تعقيدات الاحتلال على حرية التنقل داخل معبر رفح تثير قلق الغزيين
يشكل معبر رفح البري المنفذ الوحيد لسكان
قطاع غزة إلى العالم الخارجي، ومع ذلك تحول في السنوات الأخيرة إلى بوابة معاناة
يومية لآلاف الغزيين، في ظل تعقيدات متزايدة وإجراءات مشددة، أثارت حالة واسعة من
القلق والاستياء، خصوصاً بين المرضى والطلبة وأصحاب الإقامات الإنسانية.
وسمح الاحتلال «الإسرائيلي» بإعادة فتح
معبر رفح لأول مرة بعد أكثر من عامين من الإغلاق، نتيجة حرب الإبادة وسيطرة
الاحتلال على كامل مدينة رفح وتدمير المنفذ الوحيد لسكان غزة، وبعد السماح بعودة
العمل، وضع الاحتلال العديد من الشروط التي لا تخدم السكان وتزيد من معاناتهم، وتتمثل
تلك الإجراءات في تقليص أعداد المسافرين، وإجراء تفتيش وتحقيق مع المسافرين من قبل
الاحتلال.
إجراءات مشددة
وتتفاقم الأزمة بالنسبة للمرضى، الذين
يحتاجون إلى العلاج خارج قطاع غزة، إذ قد يؤدي التأخير في السفر إلى تدهور حالتهم
الصحية أو فقدان فرص العلاج، كما يواجه الطلبة الجامعيون صعوبات كبيرة في الالتحاق
بمواعيد دراستهم في الخارج؛ ما يهدد مستقبلهم الأكاديمي ويضاعف الضغوط النفسية
عليهم وعلى عائلاتهم، في ظل صعوبة الخروج نتيجة الشروط والتعقيدات التي تفرضها «إسرائيل»
على حركة خروج الغزيين.
ويصطدم الغزيون بتعقيدات «إسرائيلية» عند
عبورهم معبر رفح، فكل شخص يريد المرور يجب أن يحصل على موافقة «إسرائيلية» أمنية
مسبقة، بالتنسيق المشترك مع السلطات المصرية التي ستراجع أسماءهم وتمنحهم
التصاريح، ثم ترسل القوائم إلى جهاز الأمن الداخلي «الإسرائيلي» للموافقة
النهائية، أما دخول غزة فسيكون أكثر صرامة، إذ سيخضع لآلية تفتيش «إسرائيلية»
دقيقة باستخدام أجهزة الكشف عن المعادن والتعرف على الوجوه، وسيكون الدخول مسموحاً
فقط لمن غادروا القطاع خلال الحرب.
في أحاديث منفصلة لـ«المجتمع»: عبَّر
مواطنون عن امتعاضهم الشديد من تعمد الاحتلال وضع تعقيدات وشروط تحُدُّ من حرية
تنقل الغزيين في كلا الاتجاهين على المعبر، حيث إن هناك مرضى أنهوا علاجهم في
الخارج ويتخوفون من العودة خشية إرجاعهم أو التحقيق معهم، وآخرين بحاجة إلى مغادرة
غزة سواء لاستكمال العلاج أو لمّ شمل العائلات التي فرقتها الحرب.
الخوف من السفر
يقول المصاب أحمد فريد الذي يعاني من
تهتك حاد في قدمه اليسرى: بعد أن قصف الاحتلال المنزل فوق رؤوس أفراد أسرتي، أعاني
من ظروف صحية صعبة، ولا أقدر على الحركة طوال عام من الإصابة، حتى فرصة العلاج
التام داخل غزة مفقودة، وأعيش على بعض المضادات الحيوية والمسكنات، نتيجة انهيار
المنظومة الصحية وغياب الكفاءات والعلاج اللازم.
وأوضح، في حديثه لـ«المجتمع»: بالرغم من
انتظار السماح لي بالخروج والعلاج داخل مستشفيات جمهورية مصر، فإنني أعيش حالة من
القلق، خشية من منع السفر والإرجاع المفاجئ، والانتظار لساعات طويلة داخل المعبر
دون أي أسباب، خاصة في ظل الشروط المعقدة التي وضعها الاحتلال لفتح المعبر.
ولفت إلى أن الاحتلال بإجراءاته العقابية
وتقييد حرية تنقل المواطنين، يزيد من الضغط على الغزيين لأهداف عدة، ومنها إرباك
من يريد العودة الى غزة ودفعهم إلى عدم الرغبة بالعودة خشية الاعتقال أو تجدد
الحرب، في ظل الحديث عن قرب البدء بعملية نزع السلاح من غزة، بالإضافة إلى دفع
أكبر عدد من السكان إلى الخروج والهجرة بحثاً عن حياة أفضل.
تكاليف باهظة
لا تقتصر آثار تعقيدات السفر على الجانب
الإجرائي فقط، بل تمتد لتشمل أعباء نفسية واقتصادية ثقيلة، وتكاليف المواصلات
وتجهيز الأوراق المطلوبة تثقل كاهل المواطنين، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة
التي يعيشها القطاع، كما يرافق حالة الانتظار الطويل شعور دائم بالقلق والتوتر
وعدم الاستقرار، هذا هو حال المواطنة بشرى أحمد، التي جاءت إلى غزة قبل نشوب الحرب
قادمة من مصر لزيارة عائلتها في غزة، واندلعت الحرب واحتجزت في القطاع تاركة زوجها
وأبناءها، وحتى هذا الوقت لم تجد طريقة للخروج رغم محاولات عدة بذلتها، كما أن
ظروفها النفسية والاقتصادية تزداد صعوبة يوماً تلو الآخر.
وتشير، في حديثها لـ«المجتمع»: أعيش في
ظروف نفسية سيئة، نتيجة البعد عن عائلتي وصعوبة الاستقرار وتزايد الضغوط النفسية،
فأنا بحاجة ماسة إلى أن أكون بجانب أبنائي، خاصة ونحن مقبلون على شهر رمضان الذي
يعتبر شهر لمة العائلة، وأتمنى أن تتحسن ظروف المعبر خلال الأيام المقبلة، لكي أتمكن
وغالبية العالقين المغادرة والعودة بسهولة.
وتطالب بتسهيل إجراءات السفر، وزيادة عدد
الأفراد المسموح لهم بالخروج يومياً، واعتماد معايير واضحة وعادلة لاختيار
المسافرين، مع إعطاء الأولوية للحالات الإنسانية والطارئة، كما تدعو إلى تعزيز
التنسيق وتوفير قنوات تواصل رسمية، تُطلع المواطنين على المستجدات بشفافية.
ورغم أهمية إعادة افتتاح معبر رفح كمتنفس وحيد لقطاع غزة، فإن مشاهد التفتيش والمراقبة المشددة تلقي بظلالها الثقيلة على مشاعر الغزيين، وتحول فرحة السفر إلى تجربة يطغى عليها الخوف والقلق، وبين الحاجة إلى الأمن واحترام الكرامة الإنسانية، يبقى التحدي قائماً في إيجاد توازن ينهي معاناة المسافرين ويعيد للمعبر دوره الإنساني.
اقرأ أيضاً: