حين يصبح الإنجاب هدفاً.. كيف تهدد الحرب مستقبل الأسر في غزة؟
لم تعد الحرب في
قطاع غزة تقتصر على القصف والتجويع والتهجير، بل امتدت آثارها إلى أحد أكثر
الجوانب الإنسانية حساسية، وهو الحق في الإنجاب وتكوين الأسرة، فمع استمرار
العمليات العسكرية، وتدمير المرافق الصحية، وتعطل خدمات رعاية الأمومة، واستهداف
مراكز علاج العقم، يواجه آلاف الفلسطينيين واقعًا يجعل حلم إنجاب الأطفال أكثر
صعوبة من أي وقت مضى.
وتحذر منظمات
دولية وخبراء في الصحة الإنجابية في غزة من أن ما يجري لا يقتصر على ارتفاع أعداد
الضحايا، بل يشمل ظروفًا تؤثر بشكل مباشر في الخصوبة والقدرة على الإنجاب، سواء
نتيجة سوء التغذية، أو الضغوط النفسية الشديدة، أو نقص الأدوية والعلاجات، أو
انهيار النظام الصحي.
الحرب على غزة تهدد الحق في الإنجاب
لم تعد تداعيات
الحرب على غزة محصورة في الخسائر البشرية والدمار المادي، بل امتدت إلى مستقبل
الأسر الفلسطينية، مع تراجع الخدمات الطبية المرتبطة بالحمل والولادة وعلاج العقم؛
ما جعل آلاف الأزواج يواجهون تحديات كبيرة للحفاظ على فرص الإنجاب.
تدمير المرافق الصحية وتعطيل علاج العقم
ومنذ اندلاع
الحرب، تعرضت المستشفيات والمراكز الطبية لأضرار جسيمة، وأصبح الوصول إلى خدمات
رعاية الحوامل والولادة أمرًا بالغ الصعوبة، كما توقفت خدمات علاج العقم في غزة
والإخصاب المساعد بعد تدمير أو تعطيل المراكز المتخصصة.
وحرم ذلك آلاف
الأزواج من استكمال رحلتهم العلاجية، في حين تعيش النساء الحوامل ظروفًا قاسية
بسبب نقص الغذاء والمياه النظيفة والفيتامينات والأدوية الأساسية، إلى جانب ضعف
المتابعة الطبية.
وتؤكد كوادر
طبية أن هذه الظروف تزيد من احتمالات الإجهاض والولادة المبكرة، كما تؤثر في صحة
الأجنة وحديثي الولادة.
وقال المرصد
الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، خلال الحرب على غزة: إن «إسرائيل» استخدمت مجموعة من
التدابير التي يرى أنها تهدف إلى منع الإنجاب داخل القطاع، معتبرًا أن هذه
الإجراءات قد تندرج ضمن الأفعال المحظورة في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وبحسب المرصد،
تشمل هذه التدابير استهداف المستشفيات وأقسام الولادة والرعاية الصحية الإنجابية،
وتدمير أو تعطيل مراكز علاج العقم والإخصاب، بما فيها مراكز أطفال الأنابيب، ومنع
أو تقييد دخول الأدوية والمستلزمات الطبية الخاصة بالحمل والولادة والصحة
الإنجابية.
كما تشمل تعريض
النساء الحوامل لأخطار شديدة نتيجة القصف والنزوح وسوء التغذية وغياب الرعاية
الطبية وتدمير البنية الصحية، بما أدى إلى ارتفاع أخطار الحمل والولادة وفقدان
الرعاية الأساسية للأمهات والمواليد.
كيف تؤثر الحرب على خصوبة الرجال والنساء؟
ولا يقتصر تأثير
الحرب على النساء فقط، إذ يشير أطباء إلى أن التعرض المستمر للتوتر الشديد، وسوء
التغذية، والإصابات، والمواد الناتجة عن الانفجارات، قد ينعكس أيضًا على الصحة
الإنجابية لدى الرجال، ويؤثر في الخصوبة على المدى القريب والبعيد، وهو ما يستدعي
دراسات علمية طويلة الأمد.
شهادات من غزة.. معاناة الأزواج مع تأخر الإنجاب
في أحاديث
منفصلة لـ«المجتمع»، تحدث رجال ونساء عن تعرضهم لمضاعفات صحية أثرت على فرص
الإنجاب.
يقول الشاب صخر
حجازي: تزوجت قبل الحرب بعامين، وأنجبت طفلة دون أي وجود مشكلات في الإنجاب سواء
عندي أو زوجتي، وعندما توقفت الحرب وأردت إنجاب طفل آخر، لم يعد هناك فرصة وأواجه
مشكلات كبيرة في الخصوبة، ولم تعرف الأسباب، لكن جميع الأطباء قدروا ذلك من آثار
الحرب.
وأضاف أنه ومنذ
عام ونصف عام يتنقل من طبيب لآخر أملًا في تكوين أسرة، لكن رغم تناوله كافة
الأدوية، فإن وضعه الصحي لم يتحسن، ولا يستبعد أن تكون المجاعة القاسية وغبار
الصواريخ المستخدمة خلال الحرب سبباً رئيساً في معاناته، في حين يأمل أن يسمح له
بالخروج إلى جمهورية مصر وتلقي العلاج قبل فوات الأوان.
أما إيمان
إبراهيم، فتواجه هي الأخرى مشكلة في الحمل، رغم أنها لم تكن تعاني قبل الحرب من أي
مشكلات في التبويض والحمل، لكن بعد إجراء فحوصات طبية تبين أنها تعاني من تجلط
الدم داخل الرحم؛ ما يؤدي إلى إجهاض الحمل.
وتقول: إنها
تعرضت لاستنشاق دخان قذائف الفوسفور التي أطلقها الجيش «الإسرائيلي» على الحي الذي
تسكنه بداية الحرب في شمال قطاع غزة، وتبين لها بحسب أحد الأطباء أن هذه القذائف
تؤدي إلى العقم وضعف عمليات الإنجاب، مشيرة إلى أن كثيرًا من النساء تعرضن خلال
الحرب لهذه القذائف وغيرها.
انهيار خدمات الصحة الإنجابية في غزة
تقول طبيبة
النساء والتوليد د. أماني الطلاع: الحرب تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على الصحة
الإنجابية للنساء والرجال، فنحن نلاحظ ارتفاع معدلات الإجهاض، والولادات المبكرة،
وسوء التغذية لدى الحوامل، إضافة إلى الضغوط النفسية الشديدة التي قد تؤثر في
الخصوبة ومسار الحمل.
وأشارت، في
حديثها لـ«المجتمع»، إلى أن انهيار المختبرات ونقص الكواشف الطبية أثر على إجراء
الفحوصات اللازمة لتشخيص مشكلات الخصوبة أو متابعة الحمل، بالإضافة إلى أن أقسام
الولادة تعاني من نقص حاد في المعدات والأدوية، ما يضاعف الأخطار على الأمهات
والأطفال.
وأضافت أن إغلاق
المعابر وصعوبة السفر منع آلاف المرضى من الوصول إلى العلاج خارج القطاع، بمن فيهم
الأزواج الذين كانوا يتلقون برامج علاج للعقم أو يحتاجون إلى تدخلات طبية غير
متوفرة داخل غزة، فتوقفت خططهم بشكل كامل.
وأوضحت أن
النساء الحوامل يواجهن ظروفًا قاسية تشمل النزوح المتكرر، وسوء التغذية، ونقص
المياه النظيفة، وشح الأدوية، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات؛ ما يضاعف الأخطار على
الأم والجنين، في حين تشير تقارير طبية إلى أن تدهور خدمات الصحة الإنجابية ستكون
له آثار تمتد لسنوات.
مستقبل الأسر في غزة تحت وطأة الحرب
وسط حرب خلفت
آلاف الضحايا ودمرت أجزاء واسعة من القطاع الصحي، تبقى القدرة على الإنجاب وتكوين
الأسرة إحدى أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا لسكان غزة.
وفي الوقت الذي
يواصل فيه آلاف الأزواج البحث عن فرصة للإنجاب أو استكمال علاجهم، تبقى استعادة
الرعاية الصحية وحماية المدنيين وضمان الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية شرطًا
أساسيًا للحفاظ على الحق في الصحة والحق في تكوين أسرة، وفقًا لما يكفله القانون
الدولي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً