حقائب الأبناء مثقلة بأحلام الآباء!

حقائب الأبناء مثقلة بأحلام الآباء!

في مثل هذه الأيام من كل عام، تتجدد مواسم العودة إلى مقاعد العلم، فتستعيد الأسر الإيقاع الدراسي المألوف، الذي تتجاور في أنغامه فرحة البدايات وقلق النتائج، فتعود معها أحاديث وأحلام المستقبل والتخصص والنجاح، وما ينبغي للابن أن يصير إليه حين يكبر.

غير أن هذا المشهد السنوي يحمل طبقة أعمق من تفاصيله الظاهرة؛ إذ قد تستقر في الحقيبة المدرسية إلى جانب الكتب والكراسات، أحلام قديمة حملها الآباء طويلاً على كواهلهم، حتى وجدت طريقها إلى حقائب الأبناء، لتستقر من جديد على كواهل الجيل الجديد.

أحلام الآباء

وينشأ هذا الميل الأبوي غالباً من منطقة إنسانية شديدة التعقيد؛ من رغبة أحد الوالدين في أن يمنح ابنه ما افتقده في صغره، فيحاول جاهداً أن يجنبه الحيرة والندم، وأن يفتح أمامه الأبواب التي أغلقتها الظروف يوماً في وجهه، فيميل به نحو المسار الذي يراه أكثر أماناً، وأقرب إلى بلوغ النجاح.

لكن هذا الحب كثيراً ما يختلط بالخوف، حتى يتجاوز أثره أحياناً حدود النصيحة والإرشاد، فيتحول الطفل تدريجياً من إنسان يُسانده والداه في اكتشاف طريقه إلى شخص يُراد له أن يُطابق صورة جرى تحديد ملامحها سلفاً، فيمضي عمره داخل إطار لم يختره، مكتفياً بأن يطابق الصورة المرسومة له.

ذلك لأن الطفل في سنواته الأولى يتعرّف إلى العالم من أقرب الوجوه إليه، فيتعلم من أبويه معاني الأمان والخوف والنجاح والفشل، وما يستحق السعي وما يستلزم الحذر.

وما يسمعه في أحاديثهما اليومية، وما يلتقطه من لحظات الرضا والقلق، يتسلل إلى وعيه ويُسهم في تكوين نظرته إلى الحياة، حتى تتراكم تلك الخبرات في داخله، وتتحول مع الزمن إلى معايير داخلية يستند إليها في اختياراته الحياتية.

ولهذا، تصبح المسألة أعمق من أن يرث الابن أحلام والديه القديمة؛ فقد يرث ما هو أبعد من الأحلام ذاتها؛ المعيار الذي يحكم بها على قيمة الأشياء.

تصور محدد للحياة

الطفل الذي ينشأ في بيئة تربط النجاح بالمال أو مكانة اجتماعية بعينها، يتلقى تصوراً محدداً للحياة الجديرة بالاحترام، قبل أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من فحص هذا التصور ومراجعته.

وفي المقابل، قد تكتسب بعض مسارات الحياة قيمة استثنائية في نظر الأسرة والمجتمع، بينما تُحاط مسارات أخرى بنظرة دونية لمجرد اختلافها عن النموذج السائد.

وحين تستقر هذه المعايير في الوعي مبكراً، قد يبدو الاختيار لاحقاً شخصياً ومستقلاً، بينما تمتد جذوره إلى أفكار سبقت لحظة الاختيار نفسها، وهنا يظهر الفارق بين توجيه يفتح أمام الابن طريق اكتشاف ذاته، ووصاية تحدد له الطريق الذي ينبغي أن يسلكه.

فالتوجيه يوسّع مجال الاختيار؛ يفتح أمام الطفل أبواب المعرفة، ويعرّفه بعوالم متعددة، ويمنحه فرصة التجربة مرة بعد مرة، ويشرح له أيضاً كلفة الخيارات ومواضع الخطر فيها.

أما الوصاية فتضيّق مجال الاحتمالات، وترجّح مساراً بعينه، وتربط الرضا الأسري بنتيجة محددة، فتصبح بعض الاختيارات محمّلة بالخوف أو الذنب.

والابن قد يستجيب لهذا التأثير بدافع نبيل؛ الحب والامتنان والرغبة في إسعاد والديه.

فيتعلم شيئاً فشيئاً أن الطريق الذي يحظى برضاهما أكثر أماناً من الطرق التي يكتشفها بنفسه، وأن النجاح الذي يحتفي به البيت يستحق أن يُقدّم على طموحاته وأحلامه الخاصة، حتى يصبح مع الوقت بارعاً في أداء الأدوار المنتظرة منه، بينما تظل علاقته بذاته أقل وضوحاً.

اكتشاف الذات

ولهذا، يبدأ اكتشاف الذات قبل لحظة اختيار التخصص أو المهنة بسنوات طويلة، وتظهر ملامحه في التفاصيل الصغيرة والمتكررة من سلوك الطفل، مثل: سؤال يلح عليه طلباً للإجابة، أو جهاز يفككه ليفهم آليته، أو حكاية ينسجها من وحي خياله، أو مسألة يحتمل مشقتها لأن وراءها معنى يستحق الاكتشاف.

ومن تراكم هذه التفاصيل الصغيرة، تتكشف العلامات الأولى لما يجذبه وما يجيده وما يستطيع أن يبذل فيه جهداً ممتداً.

غير أن معرفة الإنسان بما يجيده تظل خطوة أولى؛ فالاختيار في عمقه يقوم على تصور الإنسان للقيمة، إذ لا يتعلق بما يجيده فحسب، بل بما يراه جديراً بأن يبذل فيه عمره وطاقته وتضحياته، وما يمنح حياته معنى يستحق أن يُعاش.

وهنا يصل النضج إلى معناه الأعمق، حين لا يكتفي الإنسان بالنظر في اختياراته، بل يعود إلى المعايير التي تشكلت داخله ووجّهت نظرته إليها، فيتبين له أي جزء منها خرج من معرفته وتجربته، وأي جزء تكوّن تحت تأثير توقعات الأسرة وصورة المجتمع عن النجاح.

الوصاية على المستقبل

وتزداد المسألة تعقيداً حين يخضع الجميع لنموذج اجتماعي واحد للنجاح؛ فالمجتمع الذي يعرض نموذجاً واحداً للحياة الناجحة، يضيّق مساحة الاختلاف من حيث لا يشعر، والأسرة التي تتبنى هذا النموذج دون مراجعة قد تدفع أبناءها نحو خوض مسارات متشابهة، مع أن الحياة تتسع لتنوع القدرات والمهارات والميول التي يصنع من خلالها الإنسان أثره الباقي.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم معنى الوصاية على المستقبل بوصفها تجاوزاً للتأثير الإنساني الطبيعي إلى محاولة تهيئة البيئة التي سيصدر القرار داخلها، وذلك عبر تضييق البدائل وترجيح مسار بعينه وربط القبول المجتمعي والرضا الأسري بتحقيق نتيجة محددة.

والمفارقة هنا أن هذه الوصاية قد تنشأ من مصدر يبدو في ظاهره بعيداً عن السيطرة؛ من الحب ذاته، ومن الخوف الصادق على الابن.

وحين يمتزج هذا الحب بالخوف، فقد يتحول الحرص على مستقبله تدريجياً إلى محاولة للسيطرة على المستقبل نفسه.

وعند ذلك تكون التربية قد بلغت ذروة نضجها، فيعرف الابن جذوره ويفهم ما أسهم في تكوينه، ثم يختار بوعي ما يستحق أن يحمله معه إلى المستقبل.

فالحب الذي يمنح الابن جذوراً عميقة، لا يحتاج إلى أن يحدد له اتجاه نموه ومقدار علوّه؛ إذ يكفيه أن يرعاه ويسانده حتى يشتد عوده، ثم يترك له أن يمد أغصانه نحو السماء.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة