ذكرياتي الزوجية تؤرقني!
أستاذي الكريم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا مهندسة في أوائل الأربعينيات من عمري، أرملة
منذ حوالي 3 سنوات، بعد معاناة شاقة بل مدمرة استمرت 20 عاماً، حتى العلاقة التي
يطلق عليها الحميمية كانت معاناة، ولكنها أسفرت عن ولد أنهى المرحلة الثانوية،
وبنتين.
توفي زوجي بعد
إصابته بالسرطان، وكنت نعم الخادمة له، المشكلة أن ذكريات القهر وآلام الحرمان ما زالت
تؤلمني وتؤرق ليلي، العمل بالنسبة لي ليس مصدر دخل، ولكنه هروب من ذكرياتي، كثيراً
ما قد تنتابني موجة من هستيريا البكاء عندما يمر بخاطري ذكرياتي الزوجية.
منذ حوالي عام
تعرفت على الطبيب المسؤول عن المركز الطبي التابع للشركة، وكانت لنا لقاءات شهرية
بشأن مراجعة الإجازات المرضية والكشوف الدورية لموظفي الإدارة التي أشرف عليها، وفي
إحدى جلسات العمل انتابني صداع شديد، وبادرني أنه يشعر بأنني مجهدة، وقاس الضغط
وكان مرتفعاً وطلب مني عمل فحوصات، وسألني أن ارتاح 3 أيام، وعرض عليَّ أن يوصلني
فاعتذرت.
توطدت علاقتنا،
وعرض عليَّ الزواج، هو منفصل عن زوجته وله 3 بنات، لم يطلقها لاختلافهما على
التسويات المالية، ولكنه كما يقول قد قرر طلاقها، وقد أفهمته أنني لن أقبل أن أكون
زوجة ثانية.
ما يجذبني له
خلقه الدمث وتعاونه ودعمه لي في أي مشكلة أمرُّ بها، يحس بمشاعري ويتفهمني دون
جدل، عرَّفني على والدته وأخته والتقيت بهما بالنادي عدة مرات، يلح عليَّ بالزواج،
وأنا مترددة، بماذا تشير عليَّ؟
التحليل
أولاً: حالتك النفسية:
يجب التفريق بين
حالة القلق التي تعاني منها واتخاذ القرار بالزواج، من أهم مؤثرات القرار الصائب قدرتك
على اتخاذ القرار وهروبك من حالة القلق التي تعانيها بالزواج، الخطر الحقيقي هنا
أن قرار الزواج قد يكون نابعاً من جوع عاطفي مشروع لا من تقييم واعٍ، وهذا لا يعني
رفض الزواج، بل يعني ضرورة التأني.
الخطر الحقيقي أن قرار الزواج قد يكون نابعاً من جوع عاطفي مشروع لا من تقييم واعٍ
وحتى يكون تقيمك
للزواج صائباً لا بد أن تكوني في حالة مستقرة؛ لذا، دعينا أولاً نقيّم حالتك؛ من
عاشت 20 عاماً من القهر والحرمان، ثم تحمّلت مرض الزوج وخدمته، ثم واجهت الحياة
وحدها بعد وفاته، هذه ليست مجرد صدمة واحدة، بل طبقات متراكمة من الجراح، وأن ألمك
طبيعي وليس ضعفاً.
العلاج الروحاني وهو الأساس
لتتذكري وتعيشي
معاني قبس من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا:
1- الودود
الرحمن: الله أرحم وأكثر وداً بك من أمك؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«اللهُ أرحمُ بعبادِه من المرأةِ بولدِها» (متفق عليه).
2- العليم: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {13}
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك)، فالله أعلم بك من علمك بنفسك.
3- الغني القادر
على أن يعطي كل خلقه فوق ما يتمنون ولا ينقص ذلك من ملكه شيئاً، كما ورد في
الحديث.
4- الحكيم وكل
شيء عنده بمقدار.
5- كل ما يقدره
خيراً لك سواء علمت حكمته أم لم تعلمي، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ
وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ
شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216)، ولنا في قصص سيدنا موسى والخضر العظة والعبرة والرضا
التام بكل قضاء يقدره الله لنا، وهذا من شروط الإيمان.
6- تدبري قول
النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَباً لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ،
وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيراً له،
وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيراً له».
7- احمدي الله
على توفيقك للصبر على معاناتك، وتطلعي لفضل الله عليك بالأجر دون حساب من الكريم
جل شأنه، وترحّمي على زوجك وسامحيه؛ لأنه بسبب معاناتك منه وظلمه لك جاء الفضل
العظيم من الله الكريم.
ناقشي الأمر مع أولادك ورتّبي معهم كيف تبدئين حياتك الجديدة وعلاقتهم بزوجك المرتقب
8- اسجدي لله
شاكرة أن معاناتك قد انتهت آلامها وثبت بفضل الله أجرها، إن اجترارك آلامك ولوم
نفسك على صبرك يفقدك الأجر ويعيشك في مستنقع ودوامة شريرة من الآلام لا نهاية له.
9- التهجد
والمناجاة خاصة وقت السحر؛ (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ
الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، «إذا مَضى شَطرُ اللَّيلِ أو ثُلُثاه يَنزِلُ اللهُ
تَبارَك وتَعالى إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَقولُ: هل مِن سائِلٍ يُعطى؟ هل مِن
داعٍ يُستَجابُ له؟ هل مِن مُستَغفِرٍ يُغفَرُ له؟ حتَّى يَنفَجِرَ الصُّبحُ» (صحيح
مسلم، 758)، «اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجزِ
والكَسَلِ، والبُخلِ والجُبنِ، وضَلَعِ الدَّينِ، وغَلَبةِ الرِّجالِ» (صحيح
البخاري).
العلاج النفسي المعرفي
تحسين الصورة
الذهنية عن الذات: أنا امرأة ضعيفة خنعت وعشت سنين من الشقاء والحرمان، وقد ضاع
عمري، لا.. لا، بل ولله الحمد قد وفقني الله وصبرت وأحسن الظن بربي خيراً، وقد
انتهت مأساتي ورحم الله من ظلمني وأشقاني، نجحت في تربية أولادي بفضل الله وقادرة
على أن أكمل مسيرة آمالي بأولادي وأعوضهم خيراً عما فقدوه، وإن رزقني الله بزوج
صالح طيب مبارك فلله الحمد والفضل؛ (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْراً) (الشرح)، وإلا ففي الجنة النعيم المرتقب.
العلاج الجسدي
من المهم جداً
أن يكون لك برنامج رياضي خاصة المشي مع ذكر الله أو صديقة أو الأولاد، والترفيه؛ فمن
المهم أن تستمتعي وأولادك بمادة ترفيهية.
ثانياً: زواجك:
ناقشي الأمر مع
أولادك، ورتبي معهم كيف تبدئين حياتك الجديدة، وعلاقتهم بزوجك المرتقب، واسمعي
منهم كل هواجسهم وكيفية اطمئنانهم؛ ما يجعلهم لا يشعرون بفقدان الأم بعد الأب.
الرجل منفصل وليس مطلقاً
ماذا عن قرارك
بألا تكوني زوجة ثانية؟ هل ستتزوجينه بناء على وعده بطلاق زوجته؟ الشرع يحرم على
الزوجة أن تطلب من زوجها طلاقه زوجته الأخرى! وهو لو استشارني سأنصحه بمحاولة
معالجة مشكلاته مع زوجته وعدم طلاقها خاصة أن لهما أولاداً، سواء تزوجك ووعدك
بطلاقه لزوجته أم لم يتزوجك.
عند اتخاذ قرار الزواج يجب أن يكون الرجل
والمرأة في حالة استقرار نفسي ويمعن التفكير في تقييم شريك حياته
يمكنك الأخذ بأي
مما يلي:
1- اعتذري له
بأنك لا تقبلين أن تكوني زوجة ثانية، واحذري أن تطلبي منه طلاق زوجته، ودعيه يقرر
ما يريد، وأغلقي كل تواصل معه، وادعي الله أن يعوضك خيراً منه.
2- حددي شروطك
للزواج: مالية، وترتيب الإقامة، وكل ما يهمك في زواجك، واشترطي أن تكون العصمة
بيدك، فإن وفَّى بشروطك فهنيئاً لك به زوجاً، وإن لم يوفّ فلك الحق في أن تطلقي
نفسك منه، ولك كل حقوق المطلقة.
3- رأيي أن
تؤجلي موضوع زواجك حتى تستعيدي استقرارك النفسي وتتمكني من اتخاذ القرار الصائب،
فيكون الزواج قيمة مضافة لك، وليس قراراً بناء على العوز العاطفي والشعور باحتياج
سند نفسي.
بعض النساء بعد
التجربة الأولى أياً كانت درجة نجاحها أو فشلها يشغلن أنفسهن بالأولاد والعمل، ولا
حرج بل من حقهن إذا شاء الله وتقدم لهن الزوج المناسب أن تبدأ حياة جديدة معه،
المهم وهذا ما أؤكده أن عند اتخاذ قرار الزواج يجب أن يكون الرجل وكذا المرأة في
حالة استقرار نفسي ويمعن التفكير في تقييم من هو مرشح ليكون شريك حياته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً