنجز؛
لتكون حلية للكلام وتجديدا للنشاط:
المجموعة
الثامنة: المحسنات المعنوية، وقد حوت عشرة مقاصد، منها: التورية -ملكة الإيهام
ولطافة القصد- والطباق، والمقابلة، ومراعاة النظير، وحسن التعليل، وتأكيد المدح
بما يشبه الذم، وتأكيد الذم بما يشبه المدح.
المجموعة
التاسعة: المحسنات اللفظية، وحوت عشرة مقاصد منها: الجناس، والسجع، والموازنة،
والتوشيح، لتحقيق الجرس النغمي.
المجموعة
العاشرة: لطائف الصنعة وخواتيم البيان؛ وبدأت بأسلوب الحكيم، ثم الالتفات والتلميح
والاقتباس، وصولا إلى براعة الاستهلال وحسن الختام.
منهج التصنيف
لقد اتبعت منهجا
خاصا؛ لأجعل منه عقدا منظوما، يشد بعضه بعضا؛ إذ جاء عملي فيه منصبا على التتمة
الإبداعية لكل مقصد منسوقا على النحو الآتي:
1- عنوان
المقصد.
2- التعريف.
3- الشواهد.
4- اللمحة
التربوية في الشاهد.
والاستشهاد على
النحو الآتي:
الشاهد الأول:
الشاهد القرآني.
الشاهد الثاني:
حديث نبوي صحيح من جوامع الكلم.
الشاهد الثالث:
(بيت شعر رصين).
أما اللمحة
التربوية فهي شرح بلاغي للشاهد القرآني والحديثي والشعري تمتزج فيه المكونات
التربوية بجمال العبارة. تلك خطة جامعة مانعة؛ فلتكن -أيها القارئ النابه- هذه
الصفحات نبراسا تسير به نحو فهم أعمق لآيِ النظم الحكيم، وفقه أرسخ لسنة النبي
الكريم -صلى الله عليه، وسلم– وتذوق أسمى للسان العربي المستقيم؛ حيث لا يقصد
البليغ إلا نحو القمة، ولا يرنو إلا إلى مقام الإحسان في البيان، مستمدا من مشكاة
الوحي نورا يهديه إلى سواء السبيل؛ فما كان هذا الجهد إلا ليكون للعقل خير نديم،
وللروح صراطا إلى ذوق مستقيم.
فأبشر -أيها
القارئ الكريم- بما تحصله من هذه السلسلة على وجازتها من بيان فخيم، وأدب جم كريم؛
فقد أرسيت فيها للبلاغة منهجًا قويمًا، وجعلت من معانيها ظلا ظليلا، ولبيانها
وبديعها مقاما كريما؛ فالزم هذا المسار العظيم؛ لتبقى دوما في جوار الفضل العميم،
مستنيرًا بنور الوحي القويم، متحليًا بخلق النبي الحليم الرحيم.
وترقَّب في الحلقات القادمة التفصيل لما أجملته، والتبيين لما قصدته.
اقرأ أيضاً:
- بين
البلاغة والفصاحة.. جدل الائتلاف والاختلاف
- سادن
العربية ومجمع البحرين.. قراءة في فكر د. سعد مصلوح ومنهجه البلاغي
- رسالة
النبي للنجاشي.. حينما تحاور البلاغةُ القلوبَ قبل العقول
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً