تفرق الأمة عقوبة إلهية
كان آخر عهد
الأمة بشيء من اجتماعها تحت خليفة واحد عام 1924م، وهو تاريخ إلغاء الخلافة
العثمانية، بالرغم أن مفهوم تجمع الأمة تحت راية واحدة وخليفة واحد وجيش واحد
اعتراه الكثير من التضعضع منذ سقوط الخلافة العباسية، ولكن استمرار الشكل العام
لتجمع الأمة كان مقبولاً إلى حد ما، حتى سقوط الدولة العثمانية، ثم تبعتها مؤامرة «سايكس
بيكو» بعد الحرب العالمية الثانية، التي قسمت العالم العربي والإسلامي إلى دول كل
منها تابع للدول الكبرى، وحتى بعد تحررها تأصل هذا التفرق بأن جعل كل دولة لها
علمها وجيشها وحدودها، ولكن نادراً ما تساءل البعض: هل هذا التفرق جاء مصادفة، أم
أنه عقوبة إلهية بسبب ابتعاد الأمة عن دينها؟
التهديد الإلهي للأمة
قال تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ
عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ
يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) (الأنعام: 65)؛ يقول الإمام السعدي: هو تعالى قادر على إرسال العذاب
إليكم من كل جهة، (مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ
أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ)؛ يخلطكم، (شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ)؛ في الفتنة، وقتل بعضكم بعضاً، فهو قادر على ذلك كله،
فاحذروا من الإقامة على معاصيه، فيصيبكم من العذاب ما يتلفكم ويمحقكم، ومع هذا فقد
أخبر أنه قادر على ذلك.
ولكن من رحمته،
أن رفع عن هذه الأمة العذاب من فوقهم بالرجم والحصب، ونحوه، ومن تحت أرجلهم
بالخسف، ولكن عاقب من عاقب منهم، بأن أذاق بعضهم بأس بعض، وسلط بعضهم على بعض،
عقوبة عاجلة يراها المعتبرون، ويشعر بها العالمون.
دروس وعبر
في هذه الآية
دروس وعبر، منها:
أولاً: جميع
الخلق بين يدي الله، يفعل بهم ما يشاء، إن يشأ يعذبهم أو إن يشأ يعفو عنهم.
ثانياً: يذكر في
هذه الآية 4 أنواع من العقوبات، التي هي:
1- ما يأتي من
السماء من أمطار أو حجارة أو صواعق وكسف، وغيرها.
2- أو من الأرض،
سواء الزلازل والفيضانات، والخسف، والبراكين، وغيرها.
3- نوع من
العقاب قد لا يشعر به الكثير، إنه نوع من أنواع العقوبة الإلهية؛ ألا وهو «يلبسكم
شيعاً»؛ أن تختلط عليكم الأمور وتختلفون وتضطربون.
كما نقل الإمام
الطبري عن ابن زيد في قوله: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً): «الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف، والأهواء، وسفك
دماء بعضهم بعضاً؛ فيكونون فرقاً كثيرة مشتتين، والتفرق عذاب وضعف؛ ما يسهل على
العدو التحكم بكم، واستغلال بعضكم لضرب بعض»، وهذا واضح جلي في زماننا هذا، فقد
غذى قتلة الأنبياء هذا التفرق، وشجع عليه، فصار من الصعب اجتماعهم على ما ينفعهم.
يذيق بعضكم بأس بعض
4- أما العقوبة
الرابعة: (وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ)؛ يقول الإمام الطبري: بقتل بعضكم بيد بعض، والعرب تقول
للرجل ينال الرجل بسلاح فيقتله به: «قد أذاق فلان فلاناً الموت»، و«أذاقه بأسه»،
وأصل ذلك من ذوق الطعام؛ وهو يطعمه، ثم استعمل ذلك في كل ما وصل إلى الرجل من لذة
وحلاوة، أو مرارة ومكروه وألم.
وفي التاريخ
المعاصر للمسلمين خير دليل على ذلك، من حروب كثيرة بين المسلمين ذهب فيها الملايين
من المسلمين.
عقوبة التفرق
ثالثاً: عقوبة
التفرق وقتل بعضهم لبعض، ولهذا التفرق أسباب ذكرها د. يوسف القرضاوي في مقالة له
في مجلة «المجتمع»، (العدد (1493)، 9 المحرم 1423هـ/ 23/ 2/ 2002م، ص59)، تحت
عنوان «عوامل تفرق الأمة الإسلامية»، نلخصها فيما يلي:
1- ظهور
العصبيات التي فرقت بين الأمة، فالأمة الإسلامية كانت تعيش تحت مظلة العقيدة
الإسلامية والأخوة الإسلامية؛ (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، بعد هذه المظلة العقدية التي كانت تجمع الأمة ظهرت
عصبيات شتى؛ قومية وعنصرية، ووطنية وإقليمية، ولغوية.
2- المذاهب
والأفكار والمبادئ المستوردة، فبعدما كانت الأمة تحكّم الشريعة ولها مرجعية واحدة،
أصبحت الآن تحتكم إلى أشياء أخرى، وهذه جعلت جماعة يتجهون إلى اليمين، وجماعة
يتجهون إلى اليسار، وجماعة يتجهون إلى الشرق، وجماعة إلى الغرب.
3- اختلاف
الولاءات حتى مع اختلاف المستوردات، تنوعت الولاءات بعد أن كان الولاء كله لله
ولرسوله والمؤمنين.
4- الأنانيات
والأهواء المسيطرة، جعلتهم يؤثرون مصالحهم الشخصية، وأن يكون لهم مكان مستقل عن
غيره، ولو كان في ذلك ضياع الأمة في النهاية.
الفشل نتيجة التفرق
رابعاً: ومن
دروس الآية أن الله تعالى قد بين بأن التفرق عقوبة من هذه العقوبات، ولكنه أيضاً
ينتج عنه عدة عقوبات من أبرزها الفشل، وتحكم أعداء الأمة بالمسلمين، حيث ذكر في
سورة «الأنفال» قوله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ
تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46).
إن التفرق الذي
أصاب الأمة منذ سقوط الخلافة لم يحدث مثيلاً له في أي عصر من عصور الإسلام، نعم
حدث تفرق في عدة عصور مضت، ولكن التفرق الذي نعيش فيه ليس له مثيل، فنحن الآن 57
دولة إسلامية، لكل دولة علم وجيش وحدود ودستور، وهذا يبين مدى العقوبة الإلهية
لهذه الأمة بسبب ابتعادها عن منهجه، وهذا يذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم
الذي رواه الإمام مسلم: «سألتُ ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتينِ، ومنعني واحدة؛ سألتُ
ربي أنْ لا يُهْلِكَ أمتي بالسَنَةِ، فأعطانيها، وسألتُهُ أن لَّا يُهْلِكَ أمتي
بالغرَقِ، فأعطانِيها، وسألْتُهُ أن لَّا يَجْعَلَ بأسَهم بينَهم، فمنَعَنِيها».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً