تجديد الخطاب الديني.. رؤية نقدية وتحليلية
نسمع بين الفينة والأخرى أصواتًا نشازًا
تطالب بتجديد الخطاب الديني، وهذا أمر لا خلاف عليه؛ ولكن ينبغي أن نُفرِّق بين
دعوة التجديد عندما تأتي من أهلها، ودعوة التجديد عندما تأتي من أدعيائها.
قال أبو بكر بن مالك: حدثنا عبد الله بن
أحمد بن حنبل، قال: أخبرت عن ابن السماك، قال: قال ذر لأبيه عمر بن ذر: ما بال
المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمت يا أبتِ سمعت البكاء من ها هنا وها
هنا؟ فقال: يا بني، ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى(1).
مما لا شك فيه أن تجديد الخطاب الديني
أصبح ضرورة ماسة تحتاج إليه الأمة في كل حقبة من الزمان؛ لِما للزمان وتقادمه من
أثر في البعد عن نصوص الوحي، فهماً وتنزيلاً، فالوحي كان سبباً في عزة الإسلام
والمسلمين، والبعد عنه والأخذ بما علق به من شوائب بمرور الزمن؛ سبب في التخلف
الذي تعيشه الأمة في وقتنا الحاضر.
ومن أهم ما يجب الالتفات إليه عند الحديث
عن «تجديد الخطاب الديني» التجديد بمفهومه الصحيح الذي بشر به الرسول صلى الله
عليه وسلم، سيما أن التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية الآن عظيمة الأثر، سواء
كانت التحديات على مستوى الفرد أم على مستوى الأمة.
التحديات تجعل من الضروري تجديد الخطاب الديني
وتأتي أهمية الحديث عن تجديد الخطاب
الديني مما يلي:
1- مواكبة تطورات العصر: حيث إن العالم
يشهد تغييرات متسارعة في جميع المجالات، من العلم والتكنولوجيا إلى القيم
الاجتماعية والثقافية، وتجديد الخطاب الديني يساعد على جعل الدين أكثر قدرة على
التفاعل الإيجابي مع هذه التحولات.
2- مواجهة المفاهيم الخاطئة: فبعض
الجماعات المتشددة لديها مفاهيم خاطئة نتجت عن قراءة كتب التراث مع عدم القدرة على
التفرقة بين ما هو نص ثابت في القرآن والسُّنَّة، وما هو رأي يحتمل الخطأ والصواب!
3- تعزيز التعايش السلمي: الخطاب الديني
المتجدد يشجع على قبول الآخر واحترام التنوع الديني والثقافي؛ ما يعزز السلم
الاجتماعي ويقلل من النزاعات والصراعات.
4- تحقيق مقاصد الشريعة: حيث إن مقاصد الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال مجتمع بشري، ومن ثم نحتاج إلى
تجديد وتطوير الخطاب الديني حتى نستطيع أن نؤثر في بنية هذا المجتمع.
5- تجاوز الجمود الفكري: حيث إن جمود
الخطاب الديني يؤدي إلى انفصال الدعوة الإسلامية عن الواقع، ويفقدها تأثيرها في
حياة الناس، وفي القلب منهم الشباب.
تحرير المصطلح
التجديد لغة: نقيض الخَلَق، والخَلَق:
القديم البالي، فالجديد خلاف القديم، وجدد الشيء يجدده: صيره جديداً؛ أي جعله
جديداً، أي حوَّل القديم فجعله جديداً(2).
فالتجديد على ذلك: هو جعل القديم جديداً،
ورده إلى ما كان عليه أول أمره؛ فالتجديد يبعث في الذهن تصوراً تجتمع فيه ثلاثة معانٍ
متصلة:
- أن الشيء المجدد قد كان في أول الأمر
موجوداً وقائماً وللناس به عهد.
- أن هذا الشيء أتت عليه الأيام فأصابه
البلى وصار قديماً.
- أن هذا الشيء قد أعيد إلى مثل الحالة
التي كان عليها قبل أن يَبْلى.
وقد استخدم القرآن الكريم كلمة «التجديد»
في الحديث عن البعث بعد الموت، وكيف أن الكفار يستبعدون أن يبعثهم الله تعالى
خلقاً جديداً، فقال تعالى: (وَقَالُوا
أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء
رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) (السجدة: 10).
والشيء إذا مرت عليه أحوال حتى صار
قديماً فإنما يأتيه التغيير والاختلاف من أحد ثلاثة أوجه:
1– إما أن يُطمس بعض معالمه، حتى لا تتضح
لمن ينظر فيها.
2– وإما أن يُقتطع منه شيء؛ فتنقص بذلك
مكوناته.
3– وإما أن يُضاف إليه ويزاد فيه، حتى
تختلف صورته.
والتجديد في تلك الأحوال يكون بإظهار ما
طُمس، وإعادة ما نُزع ونقص، وإزالة ما أضيف وأُلحق به.
فالتجديد على ذلك يكون بالعودة للمنابع
والأصول عودة كاملة صافية، ودعوة للثبات على الحق، وترك التقليد الفاسد القائم على
الاتباع والمحاكاة على غير بصيرة، ومن هنا يتبين لنا أن التجديد عملية إصلاحية
محافظة، وليس عملية تخريبية متفلتة، وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الدين
محفوظ من التغيير والتبديل؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث إلى هذا
الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه
الألباني).
وقد ذكر أهل العلم في بيان المراد
بالتجديد عدة أقوال متقاربة المعاني، تدور حول تعليم الناس دينهم، ومنه، تعليم
الناس السُّنَّن، ونفي الكذب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار كل سُنَّة
وإماتة كل بدعة، وإحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسُّنة والأمر بمقتضاهما،
والعمل على نشر الفهم الشامل للإسلام والعمل به، وكل هذه الأقوال تدور حول معنى
حفظ الدين على النحو الذي بلَّغه الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء كان من حيث حفظ
اللفظ أو حفظ المعنى أو حفظ العمل.
التجديد المشروع
وعلى ذلك، فالتجديد المشروع إعادة الدين
إلى النحو الذي كان عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإعادة الناس إليه على
النحو الذي مضى عليه أهل القرون الثلاثة المفضلة، فيُنفى عنه تحريف الغالين
وانتحال المبطلين وغلو المتنطعين وتفلت الفاسقين، ويعود الناس إليه بالقبول
والتلقي والانقياد والتسليم، والتصديق، والاتباع، والتوقير.
ضوابط التجديد المشروع
إن كل بناء يؤسس على غير أصول صحيحة أو
من غير ضوابط واضحة فهو بناء منهار في نهاية أمره، وإن تطاول إلى عنان السماء،
والتجديد من الأمور التي لا يمكن أن تتم بغير ضوابط صحيحة وواضحة، وإلا كان
تخريباً ولم يكن تجديداً، وبالنظر إلى أن الهدف من التجديد هو نقل الدين من قرن
إلى قرن، ومن جيل إلى جيل، وهو محاط بالحفظ والصيانة؛ بحيث لا يُزاد فيه ولا يُنقص
منه، ولا يُحال بينه وبين قيادة الحياة الدنيا وتوجيهها، التي جاء لإصلاحها لتكون
معبراً آمناً للحياة الآخرة، فإنه يمكننا أن نذكر عدة ضوابط لتحقيق هذا الهدف على
النحو التالي:
أولاً: صفات المجدد:
من أراد التجديد في الخطاب الديني، ينبغي
أن يتصف بالصفات التالية:
1– أن يكون من أهل الدين المؤمنين به على
النحو الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
2– أن يكون من المتفقهين فيه المتمسكين
به في أقوالهم وأفعالهم، لا يظهر منه تهاون فيه أو خروج عليه أو تساهل وتفريط فيما
دل عليه.
3– أن يكون خبيراً بواقع الأمة عارفاً
بعللها، وأن يكون محيطاً بالأحوال العالمية التي حوله التي لها علاقة بأمته؛ حتى
لا يتحرك في فراغ.
وهذه الأوصاف لا شك أنها تُخرج
العلمانيين والزنادقة والملاحدة والمبتدعة والأدعياء الذين يريدون تسلق هذه القمة
العالية (التي لا يرقاها إلا أفاضل العلماء) بغير عدة ولا استعداد؛ ويخرج من ذلك
أهل البدع؛ إذ كيف يجددون الدين وهم يسارعون في خرابه؟ وكيف يحيون السُّنة وهم
عاملون على إماتتها؟ وكيف يمحون البدع وهم جادون في نشرها وترويجها؟!
ثانياً: بيان الكتاب والسُّنة:
القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة
فيهما بيان كل شيء، فإذا انطلق التجديد من هذا الضابط كان التجديد من داخل الشريعة
محكوماً بها، قال تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي
الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ
وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء: 59).
ثالثاً: عموم الرسالة:
رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن
اتفقت مع الرسالات السابقة في الدعوة إلى عبادة الله تعالى، فإنها انفردت بشيء
مهم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُبعث إلى قومه خاصة، أما رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقد أُرسل إلى الناس كافة، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ
بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ: 28).
رابعاً: لا اختلاف في الشريعة:
الشريعة الإسلامية لا اختلاف فيها ولا
تناقض؛ لأنها دين، والدين من عند الله وليس من وضع البشر، قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)
(النساء: 82)، فما كان من عند الله لا يختلف ولا يُناقض بعضه بعضاً، فلا
ينبغي أن تُضرب الأدلة بعضها بعضاً.
خامساً: قبول الشريعة كلها:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي
السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ
عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: 208)، وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر: 7)، ولا يمكن للمرء أن يقوم بعملية التجديد إذا
ترك جزءاً من الشريعة، وكيف يكون مجدداً وهو مضيع لبعضها؟ وعلى ذلك فليس من
التجديد في شيء التمسك بالقرآن الكريم وحده وترك سُنَّة الرسول صلى الله عليه
وسلم، وليس من التجديد أيضاً قبول جزء من السُّنة وترك جزء آخر منها.
للمزيد:
- الدعوة لوحدة الأديان.. في ميزان الشرع
والإيمان
- شبهات وردود.. العنف بين الإسلام
والنصرانية
- شبهات وردود.. لا توجد آية في القرآن
الكريم تفرض الحجاب!
- شبهات وردود.. «حماس» خلية إيرانية!
- شبهات وردود.. المقاومة هي التي استثارت
العدو!
- شبهات وردود.. «حماس» صناعة يهودية
صهيونية!
- شبهات
وردود.. القرآنيون الجدد!
- شبهات وردود.. نريد شريعة الله لا شريعة
الفقهاء!
__________________
(1) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو
نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني (5/ 111).
(2) لسان العرب، مادة «جدد».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً