بين الرفق والخير.. لمحات من البلاغة النبوية

بين الرفق والخير.. لمحات من البلاغة النبوية

الرِّفق من القيم الأخلاقية التي شكّلت أساسًا في بناء المجتمع الإسلامي فقد وصف الله حال المؤمنين فيما بينهم بأنهم (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (المائدة: 54)، أي متواضعون رُفقاء وينتج عن ذلك قلة النزاعات، وظهور روح التسامح واللِّينُ، وهو من أعظم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وحثّ رسولنا الكريم أمته عليها، ذلك الخلق الذي يفتح بابا واسعا من أبواب الخير، ويؤلف بين القلوب ويترك أثرا جميلا في النفوس، وبِه يُدرِكُ الإنسانُ ما لا يُدرِكُه بالشِّدَّةِ.

وقد لخَّص النبي صلى الله عليه وسلم مكانة الرفق وأثره العظيم في قوله: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ» (خرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح) (4/367).

(ر ف ق)، تدور في المعجم حول اللين، واليسر، والسهولة، وهو ضد العنف والشدة والخرق. ومعنى الرفق في الاصطلاح: لينُ الجانب في القول واللطف في الفعل، وحُسنُ التصرف، والأخذ بالأسهل في الأمور ما لم يُفْضِ إلى التفريط.

جماليات التراكيب وبلاغة الإيجاز

هذا الحديث مثال تطبيقي على أسلوب الشرط في اللغة العربية، ويتكون من جملتين متماثلتين:

جملة شرطية كبرى: "مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ"، والثانية: "وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ"، واستخدام أداة الشرط (مَنْ) أفاد العموم والشمول.

(حَظَّهُ): مضاف إلى الضمير لتفيد الخصوصية؛ أي النصيب المكتوب والمقسوم لكل إنسان بعينه.

(الرفق / الخير): معرّفان بـ (أل) الاستغراقية التي تفيد الشمول، أي أن الرّفيق ينال أنواعًا كثيرة من الخير في الدنيا والآخرة، فكل من اتصف بالرفق واللين نال نصيبه من الخير.

(فَقَدْ أُعْطِيَ) (فقَدْ حُرِمَ): النتيجة في جملتين مقترنتين بـ(قَدْ) مع الفعل الماضي، وهو ما يفيد التحقيق والتأكيد، أي أن حصول الخير أو حرمانه واقع لا محالة، مما يزيل أي شك في أثر الرفق.

(أُعْطِيَ، حُرِمَ): فِعلان ماضيان مَبنيان لِمَا لم يُسمَّ فاعله (المبني للمجهول). وحُذف الفاعل هنا للعلم به، وهو الله عز وجل؛ فالواهب والمانع حقيقة هو الله، وهو ما يضفي مهابة على المعنى.

قمة البلاغة النبوية

يُمثّل هذا الحديث النبوي الشريف قمة البلاغة النبوية في التقسيم والترتيب المنطقي والإيجاز؛ إذ اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم على بناء تركيبي متوازن يُبرز مكانة الرفق كأصل لكل نفع وعاقبة، ومن مظاهره:

1- الإيجاز بحذف الفاعل للتعظيم وللعلم به وهو الله سبحانه وتعالى (أُعْطِيَ، حُرِمَ).

2- الحديث مبني على المقابلة التي تبرز المعنى وتوضحه بين جملتين؛ الأولى: (مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ) والثانية: (وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ)، وبين الجملتين تطابق في الوزن وعدد الكلمات واختلاف في الاتجاه المعنوي (الإيجاب والسلب)، وهذا التوازن الدقيق يمنح النص قوة تأثيرية وإقناعاً عقلياً بحيث يخرج السامع بنتيجة واضحة وهي: الرفق هو مفتاح كل خير، وبدونه يُغلق باب الخير.

3- الاستعارة المكنية التي تحول الأمور المعنوية إلى أشياء محسوسة تُدركها النفوس (حظّه) حيث شَبَّه النَّبي صلى الله عليه وسلم "الرفق" و"الخير" بأشياء مادية ملموسة تُقسّم وتُوزّع كحصص وأموال.

4- التكرار اللفظي لبعض الكلمات (حظه، الرفق، الخير) وهو يعمل على تثبيت الفكرة في ذهن السامع، ويسهم في الإيقاع الموسيقي للنص؛ وهو ما يسهّل حفظه.

تجليات الرفق في واقعنا المعاصر

إن تعزيز ثقافة الرِّفق اليوم يُعدّ ضرورةً، والمجتمع أحوج ما يكون إلى إحياء هذا الخلق النبوي الأصيل ليحدث التوازن بين التقدّم المادي والقيم الإنسانية، ويسود الاحترام وتنتشر الرحمة بين الناس، ويظهر أثر الرِّفق إذا دخل في حياتنا (البيوت)؛ فهو بزرع الطمأنينة بين الزوجين ويُنشئ الأبناء على الثقة والرحمة، وإذا دخل في (أماكن العمل والإدارة): حقق النجاح والاستقرار؛ لأن القائد الرَّفيق يكسب القلوب ويُحقق النجاح بأقل التكاليف، وإذا دخل في (الدعوة) فتح القلوب، ولين الجانب وحسن المعاملة من أسباب اجتماع الناس حول القائد والداعية والمربي، بينما تؤدي القسوة والغلظة إلى النفور والتفرق.

وفي الختام: الرِّفق ليس ضعفًا، وليس مجرد أسلوب في التعامل بل هو قوة حضارية تُعيد للإنسان إنسانيته، وتفتح له أبواب الخير في الدنيا والآخرة، وهو أيضا منهج إسلامي أصيل وقاعدة تربوية وإنسانية عظيمة؛ فحيثما وُجد الرفق وُجد الخير، ومن حُرم الرِّفق، فقد حُرم أعظم أسباب النجاح والبركة.

فليكن الرفق شعارنا في أقوالنا وأعمالنا وكل أمورنا، اقتداءً برسولنا الكريم الذي قال: «ما كان الرِّفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة