حتى لا يتحول الإيلاف من نعمة إلى نقمة!

امتن الله على قريش في قرآنه الكريم بنعمة إيلافهم لرحلتي التجارة شتاء وصيفاً، وهي الرحلة التي يحققون بها أمنهم الغذائي، ويتمتعون فيها بالأمان من الخوف.

والإيلاف نعمة محببة إلى الإنسان، كل إنسان، فالإيلاف قرين الأنس، الأنس بالناس، وإلف العيش في أماكن بعينها، ونادراً ما يستطيع الإنسان العيش في بيئة لا يألفها، أو وسط أناس ينفر منهم ولا يألف العيش بينهم، وعلى الرغم من أنها نعمة، فإنه لا يفضل أن يتعلق بها الإنسان كثيراً، وتعلمنا تصاريف أقدار الله في حياتنا ذلك.

الدفء الاجتماعي

أنا مثلاً من الأشخاص الذين يشعرون بألفة مع بعض الأماكن، لا أشعر بمثلها مع أماكن أخرى، حيث ولدت وعشت طفولتي الأولى في حي من أحياء القاهرة الشعبية القديمة، الممتلئة بالحيوية، ودفء العلاقات الاجتماعية، وعبق التاريخ الإسلامي، وقد ظل ارتباطي بهذه النوعية الحية والدافئة من الأماكن والألفة بها ملازماً لي، ورغم ذلك فقد عانيت من كثرة التنقل من مكان إلى مكان، فكلما انتقلت شعرت بحنين إلى حيث كنت أسكن، وشعرت بغربة في المكان الجديد الذي انتقلت إليه، لكن الغربة ما تلبث أن تتآكل، وتستبدل شيئاً فشيئاً بالألفة، فإذا وصلت إلى الألفة، أجدني أنتقل إلى مكان جديد، وهكذا.

وهو أمر صعب على النفس خاصة إذا كان الشعور مقسماً بين بلدك الذي عشت فيه سنين عدداً، ومهجر بارد اضطررت للعمل ثم العيش فيه، تفتقد فيه لكل ما كنت تألفه في بلدك.

ولكن ما بالك بشعور أهل الثغور مثل أهلنا في غزة أو الضفة الغربية، أو أهلنا قبل ذلك في سورية، أو أهلنا في السودان مع الحروب والنزوح الاضطراري؟! تخيل أنك تترك كل حالك ومالك لا مرة واحدة، ولكن عشرات المرات، ولا تكاد تضع جنباً تستريح فيه في مكان لتتمكن من الخلود إلى النوم، إلا وتضطر لتركه إلى مكان آخر، أو حتى إلى بلد آخر، كم يكون هذا الأمر قاسياً على النفس، وبلا شك قاسياً على الجسد.

فما بالك وقد اضطربت أحوال المنطقة، خاصة منذ ما سمي بثورات «الربيع العربي»، وما تلاها من ثورات مضادة، وموجات اللجوء والنزوح والهجرات الاضطرارية التي تلتها، ثم ما حدث منذ 7 أكتوبر من متغيرات تحولت المنطقة كلها معها إلى ساحة حرب جارية أو حرب محتملة، طائرات تقصف، وقنابل أو صواريخ تسقط، ومسيرات تضرب، وفي المجمل حالة من انعدام الألفة، وحلَّ محلها الفزع أو الترقب الذي يقض مضجعك، ويخرجك من الراحة والألفة إلى القلق على أمانك أو على رزقك!

فما بالك إذا كان الترف يأخذ الإيلاف إلى مستوى أعلى وأنعم، حيث يعتاد الإنسان على مستوى عالٍ من المعيشة المرفهة، من مسكن مرفه، ومركبات فارهة، ومتطلبات عيش وفيرة، وملذات يغرق فيها الإنسان بلا قلق، وهو مستوى تروج له الدراما العربية، لذلك يسعى ويلهث الكثيرون للوصول إليه!

الفتن والحروب

مكمن الخطورة في ذلك، عندما يتحول إلف النعمة والتنعم بها أياً كان مستواه إلى تعلق قلبي، أو اعتياد لا يتصور الإنسان أن يخرج منه إلى غيره، ناهيك عن أن يكون غيره هذا بؤساً أو شقاء، أو خوفاً وهلعاً ورعباً، هنا تأتي المعاناة في زمن الفتن والحروب، معاناة نفسية بالأساس قبل أن تتجسد في ظروف مادية قاسية.

لا يدعو هذا المقال بكل تأكيد إلى أن يخرج الإنسان طواعية من ظروف عيش أو نِعَم أنعم الله عليه بها: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف: 32).

ولكن نظن أننا بحاجة إلى بعض الأمور:

أولاً: أن ننظر في أحوال الدنيا وتقلباتها، بين غنى وفقر، وصحة ومرض، واستقرار وكثرة تنقل، وهي التقلبات التي تزداد وتيرتها أو حدتها حين تأتي فجأة بشكل أكبر في أزمنة الفتن والحروب، وأن نعرف أن الدنيا كلها متاع مسافر، وأن الآخرة هي دار القرار.

ومن هذا الباب، فإننا نوطن أنفسنا وأهلينا وأولادنا ونؤهلهم نفسياً إلى أن النعم قد لا تدوم، وأن ما يألفونه قد يضطرون يوماً إلى تركه حتى في غياب الحروب، فطبيعة الحياة هي التقلب بين نعمى وبؤسى، والاضطرار إلى التنقل من أماكن عمل أو مقرات سكن إلى أخرى، وأحياناً الانتقال من بلدان إلى أخرى.

ثانياً: ربما يدعونا هذا النظر إلى عدم المبالغة في الترف، وإلى عدم مراكمة المتاع، وإلى التحلي ببعض البساطة في العيش، وهو ما يسميه أهل العصر بمبدأ «الحد الأدنى» (minimalism)، ويسمى في حضارتنا بالزهد، ويعني أنك تستطيع التزود من متاع الدنيا كماكينة اقتصادية، ولكنك تزهد في ذلك بإرادتك، فيخفف هذا من أحمالك إذا اضطررت لترك ما تألفه.

ثالثاً: أن تتفقد أحوال من حُرموا، وترى أحوالهم أنت وأهل بيتك، وأن تعطي مما أعطاك الله من فضول الصحة والرزق لغيرك ممن حُرموا منها، فذلك يخفف من درجة إلفك، ويجعل الدنيا في يدك المعطاءة، وليست في قلبك، فيبخل.

رابعاً: قد يستطيع الإنسان أن يأخذ نفسه وأولاده في بعض الأوقات بالتدرب على بعض الخشونة وشظف العيش من خلال أنشطة الكشافة الجادة والمتدرجة في بيئات مختلفة براً وبحراً، أو من خلال غير ذلك من الأنشطة التي تعود الناس على الخروج طوعاً وتدرباً من نطاقات راحتهم التي ألفوها إلى ما لا يألفونه ولا يستطيبونه كل حين.



اقرأ أيضاً:

كيف نشكر الله تعالى على نعمه؟

4 مسائل في الزهد تجعلك مقبولاً بين الناس

شُكْر النِّعَم.. 10 طرق عملية لشكر الله

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة