دروس خليجية من الحرب الأخيرة

دروس خليجية من الحرب الأخيرة

كانت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» من جهة، وإيران من جهة أخرى، مليئة بالدروس السياسية والدبلوماسية والميدانية والنفسية والإنسانية على مستوى الدول والشعوب.

حرب غير تقليدية

ولاحظنا أن الحرب لم تكن حرباً تقليدية، بل كانت حرباً بالصواريخ والطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة، ومع ذلك، ورغم الخسائر الكبيرة في صفوف القيادة الإيرانية والموارد الحيوية والبنى التحتية، فإن القوة الجوية الأمريكية و«الإسرائيلية» لم تحسم المعركة.

ولاحظنا أن الحرب كشفت عن قدرات صاروخية كبيرة لإيران، ولكن غالبية الردود الإيرانية تركزت على دول الخليج العربي والعراق والأردن وليس على «إسرائيل»، وهذه قضية بحاجة لوقفة فكرية وبحثية.

فهل هي قضية عسكرية إيرانية بحتة، أم أنها قضية فكرية عقائدية تستهدف دول الخليج تحديداً بحجة المصالح الأمريكية فيها؟

مواقف خليجية تاريخية

ورغم الهجمات الإيرانية ضد غالبية دول الخليج العربي، مع ذلك لم تتوان غالبية دول الخليج في مساعيها لوقف نزيف الحرب، وبالذات دولة قطر التي ساهمت بشكل كبير في التوصل إلى الاتفاق الأخير والحاسم بين طهران وواشنطن.

ولكن يبدو أن الدبلوماسية الإيرانية الممزوجة بالعقائد الدينية غير الواضحة ضد دول الخليج العربي لم تقدر هذه الجهود الخليجية العملاقة في السعي إلى السلام!

جدلية القواعد الأجنبية في المنطقة

وبالمجمل، فإن دول الخليج، وبسبب وجود بعض القواعد الأجنبية وخصوصاً الأمريكية منها، أصبحت من الأهداف الإستراتيجية للقيادة الإيرانية، وهذا أمر غريب جداً كون القواعد الأجنبية حالة عالمية وليست خاصة بالخليج العربي! وتشير التقديرات الأكثر تداولاً إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أكثر من 750 موقعاً وقاعدة عسكرية خارج أراضيها في نحو 80 دولة وإقليم حول العالم.

فلماذا هذا الانتقام من دول الخليج العربي كونها نسقت مع دول العالم العظمى لترتيب قواعد عسكرية على أراضيها؟! أفلا يحق لهذه الدول أن تضمن وجودها، وأن تنسق مع الدول العملاقة لحمايتها من الأخطار المتنوعة في العالم وخصوصاً وأن منطقة الخليج من المناطق المليئة بالأخطار؟!

وعلى العموم لاحظنا أنه، ورغم الاغتيال لعشرات القادة الإيرانيين والهجمات الثقيلة بين الطرفين، أن المفاوضات استمرت بين الطرفين أثناء المعارك وكأنها أوراق ضاغطة على الطرف الآخر، وأظهرت الأحداث أن العمل العسكري والاتصالات السياسية كانا يسيران بالتوازي، وأن الهجمات الأخيرة استخدمت كأوراق ضغط لتحسين شروط التفاوض.

أهم الدروس الإستراتيجية

وبالنسبة لدول الخليج العربي، يمكن تلخيص أهم الدروس الإستراتيجية من الحرب الإيرانية – الأمريكية و«الإسرائيلية» الأخيرة في النقاط التالية، وذلك وفقاً لخطوات دقيقة ومدروسة، تقوم عبر السبل الآتية:

1- التنسيق عبر مجلس التعاون الخليجي لاجتماع مشترك لوزراء الدفاع والداخلية والإعلام في دول المجلس لمناقشة القضايا المصيرية والدروس المستخلصة من هذه المواجهات.

2- ضرورة عمل دول الخليج على تأمين سمائها وحدودها بوحدتهم العسكرية والأمنية والسياسية لأنهم منظومة واحدة مستهدفة ككيان واحد وإن كانوا أكثر من دولة.

3- ضرورة تنظيم قوة خليجية جوية صاروخية ومنظومات دفاعية مشتركة لحماية منطقتهم ودولهم من احتمالية عودة الهجمات الأجنبية على دول الخليج، كون أن التكامل الخليجي في الإنذار المبكر والدفاع الجوي أصبح ضرورة إستراتيجية.

4- العمل على تأمين الطاقة التي تعتبر الشريان الأبرز لغالبية دول الخليج، وأمن الطاقة الخليجية مسألة وجودية بالنسبة لدول الخليج العربي، ولهذا لاحظنا كيف أن الفوضى في مضيق هرمز قلبت عموم المعادلة الاقتصادية العالمية والخليجية على وجه الخصوص.

5- إن وجود القواعد الأجنبية في دول الخليج العربي جزء من المنظومة العالمية وضمن دائرة التوازنات الدولية، ولهذا لا يمكن القبول بالمبررات الإيرانية لضرب دول الخليج العربي، وعليه يفترض أن يكون لهذه القواعد دور مفصلي في حماية الدول التي تتواجد فيها، وإلا فما الجدوى من وجودها إن لم يكن لها دور حقيقي في حماية الدول المتواجدة فيها؟!

6- سعت الدول الخليجية إلى النأي بنفسها عن الصراع، ومع ذلك بقيت عرضة للتهديدات، أو الهجمات الإيرانية والأجنحة المسلحة القريبة منها بسبب موقعها الجغرافي وارتباطاتها الأمنية.

7- ضرورة العمل الخليجي على مسألة تنويع الشراكات الدولية العسكرية، وقد أثبتت التجربة الأخيرة أن الاعتماد الكامل على مظلة أمنية واحدة لم يعد كافيًا؛ ما يدفع دول الخليج إلى توسيع علاقاتها مع قوى دولية متعددة مع الحفاظ على الشراكة الأمريكية.

8- وجوب العمل على حماية البنية التحتية الحيوية لدول الخليج كونها أولوية قصوى وضرورة توفير الحماية الكافية للمنشآت النفطية، وشبكات الكهرباء، ومحطات تحلية المياه، والموانئ وأن تكون الحماية من ضروريات أي اتفاقات مستقبلية مع الشركات الأجنبية كون هذه المواقع الاقتصادية والخدمية أصبحت من الأهداف الإستراتيجية في الحروب الحديثة، وتحتاج إلى طبقات حماية متقدمة.

9- وجوب السعي التكاملي والمنفرد لحماية الاستقرار الداخلي الخليجي كونه من متطلبات الأمن القومي لدول الخليج منفردة ومجتمعة، وعدم التهاون مع كل من يتعاطف مع القوى المعتدية كونها قضية «انتماء مزيف» قبل أن تكون قضية تجسس وتلاعب بأمن الوطن والمواطن.

10- أهمية دور الإعلام الخليجي المشترك في تمتين الجبهة الداخلية الخليجية والتنبيه للأخطار القائمة والمحتملة.

هذه الخطوات وغيرها يمكنها أن تكون بداية التنظيم لمرحلة خليجية قوية وقائمة على التنسيق والتعاون والتكاتف والتلاحم في وجه الأخطار القائمة والمتوقعة الخارجية والداخلية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة