حين تتبدل المجالس.. محمد بن سيرين وميزان التلقي الديني
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة محمد بن سيرين(1) عن عبدالله بن مسلم المروزي، أنه كان يجالس ابن سيرين، ثم تركه وجالس الإباضية، فرأى في المنام كأنه
مع قوم يحملون جنازة النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لابن سيرين، فقال: «ما لك
جالست أقوامًا يريدون أن يدفنوا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم»(2).
يبدأ هذا الخبر
بتغيير مجلس، وينتهي بسؤال عن مصير المعنى الذي يحمله المجلس إلى صاحبه، وبين
البداية والنهاية تبرز قضية تتجاوز تعبير الرؤى: كيف يختار الإنسان من يتلقى عنه؟
ومتى يكون الانتقال بين الأفكار طلباً للمعرفة، ومتى يصبح تسليماً غير متنبّه
لموازين الآخرين؟ ثم كيف ينصح العالم من جاءه مسترشداً، فيصون المرجعية ولا يحوّل
النصيحة إلى انتصار لشخصه؟
أورد الذهبي
الخبر(3)، وهو خبر عن تابعي، لا حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، ومع عدم الجزم هنا بصحة إسناده، يمكن تأمل دلالته المروية، على أن تستند
الأحكام الشرعية إلى أدلتها الثابتة، وألا تتحول الحكاية إلى وسيلة للجزم بالنيات
أو إصدار أحكام عامة على الناس
منهج محمد بن سيرين في نقد مصادر التلقي
كان محمد بن
سيرين من أئمة التابعين بالبصرة، وروى عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وابن عباس وأنس بن مالك، وهذه المكانة العلمية مهمة لفهم الخبر؛ فصاحبه ليس معبّراً
للرؤى معزولاً عن العلم، وإنما عالم ينظر إلى ما يُعرض عليه من داخل عنايته بالدين
والرواية.
والمفتاح الأوضح
لمنهجه ليس حكاية المنام وحدها، بل كلمته التي رواها مسلم في مقدمة صحيحه: «إن هذا
العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»، إنها تنقل السؤال من مقدار ما يسمعه المرء
إلى أهلية من يسمع منه؛ فوفرة الكلام لا تكفي، وحسن عرضه لا يغني عن التحقق من
مصدره.
وفي ضوء هذا
الأصل، يمكن قراءة موقفه بوصفه تنبيهاً إلى مسؤولية التلقي، لا مجرد اعتراض على
مغادرة مجلسه، فالعالم الذي يجعل المعيار هو الدين يربّي السائل على ما يتجاوز شخص
المعلّم: الدليل، والأمانة، وحسن الفهم، وهذه حاجة باقية في التعليم والدعوة؛ إذ
لا ينبغي أن يكون نجاح المربّي في أن يظل المتعلم متعلقاً به، بل في أن يكتسب
ميزاناً يعرف به صحة ما يتلقاه، حتى حين لا يكون معلّمه حاضراً.
انتقال المجلس.. خطوة تتجاوز مجرد تبديل الأفكار
أول حركة في
الخبر ليست الرؤيا، وإنما الانتقال: «فتركته وجالست الإباضية»، وفي هذا الترتيب ما
يستحق التأمل؛ فقبل أن تظهر الصورة في المنام، كان قد وقع اختيار في اليقظة يتعلق
بمن يُجالس ويُسمع له.
وقد ضرب النبي صلى
الله عليه وسلم لأثر الصحبة مثلاً حسياً، فقال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل
المسك ونافخ الكير»(4)، ووجه الدلالة أن أثر الجليس لا ينحصر فيما
يقدمه صراحة؛ فقد ينال الإنسان من محيطه نفعاً أو أذى بمجرد القرب والملازمة.
ومن هنا يمكن أن
نطرح على أنفسنا سؤالاً أوسع من السؤال عن المعلومات: ما الذي أخرج به من هذا
المجلس؟ هل يعلّمني التثبت، أم يجعل السخرية بديلاً عن البرهان؟ هل يوسّع فهمي
للمسألة، أم يعلّمني ازدراء كل من يخالف أصحابها؟ وهل أجد فيه مساحة للسؤال، أم
يُطلب مني أن أُظهر الولاء قبل أن أفهم الحجة؟
ولا يقتضي هذا
أن كل لقاء موافقة، أو أن كل استماع تبنٍّ، لكنه يضع الاختيار موضع المسؤولية، وفي
الأسرة، يمكن أن يتحول هذا المعنى إلى حوار مع الأبناء حول أثر الأصدقاء والمحتوى
الذي يتابعونه، بدلاً من الاكتفاء بتسمية أشخاص مقبولين وآخرين مرفوضين، فالتربية
الأعمق تعلّمهم كيف يلاحظون أثر الصحبة في صدقهم، وإنصافهم، واهتمامهم بالعلم، لا
أن يحفظوا قائمة من الأسماء وحسب.
حدود الاستدلال بالرؤى بين الموعظة وإثبات الحقائق
لأن المنام يقع
في قلب الحكاية، فلا بد من وضعه في منزلته الشرعية، فقد بيّن النبي صلى الله عليه
وسلم أن الرؤيا أنواع: منها البشارة من الله، ومنها التحزين من الشيطان، ومنها ما
يحدث المرء به نفسه(5)؛ ولذلك لا يصح اعتبار كل صورة مؤثرة في المنام
رسالةً صادقة، ولا اتخاذ قوة الانفعال بها معياراً لصحتها.
ثم إن صدق
الرؤيا على فرضه، لا يجعل تعبيرها معصوماً، ففي حديث تعبير أبي بكر الصديق رضي الله عنه لرؤيا عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له الرسول صلى الله عليه
وسلم: «أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً»(6)، وإذا كان هذا قد قيل للصديق،
فغيره أولى بأن يُفهم تعبيره على أنه اجتهاد، لا كشف يقيني عن الغيب
وبذلك يستقيم
النظر في خبر محمد بن سيرين: يمكن تأمل المناسبة بين الصورة والتوجيه، من غير أن
نجعل المنام نفسه دليلاً على الاتهام، وفي واقع الناس، يحول هذا الضابط دون أن
تُبنى خصومة أسرية، أو تهمة أخلاقية، أو مفاصلة اجتماعية على رؤيا، فمن رأى ما
أقلقه فليس مطالباً بأن يفتش عن متهم في حياته؛ وقد أرشدت السنة من رأى ما يكره
إلى الاستعاذة بالله والنفث عن اليسار، وألا يستسلم للخوف منه(7).
فصل تصحيح الفكرة عن محاكمة كرامة صاحبها
يتيح الخبر
قراءة تربوية للنفس الإنسانية، لكنه لا يتيح تشخيصاً نفسياً لصاحبه، فلا نعرف
لماذا ترك عبدالله بن مسلم مجلس محمد بن سيرين، ولا مقدار اقتناعه بما سمع في
المجلس الآخر، ولا المشاعر التي سبقت منامه، ومن ثم لا يسوغ الجزم بأنه عاش صراعاً
مكبوتاً، أو أن الرؤيا كانت تفريغاً لشعور خفي بالذنب؛ فهذه احتمالات يضيفها
القارئ، وليست وقائع يذكرها الراوي.
أما الفعل الذي
يورده النص بوضوح فهو العودة للسؤال: «فأتيت ابن سيرين فذكرته له»، ومن زاوية
تربوية، يمكن النظر إلى هذه العودة بوصفها بقاءً لصلة الاسترشاد، حتى بعد انقطاع
المجالسة، فقد ظل الرجل يرى في ابن سيرين من يقص عليه ما أشكل، وهذه مساحة مهمة
لكل مربٍّ.
فحين يراجع ابنٌ
أو طالبٌ رأياً تبناه، ينبغي ألا يجد أول ما يجد محاكمةً لكرامته، وليس معنى ذلك
تجنب بيان الخطأ، وإنما الفصل بين تصحيح الفكرة وإذلال صاحبها، ويمكن للأب أو
المعلم أن يبدأ بالسؤال عما سمعه المتعلم، وما فهمه منه، وأين موضع الإشكال، ثم
يعينه على وزن ذلك بالدليل.
ولا يخبرنا النص
بما حدث بعد جواب محمد بن سيرين، فلا نضيف إليه توبة موصوفة أو تحولاً نهائياً، لكن
السؤال التربوي الذي يفتحه واضح: هل نبني علاقات تسمح بالمراجعة، أم نجعل الاعتراف
بالحيرة أكثر كلفة من الاستمرار فيها؟ إن ترك باب السؤال مفتوحاً ليس تنازلاً عن
الحق، بل وسيلة لإيصاله إلى من يحتاج إليه.
انتصار محمد بن سيرين للسُّنة لا لكرامة مجلسه
يلفت النظر في
الجواب، كما نُقل، أن مركز الاعتراض ليس خسارة ابن سيرين لجليس من جلسائه، بل ما
يراه متعلقاً بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن نستخرج من هذا البناء
معنى قيادياً مهماً: النصيحة الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى مطالبة بالوفاء الشخصي
للمعلّم.
فهناك فرق بين
قول المربّي: لماذا تركتني؟ وقوله: ما الدليل الذي بنيت عليه اختيارك؟ الأول يجعل
العلاقة محور القضية، والثاني يعيد المتعلم إلى مسؤولية الفهم، وقد تكون العلاقة
الطيبة عوناً على التعليم، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن الحجة.
ومع ذلك، ليس في
اختصار جواب الحكاية ما يثبت أن كل خطأ يعالج بعبارة حادة، أو أن الحزم يقتضي
إلغاء الرفق، فالأصل النبوي يقول: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من
شيء إلا شانه»(8)، والرفق لا يعني إخفاء الخطأ، وإنما إحسان الطريق إلى
بيانه.
نقد المقالات لا يبرر إطلاق الأحكام العامة
يذكر الخبر
الإباضية صراحة، والأمانة تقتضي إبقاء لفظه عند نقله، لكنها تقتضي أيضاً ألا
نحمّله أكثر مما يقول: فلا يورد النص تفصيلاً للمقالات التي سمعها الرجل، ولا
يسمّي سنناً أنكرها جُلساؤه، ولا يقدم مادة كافية للحكم على كل منتسب إلى هذا
المذهب في جميع الأزمنة.
ومن ثم، فبين
شرح موقف منقول عن محمد بن سيرين، وكتابة حكم شامل على جماعة ممتدة، مسافة لا يجوز
تجاوزها بغير علم، وكذلك لا يكفي ورود عبارة شديدة في خبر حتى تصبح إذناً للقارئ
بأن يجزم بمقاصد أشخاص لم يعرف أقوالهم ولا أحوالهم.
والميزان
القرآني هنا صريح: (وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8)، وقد بيّن القرطبي أن بغض القوم لا يسوّغ ترك
العدل فيهم، فالإنصاف ليس مجاملة للمخالف، بل تكليف يلازم الناقد، ولا يسقط عند
شدة الاختلاف.
وفي الكتابة
المعاصرة، يظهر هذا الإنصاف في نقل القول من مصدره، والتمييز بين عبارة صاحبه
وتفسير الناقد لها، وبين الخطأ في الفهم وتعمد إبطال الحق، ويمكن رفض فكرة بقوة،
من غير اختراع دوافع لقائلها أو تحميل جميع من ينتسب إليه تبعتها، ومن أراد أن
يصون السنة، فمن صيانتها أن يحفظ في نقده الصدق والعدل، وألا يستعير وسائل تناقض
المعنى الذي يدافع عنه.
كيف نتحرى صحة المقاطع الدينية قبل نشرها؟
يمكن نقل سؤال
المجلس إلى عادات المتابعة اليومية: أي الأصوات نسمح لها بأن تشرح لنا الدين،
وتفسر لنا الناس، وتحدد لنا ما يستحق الغضب أو الثقة؟ وليس المقصود مساواة كل
محتوى رقمي بالمجالس المذكورة في الخبر، وإنما استحضار مسؤولية الاختيار في صورة
جديدة.
ويضع القرآن
أصلاً جامعاً لهذه المسؤولية: (وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، فالعبرة ليست
بمجرد وصول القول إلينا، بل بما نملك من علم حين نقبله أو ننقله أو نحكم به على
الآخرين
ويمكن ترجمة هذا
الأصل إلى ممارسة واضحة: قبل مشاركة مقطع ديني، نبحث عن مصدر النص الذي يستند
إليه، وننظر هل نُقل كاملاً في موضع الاستدلال، ونميز بين الحديث النبوي وكلام
الشارح، وبين الواقعة الموثقة والتفسير المحتمل لها، وقبل قبول حكم على شخص أو
جماعة، نسأل عن القول المحدد محل النقد، وعن عدالة عرضه، لا عن مقدار الثقة في صوت
المتحدث.
ثم إن صيانة
السنة ليست عملاً دفاعياً فحسب، فالمحبة التي لا تصل إلى الاتباع تظل ناقصة الأثر،
وقد قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) (آل عمران: 31)، وبذلك يعود الاهتمام بالمصادر إلى غايته: أن نعرف
الهدي لنعمل به، وأن يظهر أثر التعلم في صدق المعاملة، وأداء الحقوق، وحسن الخلق،
لا في براعة التصنيف وحدها.
غاية صيانة الأثر النبوي.. استقامة العمل والأخلاق
تفتح حكاية محمد
بن سيرين، حين تُقرأ بحدودها، سؤالاً يستحق أن يصحب القارئ بعد انتهاء المقال: ما
الذي تفعله مصادر معرفتي بطريقة نظري إلى الحق والناس؟ أتصنع مني متلقياً أشد
تثبتاً وإنصافاً، أم تمنحني يقيناً سريعاً لا يحتمل السؤال؟
وليس المطلوب أن
نخاف كل فكرة، ولا أن نطمئن إلى كل متحدث؛ وإنما أن نتعلم حسن الاختيار، وأن نبقي
باب المراجعة مفتوحاً، وأن نجعل الدليل فوق جاذبية الصورة وقوة العبارة، فالرؤيا
لا تغني عن العلم، والحزم لا يغني عن الرفق، والانتماء لا يعفي من العدل.
وأصدق ما نحفظ به الأثر النبوي أن نجمع بين أمانة نقله وحسن العمل به: نتحرى قبل أن ننسب، ونتثبت قبل أن نحكم، وننصح من غير أن نظلم، عندئذ يصبح اختيار المجلس خطوة في تربية القلب والعقل معاً، لا مجرد انتقال من جماعة إلى أخرى.
الهوامش
- 1 محمد بن سيرين الإمام شيخ الإسلام أبو بكر الأنصاري الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- 2 سير أعلام النبلاء (1/ 617).
- 3 رواه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (563).
- 4 متفق عليه، رواه البخاري (5534)، ومسلم (2628).
- 5 صحيح مسلم (2263).
- 6 رواه مسلم (2269).
- 7 صحيح مسلم (2261).
- 8 رواه مسلم (2594).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً