أحكام الطفل في الشريعة الإسلامية (4)

حكم اصطحاب الأطفال إلى المساجد وضوابطه

مقال بعنوان حكم اصطحاب الأطفال إلى المساجد وضوابطه

لعل من المسائل الملحة التي لا يكاد يخلو مسجد أو جماعته من الاحتياج إليها مسألة حكم اصطحاب الأطفال إلى المساجد في صلوات الجماعة، حيث نرى في الغالب نزاعاً ثلاثياً بين جماعة المسجد في هذه المسألة:

الفريق الأول: يرفض اصطحاب الأطفال إلى لمساجد معللاً ذلك بأن الغالب من شأنهم التشويش على المصلين وإخراجهم عن الخشوع؛ مستدلين بحديث واثلة بن الأسقع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جنِّبوا ‌مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم..» (رواه ابن ماجه، وضعفه ابن الملقن والبوصيري، ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن ابن الجوزي أنه قال عنه: حديث لا يصح).

الفريق الثاني: مشجع لاصطحابهم، مؤيداً ذلك بشدة، معللاً بأنهم الجيل القادم ومستقبل الأمة، وينبغي أن نعودهم على دخول المسجد، ونصبر في سبيل ذلك على بعض التجاوزات منهم، فإذا لم يحتوهم المسجد صغاراً ويصبر عليهم لم يعْمروه كباراً، وهم في ذلك مستدلين بحديث «لعب الحسن، والحسين، على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة».

والفريق الثالث: يرى ألا نمنعهم مطلقاً، ولا نسمح لهم مطلقاً، إنما نجعل ضوابط لدخولهم المسجد وضبطهم بداخله حتى نعودهم المساجد ولا يؤثروا على المصلين.

وهنا تعرض كثير من الأفكار لضبطهم كجعلهم في صف مستقل ويقف بجوارهم من ينظمهم أو جعلهم في آخر المسجد، أو جعلهم في صف في وسط الصفوف، ويرى أصحاب هذا الرأي فيه جمعاً بين النصوص والعلل والفوائد.

ولو أبحرنا قليلاً في نهر الفقه ورسينا على ضفاف مذاهبه وفقهائه لوجدنا أن الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم قد تناولوا هذه المسألة بالبحث والتفصيل لتخرج لنا كافية بإذن الله لكل من طلب فقهها.

أولاً: الطفل المميز:

بداية، ينبغي أن نقرر أن المتتبع لكلام العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم يجدهم يتفقون على أن اصطحاب الطفل المميز الذي يفقه الطهارة ومكانة الصلاة وآداب المسجد ولا يشوش على المصلين ولا يكثر العبث ويعي وينضبط إذا وجّه؛ من الأمور الحسنة التي تشملها وتحض عليها نصوص كثيرة عامة وخاصة من الوحي الشريف؛ قراناً وسُنة، ومن أمثلتها:

1- ما رواه البخاري، ومسلم، في «صحيحيهما»، عن أبي قتادة الأنصاري؛ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حاملٌ أُمَامَةَ بنتَ زينبَ بِنْتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم»، قاله البدر العيني في «عمدة القاري» (4/ 304)، ومن فوائد الحديث جواز إدخال الصغار في المساجد.

2- وعن بريدة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يَخطُب، فأقبل الحسن، والحسين، رضي الله عنهما، عليهما قميصان أحمران، يَمْشيان ويَعثُران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما واحداً من ذا الشق وواحداً من ذا الشق، ثم صعد المنبر فقال: «صدق الله: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: 15)؛ إني لَمَّا نَظَرْتُ إلى هذين الغلامين يَمْشيان ويَعثُران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلتُ إليهما» (رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم).

3- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أعْتَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء، وذلك قبل أن يفشوَ الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء والصبيان، فخرج فقال لأهل المسجد: «ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم» (رواه البخاري، ومسلم)؛ قال ابن رجب: والمقصود أن الصبيان كانوا يشهدون مع الرجال الصلاة المكتوبة في المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم. (فتح الباري لابن رجب، 5/ 303).

ثانياً: الطفل غير المميز:

وهو الطفل الذي لا يعي اجتناب النجاسات ولا يوجد من يجنبه ذلك، وكذلك الطفل الذي يشوش على المصلين ويقطع خشوعهم بكثرة عبثه وارتفاع صوته ولا ينضبط إذا وجّه؛ فهذا ينبغي ألا يؤخذ إلى المسجد حتى يعقل ويميز وينضبط، وذلك مراعاة لعدم التشويش على المصلين وصوناً لمكانة المسجد وطهارته.

فيُنقل عن العلماء في مسألة إدخال الصبيان إلى المسجد عدة أقوال:

الأول: يجوز دخول الطفل المميِّز للمسجد، وأما غير المميز فيُكره دخوله ولا يحرم؛ وينسب هذا القول لأكثر العلماء من المالكية. (المدونة (1/ 195)، وأسهل المدارك (3/ 371)، والشافعية المجموع للنووي (2/ 176)، والحنابلة- مطالب أولي النهي (2/ 257)).

الثاني: إذا علم أو غلب على الظن تلويث الطفل للمسجد وتنجيسه يحرم دخوله، وينقل هذا التفصيل عن الحنفية. (الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، ص320، وحاشية الدر المختار لابن عابدين (1/ 656) والشافعية: مغني المحتاج، 1/426)).

الثالث: جواز دخول الطفل للمسجد، وهو ينقل عن الظاهرية ونص عليه جموع من العلماء كالإمام الباجي، والقرطبي أبو العباس صاحب المفهم، والحافظ ابن حجر، والبدر العيني.. وغيرهم الكثير.

وقفة مع أقوال الفقهاء

وفي الواقع، ومع التأمل لهذه الأقوال المنقولة في هذه المسألة مع تتبع سياقاتها، نخرج بنتيجة مفادها أن هذه الأقوال لا تعارض بينها، إنما هي أحكام لعدة صور واحتمالات لهذه المسألة، فلا يتصور أن يقول عالم بأنه يسمح دخول المسجد لمن علم منه تنجيسه!

فالجواز المنقول عن جمع من الأئمة إنما هو بناء على الأحاديث التي نقلت وقائع للنبي صلى الله عليه وسلم فيها اصطحاب الأطفال أو إقرار لدخولهم المسجد، وهذا محمول على تحلي هؤلاء الأطفال بما يجوّز دخولهم من التميز وتجنب النجاسات وعدم التشويش على المصلين.

أما ما ينقل من تحريم الدخول أو كراهيته إنما هو بناء على كون هؤلاء الأطفال عُلم أو غَلب على الظن تلويثهم للمسجد وتنجيسه أو بناء على كمّ العبث الذي يظن منهم أحداثه داخل المسجد.

وهذا المعني يظهر جلياً من خلال ما يعلل به العلماء عند حديثهم عن هذه المسألة، وما يذكره بعضهم من ضوابط لإدخال الطفل إلى المسجد للصلاة أو لدروس القرآن والعلم أو لمطلق دخوله المسجد.

قال أبو العباس القرطبي: وفيه من الفقه جواز إدخال الصغار المساجد، إذا علم من عادة الصبي أنه لا يبول، وأن ثيابهم محمولة على الطهارة. (المفهم، 2/ 153)، وقال ابن الحاج المالكي وهو يذكر من ينزه المسجد عن دخولهم إليه: والصغار ومن ينزه المسجد عن أمثالهم ممن لم يتحفظ. (المدخل لابن الحاج، 2/ 213).

وقال ابن نجيم وهو يعدد ما يمنع إدخاله للمسجد: ومنها حرمة إدخال الصبيان للمسجد والمجانين حيث غلب تنجيسهم وإلا فيكره. (الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، 320)، وقال الخطيب الشربيني الشافعي: يحرم تمكين الصبيان غير المميزين والمجانين من دخوله؛ يعني المسجد، إن غلب تنجيسهم له؛ وإلا كره. (مغني المحتاج، 1/ 426).

ضوابط اصطحاب الطفل إلى المسجد

يمكن أن نجمل ضوابط اصطحاب الأطفال إلى المسجد في الآتي:

1- أن يجتنب النجاسات، أو يوجد من يجنّبه ذلك؛ حتى يأمن منه تنجيس المسجد.

2- ألا يعبث في المسجد العبث الزائد عن المعتاد بما يؤذي المصلين ويشوش عليهم ويمنعهم من إقامة الصلاة على الوجه المنضبط.

3- أن يكون مميزاً بحيث يَكفّ عن العبث إذا نُهي عنه.

4- ألا يؤدي اصطحابه إلى انشغال والده أو مصطحبه عن ضبط صلاته فضلاً عن أدائها بالصورة الصحيحة.

وهذه الضوابط منها ما لو عدم، حَرُمَ اصطحاب الطفل للمسجد، ومنها لو عدم بدرجة معينة، كُرِهَ اصطحابه من غير تحريم.

وعليه، فخلاصة القول في المسألة: إذا تيقن أو غلب على الظن أن هذا الطفل ينجس المسجد ويلوثه إذا دخله يحرم إدخاله، ومثله إذا كان كثير العبث بما يترتب عليه إخراج المصلين عن ضبط صلاتهم، مع كونه لا ينضبط ويَكفّ إذا كُفّ أو ضُبط، ويخفف الحكم من درجات التحريم إلى الكراهة بدرجاتها، ويرتفع الحكم إلى الإباحة والاستحباب على حسب العلم وغالب الظن بانضباط الطفل داخل المسجد ومدى ما يُحدثه من عبث وعلى مدى استجابته لمن يَكُفّه ويُوجّهه.

وبهذا يُجمع بين النصوص الشرعية الواردة في المسألة ويدفع ما يتوهم بينها من تعارض وتتضح أقوال العلماء فيها والمقصود منها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة