من مراقب إلى مرشد..
تحويل التهديد الرقمي إلى فرصة تربوية
في واقع إلكتروني
أصبح مفروضاً على الكون، صارت الشاشات الصغيرة نوافذ مفتوحة على عالم لا يُرى،
ووجدت الأسرة المسلمة نفسها أمام معضلة تربوية حقيقية؛ كيف نحمي أبناءنا من عواصف
المحتوى الرقمي دون أن نحرمهم من إيجابيات العصر؟ وكيف تتحول من دور الحارس
المرتاب إلى المرشد الحكيم الذي يبني مناعة داخلية في نفوس النشء؟
الخطر أكبر من إضاعة وقت
لم تعد أخطار
الأجهزة الذكية تقتصر على هدر الوقت، بل تجاوزت ذلك إلى تهديدات نفسية واجتماعية
عميقة، منها العزلة في زمن الاتصال الدائم حيث ينشأ أطفالنا متصلين بالعالم
افتراضيًا، لكنهم يعانون انفصالًا عن محيطهم الأسري والاجتماعي الحقيقي.
كذلك هناك غزو
فكري خفي حيث تقودهم الخوارزميات إلى فقاعات معرفية تُكرّس أفكارهم المسبقة
وتقطعهم عن الحوار البناء، بينما تشتت انتباههم بشكل متواصل يعوق قدرتهم على
التركيز والتأمل.
ومن أخطار أجهزة
العالم الرقمي كذلك أن لها منزلقات أخلاقية غير مرئية، وذلك من المحتوى غير اللائق
الذي يظهر فجأة، إلى التنمر الإلكتروني والاستغلال، وصولًا إلى تقليد نمط حياة
استهلاكي يهز قيم البساطة والرضا.
المنع والتمكين
تظل برامج
الرقابة الأبوية مجرد سور مؤقت قد يحمي، لكنه لا يعلم الطفل كيف يتعامل مع العالم
خارجه، السور قد ينهار في لحظة، لكن التربية الراسخة تبقى.
يرى بعض خبراء
التربية أن المخرج أمام هذه المعضلة يكمن في تحويل المسار من التركيز على حجب
المحتوى إلى بناء الشخصية، فوصية النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول
عن رعيته..»، شملت كل المستحدثات والمستجدات التي تطرأ وتأثيرها على التربية،
ونبهت ضمناً إلى المتابعة والمراقبة المستمرة الأبناء وفق مراحلهم العمرية وطبيعة
شخصياتهم، لكن فطنة المربي تكمن في الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية وتفادي
أضرارها وذلك عبر قيادة حكيمة من الوالدين.
ترى شاهيناز
عادل، وهي أم لثلاثة أطفال، أن منع الهاتف الذكي أمر حتمي في سنوات الطفل الأولى
التي يتعلم فيها الكلام والمهارات الأساسية للتواصل، وبعد ذلك يمكن استخدامه بشكل
ضيق لكنه يحقق فائدة مثل مشاهدة أفلام الكارتون الهادفة، واستخدام بعض التطبيقات
النافعة، مثل تعلم القراءة وتحفيظ القرآن.
أما رنا نور،
وهي أم لتوأم ومدرسة للمرحلة الابتدائية، فتذهب إلى أبعد من ذلك حيث تسمح لأبنائها
في مرحلة المراهقة باقتناء الهاتف المحمول الذكي والدخول لمواقع التواصل الاجتماعي،
ولكن تحت رقابة ومتابعة منها، وهو أمر يسبب لها الإرهاق، لكنها ترى أنه ضروري
لمواكبة تطورات العصر وحتى لا يشعر أبناؤها بالانفصال عن الواقع.
بينما تسمح شذى
مجدي لابنها الوحيد باستخدام الحاسوب لتعلم البرمجة والهاتف الذكي للاستماع إلى
شروحات مناهجه الدراسية، لكنها تتابعه في ذلك ولا تسمح له باقتناء هاتف ذكي أثناء
وجوده خارج المنزل.
ويرى فادي محمد
-أب لثلاثة أولاد- أنه كما نُطعّم أبناءنا ضد الأمراض الجسدية، يجب أن نُطعّم
عقولهم وقلوبهم بالقيم الراسخة والضمير الحي الذي يراقب الله حتى في الخلوات، وهذا
هو الحل الأمثل للتعامل مع العالم الرقمي بينما تسمح باستخدامهم للتكنولوجيا بشكل
تدريجي وتحت متابعة ومراقبة الوالدين.
حوار بناء
تشدد خبيرة
التربية هبة حسين على أن الحوار مع الطفل في عالمنا الرقمي يجب أن نستبدل فيه كلمة
أغلق الهاتف بجلسة حوارية نسأل فيها: ما الذي شاهدته اليوم؟ ما رأيك في هذا
الموقف؟ كيف نتعامل مع هذا المحتوى لو ظهر لنا؟
وتؤكد، في
تصريحات لـ«المجتمع»، فكرة المشاركة لا المراقبة، قائلة: كن رفيقًا في الرحلة
الرقمية، شاهد معهم، العب معهم، ناقش المحتوى، فالثقة المبنية على المصارحة أقوى
من الرقابة القائمة على الخوف.
وتابعت: لا يمكن
أن نطلب من الطفل ترك الهاتف بينما نحن أسرى لإشعاراته، لنكن النموذج الذي يوازن
بين العالمين الرقمي والواقعي.
صناعة البدائل
وترى حسين أهمية
وضرورة صناعة البدائل مثل التمارين الرياضية، جلسات حفظ القرآن، دورات تنمية اللغة
وتعلم المهارات فضلاً عن سماع الأناشيد الهادفة، و«البودكاست» المفيد، لكنها حذرت
من عدم متابعة الطفل وتركه لساعات طويلة أمام المحتوى الرقمي دون رقابة.
لم يعد الصراع
على عقول أبنائنا محصورًا في الفصول الدراسية والخطب، بل امتد إلى الشاشات الصغيرة
والأستديوهات الافتراضية، المواجهة الحقيقية ليست مع الهاتف كجهاز، بل مع الفجوة
التربوية بين جيل نشأ في عالم واقعي، وجيل يسبح في فضاءات افتراضية.
إن تحمل
المسؤولية يعني أن نتحول من حراس على البوابة إلى رفاق في رحلة الاستكشاف، نرشدهم
بحكمة ونتعلم منهم برحابة صدر؛ لنبني معًا جيلًا مسلحًا بالإيمان والمعرفة، قادرًا
على اقتحام العالم الرقمي منتجًا لا مستهلكًا، فاعلًا لا مفعولا به.
اقرأ
أيضاً: