حين يفقد الصراع إنسانيته.. مَن يدافع عن المدنيين؟

عامر شماخ

01 أبريل 2026

210

حين يفقد الصراع إنسانيته.. مَن يدافع عن المدنيين؟

في أوقات الحروب، وحين تسود لغة السلاح، يتحوّل الصراع إلى وحش كاسر يدمّر كلَّ ما حوله، وعلى رأسه الإنسان، متجردًا من الأخلاق، ليغدو غاية في ذاته، لا وسيلة لإحقاق الحق أو دفع الباطل.

وما نراه اليوم في المشهد الإقليمي، من الحرب «الإسرائيلية» الأمريكية على إيران، وتصاعد الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، حيث تتشابك خرائط المصالح والإرادات الدولية، يكشف بوضوح عن هذا التحوّل الخطير، فالإنسان هو من يدفع الثمن، ويُقاس بالأرقام لا بالأرواح، وتُختزل مآسيه في عناوين عاجلة يسهل تجاوزها.

من المفترض ألا يكون المدنيون طرفًا في معادلات القوة، وألا يدفعوا ثمن الصراع، من الشعور بالهشاشة، وافتقاد الحياة الكريمة، أو أن يُختزل أحدهم في لفظ نازح، أو لاجئ، أو ضحية، وأن حياته يمكن أن تُمحَى دون أن يؤثر ذلك في مسار الأحداث، وهنا تكمن المأساة، ليس فقط في الألم الذي يعيشه إنسان الحرب، بل في اعتياد العالم على هذا الألم، وفي قدرته على تجاوزه دون اكتراث، وعدم دهشته لفداحة المشهد.

وفي عصر الثورة الرقمية، يزداد الأمر خطورة؛ حيث تُفتقد الحيادية ويعزُّ الإنصاف؛ إذ بات الإعلام يصطف إلى أطراف الحرب، فتُنتقى زوايا بعينها، وتبرز مشاهد وتختفي أخرى، وفق سرديات مسبقة، فيصبح المدني رهينة الوسائل الإعلامية، بقدر ما هو رهينة الصراع؛ حيث أُريد له أن يُرى، أو أن يُغيَّب، حسب إرادة صاحب الرواية الأكثر صخبًا والأعلى صوتًا.

فقه الصراع في الإسلام.. ضوابط لا انفلات

أما الحربُ في الإسلام، فهي نموذج إنساني راق، لا يترك الصراع بلا ضوابط، ولا يطلق يد العبث والتدمير تفتك بغير المحارب، بل تحفظ له مكانته، ضمن إطار أخلاقي صارم، يمنع الظلم والعسف، وينظر إلى الإنسان بوصفه أصلًا وليس حاشية، ونفسًا لها حُرمتها، ولها حقُّها في الأمن، والذي لا تسقطه أي ذريعة.

ويحدد القرآن الكريم الغاية من القتال كونه تحقيقًا لمراد الله تعالى، وليس رغبة في القتل والتدمير، وكونه أيضًا مانعًا للفتنة: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (النساء: 76)، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة: 193)، وما خلا ذلك فالسلم أولى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (النساء: 90).

وبهذا؛ فإن غاية الحرب في الإسلام ليست السيطرة على الشعوب، ونهب مواردها وخيراتها، أو استعباد إنسانها، بل تحريره من نيْر الظلم والطغيان، وعصمة دمه وماله، وهو ما يفسّر أن القتال في الإسلام لم يُشرع بصيغة من صيغ الأحكام، مثل «وجب» أو «شُرع» أو «فُرض»، بل جاءت أولى آياته بصيغة الإذن: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ {39} الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج)، وهو –أي القتال- أمر قد اعتاده البشر، رغم مفسدته، يخوضه المسلمون مضطرين، لدفع مفاسد أكبر، وللحيلولة دون العدوان عليهم، ولكبح شرور المجرمين.

حماية المدنيين وعدم الإفساد والترويع

ضرب الإسلام أروع الأمثلة في النبل والفروسية، والإحسان لغير المحاربين، عكس ما نراه في الحروب الحديثة، ولعل ما قامت به المقاومة الفلسطينية في تعاملها مع أسرى الصهاينة في غزة لهو خير دليل على ما نقول، رغم ما فُعل بالأسرى الفلسطينيين في سجون اليهود.

ففي ديننا لا يُقتل إلا المقاتل؛ (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)، وفي وصية لأبي بكر رضي الله عنه لقائد جيشه: «وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاةً، ولا بعيرًا، إلا لمأكلة، ولا تقطعن نخلًا ولا تحرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن» (الموطأ، كتاب الجهاد)، بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات الحرب أن يُفرَّق بين المرأة وولدها.

وفي ديننا، إذا وقعت الحرب أُمرنا بإكرام الأسرى؛ (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان: 8)، ونُهينا عن الإفساد والإضرار بحياة وممتلكات المدنيين؛ (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) (الأعراف: 56)، وعن التدمير والتخريب، كما جاء في وصية أبي بكر السابقة، وألّا نروّع القوم بالإغارة عليهم ليلًا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم «إذا غزا قومًا لم يُغر حتى يصبح، فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار بعدما يصبح» (رواه البخاري).

ونُهينا في الحروب عن النهب؛ «من انتهب فليس منّا» (رواه الإمام أحمد)، وعن تضييق المنازل وقطع الطرق؛ «من ضيَّق منزلًا أو قطع طريقًا فلا جهاد له» (رواه أبو داود)، وعن قتل رسل العدوّ؛ «والله لولا أن الرسل لا تُقتل لضربتُ أعناقكما» (رواه أبو داود).

كيف نستعيد إنسانية الصراع؟

حين نستحضر أخلاقيات الصراع في الإسلام، فإننا لا نستحضرها بوصفها تراثًا نظريًّا، بل كمعيار حي، وجب أن يكون حاضرًا في ممارساتنا.

إن من يراقب المشهد الحالي يجد فجوة عميقة بين المبدأ والتطبيق؛ حيث تحوّلت الانتهاكات ضد المدنيين إلى نمط مألوف تحت عناوين فضفاضة مثل «الضرورة»، و«المصلحة».

والدفاع عن حقوق المدنيين في أزمنة الحرب -وهم لا يملكون قرارها ولا أدواتها- لا يكون بالدفاع عنها فقط، بل برفض اللغة التي تبررها، وبالسرديات التي تحاول الإقناع بها والتطبيع معها.

لا بد أولًا من إعادة الاعتبار لحق الإنسان المدني في الحياة، فلا صراع من أي نوع يمكن أن يبرر استباحة حياته، ولا بد من التأكيد على مبدأ العدالة الإنسانية في أوقات الحرب كما في أوقات السلم، ولا بد من استعادة الدور الحقيقي للإعلام ومنظمات المجتمع المدني، هذا الدور الذي يجعل الإنسان الضحية هو محور الحسابات، وليس هامشًا فيها.

وهنا تتعدى المسؤولية من مجرد متابعة الأحداث أو الانفعال العاطفي بها إلى التحرك من جانب الأفراد والمجتمعات جميعًا لإنصاف الإنسان، فمدار الإسلام حول الأمن والعدالة والرحمة التي لا تتوقف عند حدود الانتصارات أو الهزائم العسكرية أو السياسية.



اقرأ أيضاً:

4 مظاهر لانهيار الأخلاق في الحروب الحديثة

نظرية الحرب في الإسلام ومبدأ المعاملة بالمثل

أخلاقيات السياسة الشرعية في التعامل مع العدو المحارب

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة