بين التبذير والتدبير.. كيف صنع القرآن ثقافة حفظ النعمة؟
من عظمة القرآن
الكريم وروعة بيانه أنه لا يقتصر على النهي عن الرذائل، بل يحرص على بناء الإنسان
بناءً متكاملًا؛ فهو يعالج الدوافع النفسية قبل أن تظهر في السلوك، ويؤصّل المبادئ
قبل تشريع الأحكام، ويغرس منظومة القيم راسخةً قبل وضع الحدود.
ومن أروع
التطبيقات على هذا المنهج ما ورد في سورة الإسراء حين تطرق السياق القرآني إلى
إدارة المال؛ إذ لم يقف الأمر عند حدود التحذير من التبذير، بل امتد ليرسم خارطة
طريق متكاملة تنظم العلاقة بالمال من جذورها. يبدأ المنهج بتقرير الحقوق وأدائها،
مرورًا بالتحذير من إهدار الثروات، ثم إرساء الميزان الدقيق بين الإمساك والإسراف،
وصولًا إلى طمأنة النفوس بأن الرزق بيد خالقه، ليختتم السياق بالنهي عن أفظع جرائم
الخوف من الفقر (قتل الأولاد). وكأن القرآن يقرر حقيقة عميقة: إن أي اضطراب أو خلل
في نظرة الإنسان للمال قد يقوده تدريجيًا إلى أعظم الجرائم والانحرافات.
يقول تعالى في
معرض الحديث عن بعض التوجيهات والآداب الاجتماعية التي تمثل ركائز الاستقرار في
المجتمع وفي مقدمته الإحسان إلى الوالدين: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ
السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ
إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) وَإِمَّا
تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ
قَوْلاً مَّيْسُوراً (28) وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ
تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً (29) إِنَّ رَبَّكَ
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً
بَصِيراً) (الإسراء).
إن المتأمل في
هذه الآيات الكريمة يدرك أننا أمام سياق محكم السبك، تتناغم آياته وتتسلل بيسر إلى
عمق النفس لتصنع ثقافة قرآنية راقية؛ ثقافة تتعامل مع المال باعتباره نعمة تُستشعر
وتُشكر، لا أداة للتفاخر والتطاول، ولا مصدرًا للقلق والهلع المرضي من المستقبل.
وهو ما سنحاول توضيحه في السطور التالية..
إعطاء الحقوق.. التمهيد العملي قبل النهي
من ألطف دقائق
النظم القرآني أن النهي المباشر عن التبذير لم يأتِ جزافًا أو ابتداءً، بل سُبق
فورًا بالأمر بإيتاء الحقوق لأهلها (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ
وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)؛ فالثروة والأموال لا تُحفظ أبدًا
بمنع الناس حقوقهم أو تقطير العطاء، بل تُصان بوضعها الصحيح في مواضعها المشروعة.
فالإنفاق على
الوالدين، وذوي القربى، والمحتاجين، وأبناء السبيل.. لا يعد تبذيرًا مهما تضاعفت
أرقامه، في المقابل قد يتحول إنفاق مبالغ يسيرة في غير وجه حق إلى تبذير مذموم.
هنا يصحح القرآن مفاهيم شائعة تختلط على الكثيرين؛ فليست كل زيادة في الإنفاق
إسرافًا، وليست كل سياسة إمساك تعتبر اقتصادًا عاقلًا.
المعيار الحقيقي
والدقيق يكمن في سؤل جوهري: هل وُضع هذا المال حيث أراد الله أم ضاع في غير موضعه؟
من هنا بدأ القرآن بإثبات الحقوق أولًا، ثم نهى عن إضاعتها في غير طريقتها.
ثم لم يكتفِ
التوجيه الإلهي بقوله: "ولا تُبذِّر" بل جاء بعبارة (وَلَا تُبَذِّرْ
تَبْذِيرًا). وهذا الأسلوب البليغ يعتمد على توكيد الفعل بمصدره (المفعول المطلق)؛
فالقرآن لا يستهدف مجرد النهي عن صورة عابرة أو نمط محدد من أنماط الإنفاق الخاطئ،
بل يسعى لاستئصال هذه الآفة من جذورها النفسية والسلوكية.
المصدر هنا يصور
التبذير وكأنه كائن حي مستقل، له هيبة وحضور طاغٍ؛ وهو ما يجعل النهي شاملاً لكل
تفاصيله، دقيقها وجليلها.
ولم يُستخدم لفظ
الإسراف هنا؛ لأن الدلالة اللغوية تفرض فروقًا دقيقة؛ فالإسراف يعني مجاوزة الحد
وقد يقع في أمر مباح أصلاً إن غاب الاعتدال، أما التبذير فأصله اللغوي مأخوذ من
"بذر الحب في الأرض" أي نثره وتفريقه بلا رعاية، ثم استُعمل مجازًا في
تفريق الأموال وإهداره بلا حكمة. هذه الصورة الحسية ترسم في ذهن المتدبر صورة
المال وهو يتطاير من بين يدي صاحبه كالحبوب المنثورة في مهب الريح، بلا طائل ولا
فائدة تعود عليه.
إخوة الشياطين.. الدلالة النفسية والاجتماعية
تأتي المفاجأة
البيانية الكبرى في هذا الوصف الصادم الذي يربط المبذرين بالشياطين بلفظ الأخوة في
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، ولم تقل
الآية "مثل الشياطين" أو "أولياء الشياطين"، بل اختارت كلمة
إخوة؛ لأن الأخوة لغةً تعني عمق الاتصال والاشتراك الجذري في الطباع والصفات.
كأن المبذر
والشيطان يجمعهما نسب معنوي واحد؛ عنوانه العريض كفران النعمة، وإهدار ما استخلف
الله الإنسان فيه من أمانات. وما يزيد المعنى عمقًا استخدام الفعل المضارع أو اسم
الفاعل بصيغة الدلالة على الثبوت والدوام: (كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)؛
ففعل "كان" يشير إلى تمكن الصفة ورسوخها حتى غدت هوية وطبيعة لازمة،
وليست مجرد سقطة عابرة.
والرابط الخفي
هنا بين الشيطان والمبذر ليس مجرد ضياع المال، بل هو كفران النعمة؛ فالشيطان كفر
بأعظم النعم (الهداية والقرب)، والمبذر يكفر بنعمة المال حين يبدده ويحتقره. وبذلك
يكشف القرآن عن حقيقة هذا السلوك باعتباره مرضًا قلبيًا وخللاً في الإدراك والشكر.
أدب الاعتذار حين يعجز المال
قد يبرر الإنسان
لنفسه جفاء السائل أو إغلاظ القول له بسبب ضيق ذات اليد، لكن التربية القرآنية
تمتد لتهذب اللسان واليد معًا: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ
رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا)، في هذا
التعبير لطيفة تصوّر الغني والفقير يقفان في خندق واحد منتظرين فضل الله ورحمته؛
فهذا يسأل الناس، وذاك ينتظر أن يفتح الله عليه ليعطي. وجاء الأمر الإلهي بليغًا: (فقل
لهم قولًا ميسورًا)؛ أي سهلاً ولطيفًا، يفتح أبواب الأمل ولا يوصدها، ويجبر خاطر
المحتاج ولو عجزت اليد عن إعانته ماديًا. إن الكلمة الطيبة تصبح صدقة ناطقة حين
يعجز المال عن العطاء.
ميزان الاعتدال بين اليد المغلولة واليد المبسوطة
في قوله تعالى: (وَلَا
تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ
فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) استعارة تمثيلية عبقرية ترسم أخلاق النفوس بصورة
حسية مذهلة؛ فالبخيل مُصوَّر وكأن يده مقيدة بسلاسل إلى عنقه، لا تمتد لخير ولا تصل
لمحتاج، في صورة جامدة توحي بالشلل والانقباض. وفي المقابل، لم ينهَ القرآن عن
البسط مطلقًا فالكرم محمود، بل نهى عن استغراق البسط بقوله: (وَلَا تَبْسُطْهَا
كُلَّ الْبَسْطِ)؛ فكلمة "كُلَّ" هنا هي حجر الأساس في ضبط ميزان
الاعتدال؛ إذ تثبت أن الخلل ليس في أصل العطاء، بل في تجاوز الحدود وفقدان
الميزان. وبذلك يرفض المنهج القرآني التطرف بطرفيه: الإمساك المقيت أو الإسراف
المدمر.
كما تكشف الآية
الكريمة عن العواقب الوخيمة للإسراف والتبذير بحرف الفاء الذي يفيد التعقيب
السريع، وبالوصفين المتوقعين من ورائه:
ملومًا: أي
يلومه المجتمع على سوء تدبيره، وربما لام نفسه حين لا ينفع الندم.
محسورًا: أي
منقطع القوى، خاوي اليدين، قد استنفد طاقته وثروته فلم يبقَ له مال ولا قدرة على
تلبية أدنى متطلباته، وكأن الحسرة قد جردته من كل سترة.
الرزق بيد الله.. العلاج النفسي الشامل
ويأتي قوله
تعالى (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ
بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) ليوضح أن الاعتدال المالي ليس مجرد مهارة حسابية
أو تقشف بشري، بل هو ثمرة يقين قلبي راسخ. والآية تلفت الأنظار إلى أن البسط
والتقدير (السعة والضيق) كلاهما بيد الله وحده، فلا المبذر يستجلب الرزق بكثرة
إهداره، ولا البخيل يحفظه بشدة إمساكه.
إننا حين نتأمل
هذا السياق القرآني المتكامل، ندرك تمامًا أن الإسلام لم يرد حرمان الإنسان من
ملذات الحياة أو تقييد إنفاقه، بل أراد تربيته على احترام النعمة وصونها. فالمال
أمانة استخلفنا الله فيها، وصلاح العبد يقاس بحسن إدارته لها.
وفي عصرنا
الحالي الذي تعصف به ثقافة الاستهلاك المفرط والتفاخر بالمظاهر الفارغة، تبرز هذه
التوجيهات القرآنية كضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى؛ فهي تذكرنا بأن حفظ النعمة
عبادة، وأن الاقتصاد الرشيد ليس بخلًا، وأن الكرم الحقيقي ليس تبذيرًا، وأن أسعد
الناس هو من أدى الحقوق، وتوسط في الإنفاق، وشكر المنعم على ما أعطى وأولى.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً