فاعبده واصطبر لعبادته
هل نحن بحاجة إلى تحسين العبادات (1)
تحسين العبادة أمر خطير، غفل عنه كثير من الناس، ومما يدل على أهميته وخطورته أن النبي وصى به معاذا حبيبه، كما روى ابن خزيمة
في صحيحه من حديث معاذ بن جبل أنه قال: أخذَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ
وسلَّمَ بيدي يومًا فقالَ: «يا معاذُ، إنِّي واللَّهِ لأحبُّك»، فقالَ معاذٌ: بأبي
أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللَّهِ، وأنا واللَّهِ أحبُّكَ، فقالَ: «أوصيكَ يا معاذُ؛
لا تدَعَنَّ دُبرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ أن تقولَ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكرِكَ
وشكرِكَ وحُسنِ عبادتِكَ».
وصية نبوية نفيسة، تحوي كنوزا ثمينة
وسبائك غالية لمن كانت همه الآخرة، نغتنم منها سبيكة واحدة في قول النبي صلى الله
عليه وسلم ووصيته لحبيبه معاذ: «وأسألك حسن عبادتك»، فمن أعانه الله على تحسين
عبادته فهو العبد الموفق الذي يحبه الله تعالى.
لماذا تحسين العبادات؟
يأتي العبد إلى
الدنيا صفحة بيضاء؛ لا يحمل علماً ولا يملك قدرة ولا يحوز مالاً، ثم تمتد إليه يد
التعليم شيئاً فشيئاً، فيتعلم الحرف كما يتعلم الحركة، ويتلقى عن والديه وعن عامة
المسلمين في المساجد أوليات العبادة وكيفياتها، فيصلي كما الناس، ويصوم كما
يصومون.
ثم تمضي به
السنون، فينمو عقله، ويتسع أفقه، وتتراكم خبراته، ويشتد ساعده في ميدان تخصصه،
فيحسن ويجود ويبتكر، رغبة في الكمال، وحرصاً على بلوغ الأحسن، وذلك كله محمود لا
مرية فيه.
لكن العجب كل
العجب أن يقف عند باب العبادة حيث وقف صبياً، فلا يجاوزها فهماً ولا يرتقي بها
إتقاناً! فتراه قد نال أعلى الشهادات، وبلغ في علوم الدنيا مبلغاً رفيعاً، ثم هو
يعجز عن قراءة آية من كتاب الله قراءة مستقيمة، فضلاً عن أن يفقه معناها، فيعيش
مسلماً ويموت، وربما لم تشرق في قلبه لذة العبادة، أو يخالط روحه خشوعها، وهذا
حرمان عظيم.
فكم نحن بحاجة
إلى أن نعيد النظر في عباداتنا! فنحسنها علماً وفهماً، ونتقنها عملاً، ونقيمها على
الطريقة النبوية الجامعة، فننقلها من مرحلة الحركات الجوفاء حتى تصير نوراً في
القلوب، وحياة في الأرواح.
معنى حسن العبادة
قال ابن رجب: هو
إتقان العبادة والإتيان بها على أكمل وجوهها.
وإلى هذا المعنى
أشار النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله
كأنك تراه»؛ أي تتقن العبادة وتأتي بها على أكمل وجوهها مستشعراً مراقبة الله
تعالى، فالعبد مختبر في هذه الحياة بجودة أدائه، وإتقان أعماله، وإحسانه في
عباداته.
قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الملك: 2)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ
أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) (الكهف: 30).
فالله تعالى يحب
من عباده حال قيامهم بالطاعة أن تكون على وجهها الأكمل والأجمل، فهو سبحانه جميل
ويحب الجمال، وله وحده مطلق الجلال والكمال.
شروط تحسين العبادة
ولتحسين العبادات شروط ثلاثة هي: الإخلاص، والمتابعة، والفهم
1- حتى تكون
العبادة حسنة، ينبغي أن تكون لله خالصة، ومن شوائب الرياء والسمعة نقية، لأن الله
تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه سبحانه، قالَ تعالى كما في الحديث
القدسي: «أنا أغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فيه
مَعِي غيرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ» (رواه مسلم).
2- أن تكون على
هدي نبيه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه
أمْرُنا فَهو رَدٌّ» (رواه مسلم).
ولا يتم ذلك إلا
إذا استشعر العبد أن الله تعالى يراه.
3- فهم العبادة
والوقوف على أبعادها ومعانيها ومغزاها.
أمثلة على تحسين العبادات
الوضوء:
إذا أردت الوضوء
للصلاة مثلاً فاستشعر أولاً أن الله تعالى يراك، ينظر إلى عملك وإلى جودة أدائك
له، وهذا ما يدفعك إلى معايشة معنى الوضوء.
والوضوء لغة
مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، واصطلاحاً هو التعبُّد لله عزَّ وجلَّ بغَسلِ
أعضاء مخصوصةٍ، على صفةٍ مخصوصةٍ.
ولئن كان الوضوء
تطهيراً للأبدان عن الأوساخ والأدران، فإنه أيضاً تطهير للقلوب عن الذنوب والآثام؛
فقد روى مسلم عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ العبد خرجت
خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره».
وفي رواية: «إذا
توضأ العبدُ المؤمنُ فمَضْمَضَ؛ خَرَجَتِ الخَطَايا من فِيهِ، وإذا اسْتَنْثَرَ؛
خَرَجَتِ الخَطايَا من أَنْفِهِ، وإذا غسل وجهَه؛ خَرَجَتِ الخَطايَا من وجهِهِ،
حتى تَخْرُجَ من تَحْتِ أشفارِ عَيْنَيْهِ، فإذا غَسَلَ يَدَيْهِ؛ خَرَجَتِ
الخَطَايَا من تَحْتِ أظفارِ يَدَيْهِ، فإذا مَسَحَ برأسِهِ؛ خَرَجَتِ الخَطَايَا
من رأسِهِ حتى تَخْرُجَ من أُذُنَيْهِ؛ فإذا غَسَلَ رِجْلَيْهِ؛ خَرَجَتِ
الخَطَايَا من رِجْلَيْهِ، حتى تَخْرُجَ من تَحْتِ أظفارِ رِجْلَيْهِ، ثم كان
مَشْيُهُ إلى المسجدِ وصلاتُه نافِلَةً له» (صحيح الجامع)
فإذا أتقنت
وضوءك وحسنته واستحضرت معانيه وفهمته أصبحت طاهراً قلباً وقالباً، وصرت بعد هذا
التطهير الشامل مهيئاً وصالحاً للدخول على الملك الجبار والوقوف بين يديه لمناجاته
بل ولدخول الجنان؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْكم من أحدٍ
يتَوضَّأُ، فيُسبغُ الوضوءَ، ثمَّ يقولُ حينَ يفرُغُ من وضوئِه: أشهدُ أن لا إلهَ
إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، إلَّا فُتِحتْ لهُ
أبوابُ الجنَّةِ الثَّمانيةِ، يدخلُ مِن أيِّها شاءَ» (صحيح الجامع).
إذاً لا بد من
إسباغ الوضوء وتحسينه وإتقانه، ليحسن وقوفك بين يدي ربك جل جلاله؛ ولذا كان زين
العابدين بن علي بن الحسين إذا توضأ اصفر وجهه، وارتعدت أطرافه، فقيل له في ذلك،
فقال: ويحكم أتدرون بين يدي من سأقف؟!
الصلاة:
قال النووي كما في المجموع: الصلاة في اللغة الدعاء، وسميت الصلاة الشرعية صلاةً لاشتمالها عليه، هذا هو الصحيح وبه قال الجمهور وأهل اللغة وغيرهم من أهل التحقيق.
وفي الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.
والصلاة
صلة بين العبد وربه، ولقاء مستمر، فإذا أردت أن تحسن الصلاة فصل صلاة مودع،
واستشعر أن الله يراك حال قيامك بين يديه؛ قال تعالى: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ {218}
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء).
وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته مالم يلتفت»، وفي رواية: «فلا يبصق أحدكم في القبلة فإن الله سبحانه تلقاء وجهه».
فالله سبحانه يرى عبده في هذه العبادة العظيمة، التي هي الصلاة، وقت قيامه، وتقلبه راكعاً وساجداً، بل وينصب وجهه تعالى شأنه تلقاء وجه عبده الفقير الضعيف فمن استحضر في صلاته قرب ربه منه وصلة ربه به، خشع وذل وصارت قرة عينه في الصلاة.
وإن مما يعين
على تحسين الصلاة أن يستحضر العبد هذا الحوار النوراني بين المصلي وربه، كما روي
نبينا عن ربه جل جلاله فقال: «إن اللهَ تعالى يقولُ: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي
نصفينِ، نصفُها لي ونصفُها لعبدي ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ: الحمدُ للهِ ربِّ
العالمين قالَ اللهُ: حمِدني عبدي، وإذا قالَ: الرَّحمنِ الرَّحيمِ قالَ اللهُ: أثنى
عليَّ عبدي، وإذا قالَ: مالكِ يومِ الدينِ قال اللهُ عز وجل: مجّدني عبدي -وفي
روايةٍ: فوَّضَ إليَّ عبدي- وإذا قالَ: إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعينُ قال: فهذه
الآيةُ بيني وبين عبدي نصفينِ ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ: اهدنا الصراطَ المستقيمَ
صراطَ الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالينَ قال: فهؤلاءِ لعبدي
ولعبدي ما سألَ».
فإذا علمت أن
الله سبحانه يراك ويراقب ركوعك وسجودك ويسمع تلاوتك، ويجيب دعوتك فكيف ستكون هذه
الصلاة، هل ستخشع فيها، أم ستظل متعجلاً فتنقرها نقر الغراب لتجري وراء الدنيا
الفانية؟!
وهكذا ينبغي للمسلم
أن يسعى إلى تحسين عبادته لربه سبحانه، فالعبادة بلا شك هي سر الوجود، قال سبحانه:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).
وللحديث بقية مع
بقية العبادات.
اقرأ أيضا:
=================