تسليم سلاح المليشيات العراقية.. بين الواقع والعقبات! (2 – 2)
بعد أن ذكرنا في الجزء الأول من هذا المقال المطوّل الظروف التي قادت إلى تشكيل وتنظيم عمل الجماعات المسلحة في العراق، وعلاقتها مع حكومات العراق المتعاقبة بعد العام 2004م، نكمل هنا بقية الشروط التي وضعتها «كتائب سيد الشهداء» في العراق لتسليم سلاحها إلى حكومة بغداد.
شروط
غريبة وتعجيزية
النوع الثاني: هي الشروط الغريبة، أو
التعجيزية، التي تتعلق بجوانب لا يمكن لحكومة بغداد، ولا لغيرها، تطبيقها؛ لأنها
خارج إرادتها أو إمكانياتها!
ومن بين الشروط الغريبة، أو المعترض
عليها:
ـ «إقرار قانون الحشد الشعبي».
وهذا القانون مرفوض من الولايات
المتحدة ومن بعض الكيانات العراقية.
ورغم الحديث عن عمل الكتل السياسية
على تمرير القانون داخل البرلمان العراقي خلال المرحلة المقبلة، فإن الاعتراضات
الأمريكية ستحول دون تمريره، وربما سيجدون صيغة حلّ تنهي الأزمة بقانون يحمل الحد
الأدنى مما تحلم به بعض الفصائل المسلحة.
ـ «السيطرة الكاملة للقوات العراقية
على العراق».
ومن بين الشروط الأخرى الصعبة قضية
«فرض السيطرة الكاملة للقوات العراقية على العراق»، وهذا الشرط فيه إشارة واضحة
إلى ملف «إقليم كردستان العراق» وقوات البيشمركة الكردية، ومعلوم أن هذا الأمر لا
يمكن أن توافق عليه القيادة الكردية المدعومة من الكثير من دول العالم، بما فيها
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ وعليه، كيف يمكن فرض سيطرة القوات العراقية على
عموم الحدود والمناطق العراقية؟
ومن ضمن الشروط التعجيزية موضوع:
ـ «تسليم الجيش العراقي مهمة السيطرة
على حدود إقليم كردستان».
وهذا الشرط لا يمكن أن توافق عليه
إدارة إقليم كردستان العراق؛ لأنهم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم
يعيشون حالة خاصة لا يمكن تغييرها، أو محوها بسهولة.
ومن بين الشروط الغريبة:
ـ «تعزيز الدفاع الجوي العراقي».
وهذا الأمر يتعلق بقدرات العراق
القتالية، وقادة الفصائل، قبل غيرهم، يعلمون جيدًا بأن العراق لا يمتلك القدرات
الكافية لضبط السماء العراقية؛ وبالتالي، إضافة هذا الشرط هو جزء من الدخول في
النفق المظلم في مرحلة المفاوضات التي يبدو أنها لن تكون إلا بعد 30 سبتمبر 2026م،
وبالتالي، ربما ستكون هناك مفاوضات طويلة وعريضة ما بين بعض الفصائل وحكومة بغداد.
حزب
العمال الكردستاني
وفي ملف الشروط التعجيزية يظهر ملف
قضية «إخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني والجنود الأتراك من العراق»، فهذه واحدة
من القضايا التي لا يملك العراق قدرات حقيقية في معالجتها والتعاطي معها، وهي
مرتبطة بمعاهدات عراقية ـ تركية قديمة وجديدة.
وهنا نقف عند، ربما، أهم شرط بالنسبة
إلى الفصائل المسلحة، والذي ستدور حوله مفاوضات معقدة، أو الذي يريدون من خلاله
دعم إيران، وهو «إخراج مجاميع المعارضة الإيرانية من شمال العراق»، وهم يقصدون
مناطق «كردستان العراق»، أو من أي منطقة عراقية أخرى تتواجد فيها تلك القوات، وهذه
مسألة معقدة أيضًا، ولا يمكن البت فيها والتصريح بإمكانية حلها بسهولة؛ كونها خارج
قدرات حكومة بغداد، ومتعلقة بمصير النظام الإيراني ونتائج حربه الإقليمية مع
الولايات المتحدة!
تحرير القرار
الاقتصادي العراقي
أما قضية «تحرير القرار المالي
والاقتصادي من الهيمنة الأمريكية، وتحرير القرار السياسي من الاختطاف الأمريكي،
وإنهاء بدعة المبعوث الخاص للاحتلال الأمريكي في العراق، ووقف تدخل السفارة
الأمريكية في الشأن الداخلي»!
فهذه الشروط مرتبطة مباشرة بالإدارة
الأمريكية في واشنطن، وأظن أن قادة الفصائل يعلمون بأنها من الشروط المعقدة، وهي
ليست ضمن قدرات حكومة علي الزيدي، ولا غيرها من الحكومات السابقة، وربما القادمة،
ولا ضمن إمكانيات الشخصيات الحالية في المشهد السياسي العراقي.
مستقبل
العلاقة مع الجماعات المسلحة
ويبدو ـ على الأقل حتى الساعة، وما
يظهر في الإعلام ـ أن حكومة علي الزيدي العراقية ماضية بقوة لحصر السلاح بيدها،
رغم الشروط المعلنة من الجماعات المسلحة!
وفي هذا الخصوص، أكد مستشار رئيس
الوزراء العراقي، قاسم الأعرجي، في الأول من سبتمبر 2026م، أن الحكومة ماضية في
قرار حصر السلاح بيد الدولة، مشددًا على أنه «لا تراجع عن هذا القرار»، في وقت
تتواصل فيه المباحثات مع الفصائل المسلحة بشأن آليات دمج عناصرها وتسوية النقاط
الخلافية.
ومقابل هذا الشد والجذب ما بين
الحكومة والفصائل، والوعود التي قطعها الزيدي على نفسه أمام الرئيس دونالد ترامب
في يوليو الماضي بإنهاء ملف سلاح الفصائل، وأمام هذا الواقع الغامض، فإن الحكومة
العراقية في موقف صعب للغاية، يحمل في طياته الكثير والكثير من التداعيات الأمنية
والسياسية الخطيرة!
الواجب
على الحكومة العراقية
ومن هنا، فإن الواجب على الحكومة
العراقية ـ إن أرادت أن تحترم كلمتها أمام الشعب العراقي والمجتمع الدولي ـ ألا
تتهاون وألا تتراخى في الموعد المحدد لتسليم السلاح للحكومة، وهو يوم 30 سبتمبر
2026م، وفي حال تمّ التراخي، أو التراجع، فإن هذه الفسحة من التراخي قد تفتح الباب
على مصراعيه لتجاذبات طويلة عريضة!
ولكن يبدو أن الحكومة في موقف لا
تُحسد عليه، وبدليل أن بعض الفصائل هاجمت قبل أسبوع المملكة العربية السعودية،
وهذا يعني أن الفصائل المسلحة تتحدى قرارات الحكومة، وبالمحصلة جعلت حكومة بغداد
في حرج كبير!
احصروا السلاح بيد الدولة بالقوة
العادلة، وإلا فإن الفوضى هي الشعار المرتقب للمرحلة المقبلة في العراق، وهذا ما
لا نتمناه!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً