فأصلحوا بين أخويكم

7 أساليب شرعية لإنهاء الحروب بين المسلمين

حين يتصارع أبناء الأمة الواحدة، وتنزف الدماء المحرمة بغير حق، وتهدر الطاقات قبل الأرواح، وتتحول وحدة الصف إلى ميادين صراع واقتتال؛ هنا تأتي الحاجة إلى الاستمساك بالوحي من أجل إنهاء هذا النزاع، ففيه عصمة من الانحراف، وعلاج أسباب النزاع وإعادة الحقوق، ومن الأساليب التي جاءت في القرآن والسُّنة لإنهاء الصراع بين المسلمين ما يأتي:

1- الحث على الوقاية من أسباب الحروب:

حث الإسلام أتباعه على الوقاية من كل ما يهيج النفس للحرب والقتال بغير حق، فحذّر من الغضب، والتعصب، والسخرية، وسوء الظن، وجميع أشكال التجاوز والتعدي على الآخرين.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {11}‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات).

2- النهي عن الاقتتال بين المسلمين:

قال تعالى: (وَلَا ‌تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)، وفي سنن أبي داود بسند صححه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «‌إِنِّي ‌نُهِيتُ ‌عَنْ ‌قَتْلِ ‌الْمُصَلِّينَ»، وفي الصحيحين عن ‌جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».

3- التحذير من سفك الدماء المحرمة:

نهى الله تعالى عن قتل النفس بغير حق، حيث قال سبحانه: (‌وَلَا ‌تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (الإسراء: 33)، وفي صحيح مسلم ‌عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع، وكان مما قاله: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ ‌حَرَامٌ ‌عَلَيْكُمْ ‌كَحُرْمَةِ ‌يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»، وروى النسائي في السنن عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا ‌أَهْوَنُ ‌عِنْدَ ‌اللهِ ‌مِنْ ‌قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ».

4- التغليظ في إطلاق وصف الكفر على المتقاتلين:

روى البخاري، ومسلم، في صحيحيهما عَنْ ‌عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ‌أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَدِّهِ ‌جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: ‌«لَا ‌تَرْجِعُوا ‌بَعْدِي ‌كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»؛ قال البغوي: لا تكن أفعالكم شبيه أفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمين.

وقيل: لا ترجعوا فِرَقاً مختلفين يقتل بعضكم بعضاً، كفعل الكفار مضاهين لهم، فإنهم متعادون، والمسلمون متواخون يحقن بعضهم دماء بعض. (المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، 3/ 58).

وروى البخاري، ومسلم، عَنْ ‌عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِبَابُ ‌الْمُسْلِمِ ‌فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».

والأحاديث لا تعني الكفر المخرج من الملة، بل هو كفر دون كفر؛ أي سلوك يشبه أفعال الكفار في الاقتتال وسفك الدماء بغير حق، وفي الأحاديث دعوة إلى عدم الاقتتال بين المسلمين، وحث على التآخي والتقارب، لا التعارض والتباعد.

5- الأمر بالتدخل لإنهاء النزاع وإحقاق الحق وإبطال الباطل:

قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات).

6- إحياء رابطة الأخوة الإسلامية:

من أساليب إنهاء الحروب بين المسلمين تذكيرهم برابط الأخوة، حيث قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، وفي الصحيحين عن ‌عَبْداللهِ بْن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌الْمُسْلِمُ ‌أَخُو ‌الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

7- تغليظ العقوبة على من يستمر في الحروب:

قال الله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ ‌جَهَنَّمُ ‌خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93).

وفي الصحيحين عَنِ ‌الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، ‌فَالْقَاتِلُ ‌وَالْمَقْتُولُ ‌فِي ‌النَّارِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».


اقرأ أيضا

دوافع الحروب في العالم

مظاهر انهيار الأخلاق في الحروب الحديثة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة