تعزيزاً لحضور عابر للغات.. الأزهر يطلق برنامجه التركي للدراسات الإسلامية

جمال خطاب

07 أكتوبر 2026

42

تعزيزاً لحضور عابر للغات.. الأزهر يطلق برنامجه التركي للدراسات الإسلامية

أعلنت جامعة الأزهر إطلاق برنامج أكاديمي جديد بعنوان «الدراسات الإسلامية باللغة التركية» ضمن البرامج المميزة التي تطرحها كلية اللغات والترجمة بالقاهرة، في خطوة تعكس توجه الجامعة نحو توسيع نطاق تدريس العلوم الإسلامية بلغات متعددة، وإتاحة المعرفة الشرعية لشرائح أوسع من الدارسين والباحثين الناطقين بغير العربية

ويأتي البرنامج الجديد ضمن منظومة أكاديمية متنامية داخل الجامعة تتضمن برامج للدراسات الإسلامية بلغات أجنبية أخرى، من بينها الفارسية والإسبانية، بما يعكس اهتمام الأزهر بتطوير أدواته التعليمية وتوسيع آفاق التواصل الثقافي والمعرفي مع المجتمعات المختلفة.

ولا يمثل هذا البرنامج بداية حضور اللغة التركية داخل جامعة الأزهر، إذ تضم كلية اللغات والترجمة قسمًا أكاديميًا للغة التركية وآدابها منذ سنوات، غير أن الجديد يتمثل في جعل اللغة التركية وعاءً لتدريس العلوم الإسلامية نفسها، وليس مجرد تخصص لغوي مستقل، وهو تطور يعكس انتقالًا من تعليم اللغة إلى توظيفها وسيلة لنقل المعرفة الشرعية.

اللغة التركية بوصفها جسرًا معرفيًا

يمثل اختيار اللغة التركية بعدًا مهمًا في مسيرة التوسع اللغوي للأزهر، فاللغة التركية تُعد إحدى اللغات الرئيسة في العالم الإسلامي، ويتحدث بها ملايين الأفراد داخل تركيا وخارجها، كما تحظى بحضور ثقافي وأكاديمي مؤثر في مناطق متعددة.

ومن خلال تدريس العلوم الإسلامية باللغة التركية، يهدف البرنامج إلى إعداد كوادر تمتلك المعرفة الشرعية والكفاءة اللغوية في آن واحد، بما يؤهلها للعمل في مجالات التعليم والدعوة والترجمة والإرشاد الديني والإعلام المتخصص وإنتاج المحتوى المعرفي، كما يفتح المجال أمام مزيد من الدراسات المقارنة والترجمات الأكاديمية بين العربية والتركية.

ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسات التعليمية الكبرى لأهمية مخاطبة المجتمعات بلغاتها الأصلية، خصوصًا في ظل التوسع الهائل لوسائل الاتصال الحديثة والمنصات الرقمية التي جعلت من الوصول إلى المعرفة عملية عابرة للحدود الجغرافية.

جذور تاريخية تربط الأزهر بالعالم التركي

لا يمكن النظر إلى البرنامج الجديد بمعزل عن التاريخ الطويل للعلاقات العلمية بين الأزهر والعالم التركي، فعلى امتداد قرون، استقبل الأزهر طلابًا وعلماء من مناطق متعددة خضعت للدولة العثمانية أو تأثرت بها ثقافيًا، واحتضن أروقة مخصصة للوافدين من خارج مصر.

وتشير المصادر التاريخية الخاصة بأروقة الأزهر إلى وجود أروقة خُصصت لطلاب بعض المناطق والأقاليم الإسلامية، كما توثق دراسات أكاديمية وجود «رواق الأتراك» الذي ارتبط بالطلاب القادمين من المناطق التركية والأناضول، وهو ما يعكس الطبيعة العالمية للمؤسسة الأزهرية منذ قرون طويلة

ولم تكن هذه العلاقة مجرد استقبال طلاب وافدين، بل شكلت جزءًا من حركة علمية واسعة ربطت القاهرة بمناطق عديدة من العالم الإسلامي، وأسهمت في انتقال العلوم الشرعية واللغوية عبر شبكة من العلماء والدارسين الذين حملوا معهم التراث الأزهري إلى أوطانهم المختلفة.

الأزهر والانتشار العالمي للمعرفة الإسلامية

منذ نشأته قبل أكثر من ألف عام، حافظ الأزهر على مكانته كواحد من أبرز مراكز التعليم الإسلامي في العالم، وقد تميز بدوره في تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية واستقبال الطلاب الوافدين من دول متعددة؛ الأمر الذي ساهم في تحويله إلى مركز عالمي للتواصل العلمي والثقافي.

وشكل التعليم الدولي أحد أبرز أوجه هذا الدور؛ إذ استقبل الأزهر على مدار عقود طويلة آلاف الطلاب من مختلف الجنسيات، وأسهم في إعداد أجيال من العلماء والدعاة والأكاديميين الذين واصلوا نشاطهم العلمي في بلدانهم بعد التخرج.

ومع التحولات المعاصرة، لم يعد دور الأزهر مقتصرًا على استقبال الدارسين داخل مصر، بل امتد إلى تطوير برامج ومبادرات تسعى إلى إيصال المعرفة الإسلامية بلغات متنوعة، بما يتناسب مع احتياجات المجتمعات المختلفة ويعزز فرص الفهم المباشر للمصادر الشرعية.

التوسع اللغوي داخل جامعة الأزهر

يأتي البرنامج التركي ضمن سياسة أوسع تتبناها جامعة الأزهر تعتمد على تنويع اللغات المستخدمة في بعض البرامج المتخصصة، ووفق البيانات المنشورة حول البرامج المميزة بالجامعة، تضم كلية اللغات والترجمة برامج للدراسات الإسلامية باللغات الفارسية والإسبانية والتركية، إلى جانب برامج أخرى في مجالات الترجمة واللغات الأجنبية

ويعكس هذا التوجه محاولة للاستفادة من الخبرة المتراكمة التي تمتلكها الكلية في مجالات الترجمة والدراسات اللغوية، وربطها بالمحتوى الشرعي والمعرفي الذي تشتهر به جامعة الأزهر.

كما يوفر هذا النموذج فرصًا أكبر للباحثين الراغبين في دراسة العلوم الإسلامية بلغاتهم الأم، وهو ما قد يساهم في تعزيز جودة الترجمة العلمية للمصطلحات الإسلامية، وتقريب المفاهيم الشرعية إلى جمهور أوسع من القراء والدارسين.

المؤسسات الأزهرية متعددة اللغات

لا يقتصر الحضور متعدد اللغات على البرامج الجامعية فقط، بل يمتد إلى عدد من المؤسسات والهيئات التابعة للأزهر.

ويبرز في هذا السياق مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، الذي يعمل من خلال وحدات متخصصة باللغات الأجنبية، ويقدم محتوى إعلاميًا وبحثيًا بلغات متعددة بهدف متابعة الخطابات المتطرفة وتحليلها والرد عليها، وتشير التقارير المنشورة إلى أن المرصد يعمل عبر 13 لغة مختلفة، وينتج آلاف المواد الإعلامية والبحثية سنويًا

ويعكس هذا النشاط إدراكًا لأهمية البعد اللغوي في التواصل الفكري والثقافي، حيث أصبح الوصول إلى الجمهور العالمي يتطلب إنتاج المعرفة وتقديمها باللغات التي يتحدث بها المستهدفون، وليس الاكتفاء بالترجمة اللاحقة للنصوص العربية.

كما تمثل هذه الجهود جزءًا من توجه أوسع نحو تعزيز حضور الخطاب الديني الوسطي عبر الوسائط الرقمية الحديثة، بما يتيح الوصول إلى قطاعات متنوعة من الجمهور داخل العالم الإسلامي وخارجه.

القوة الناعمة المصرية ودور الأزهر

يُنظر إلى الأزهر باعتباره أحد أبرز روافد القوة الناعمة المصرية، نظرًا لمكانته التاريخية والعلمية وتأثيره الممتد خارج الحدود الوطنية.

ففي الوقت الذي تعتمد فيه بعض الدول على أدوات اقتصادية أو إعلامية لتعزيز حضورها الخارجي، تمتلك مصر مؤسسة تعليمية ودينية ذات ثقل تاريخي عالمي استطاعت على مدى قرون أن تبني شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية والثقافية مع شعوب ودول مختلفة.

وتتجسد هذه القوة الناعمة في تأثير الخريجين الوافدين، وفي البرامج التعليمية المتخصصة، وفي الأنشطة الدعوية والفكرية، وفي المبادرات متعددة اللغات التي تهدف إلى نشر المعرفة وتعزيز الحوار الثقافي.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم البرنامج التركي باعتباره إضافة جديدة إلى رصيد الأدوات التعليمية والمعرفية التي يستخدمها الأزهر للتواصل مع مجتمعات أوسع، انطلاقًا من رسالته التعليمية والثقافية.

المكاسب المتوقعة من البرنامج الجديد

على المستوى الأكاديمي، من المتوقع أن يسهم البرنامج في إعداد خريجين يجمعون بين المعرفة الإسلامية والتخصص اللغوي، وهي مهارة تزداد أهميتها في مجالات الترجمة والتأليف والبحث العلمي والدراسات المقارنة.

وعلى المستوى الثقافي، يمكن للبرنامج أن يدعم التفاعل الفكري بين الباحثين العرب والناطقين بالتركية، وأن يسهم في إثراء حركة الترجمة المتبادلة للكتب والدراسات المتعلقة بالفكر الإسلامي.

أما على المستوى المعرفي، فإنه قد يوفر فرصة أوسع لوصول المناهج الأزهرية إلى جمهور جديد من الدارسين والباحثين، ويعزز من حضور المحتوى العلمي الرصين في البيئة التركية والناطقة بالتركية.

كذلك ينسجم البرنامج مع الاتجاهات العالمية التي تشهد توسعًا في التعليم متعدد اللغات، واعتماد اللغات الوطنية أداةً للوصول إلى المعارف المتخصصة دون التخلي عن الأصول العلمية للمجالات المختلفة.

مستقبل التعليم الإسلامي متعدد اللغات

تشير التطورات المتسارعة في قطاع التعليم إلى تزايد أهمية البرامج العابرة للغات، خاصة مع انتشار التعليم الرقمي وتنامي الحاجة إلى موارد معرفية متاحة بلغات متنوعة.

وفي هذا السياق، تمثل تجربة الأزهر في تدريس العلوم الإسلامية بلغات أجنبية نموذجًا قابلًا للتطوير والتوسع، خصوصًا في ظل الخبرات التي تمتلكها الجامعة في مجالات الترجمة واللغات والدراسات الإسلامية.

ومع استمرار التحولات التقنية والرقمية، قد تشهد السنوات المقبلة مزيدًا من المبادرات التي تستهدف تقديم محتوى علمي وشرعي بلغات مختلفة، بما يتيح الوصول إلى جمهور أوسع ويعزز فرص التبادل المعرفي بين الثقافات.

يمثل إطلاق برنامج الدراسات الإسلامية باللغة التركية في جامعة الأزهر خطوة أكاديمية مهمة تندرج ضمن مسار أوسع لتطوير التعليم الديني وتوسيع آفاقه اللغوية، فالبرنامج لا يقتصر على إضافة تخصص جديد، بل يعكس توجهًا نحو جعل اللغات جسرًا لنقل المعرفة الشرعية وتعميق التواصل مع مجتمعات متنوعة.

كما يؤكد الحدث استمرار الدور العالمي للأزهر بوصفه مؤسسة تعليمية ذات امتداد تاريخي واسع، قادرة على التكيف مع متطلبات العصر دون التخلي عن رسالتها الأساسية في نشر المعرفة الإسلامية وتعزيز الحوار الثقافي بين الشعوب.  

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة