رمضان شهر الانتصارات
رمضان شهر التحولات الكبرى في تاريخ الأمة،
لم يتوقف عند كونه الشهر الذي أنزل فيه القرآن وشرف به، ولم يتوقف عند كونه الشهر الذي
تضاعف فيه الحسنات وتعظم فيه العبادات، ولم يتوقف عند كونه شهر الجود والكرم والعطاء،
لكنه أيضا شهر الانتصارات.
يبدأ بانتصار الإنسان على ذاته وشهواته وضعفه
ورغباته، حين ينقطع عن ملذات الحياة، وانزلاقات اللسان وضعف قلبه مختاراً.
إن قراءة الوقائع التاريخية التي سطرها المسلمون
في رمضان لتكشف أنه شهر صناعة إنسان الإرادة، قبل أن يكون شهر عبادة وتغيير مواعيد
الطعام والشراب.
الصوم وتحرير الإرادة الإنسانية
تكمن قوة الإنسان في فضيلة التقوى حين يتحلى
بها، حيث يستحضر وجود الله واطلاعه عليه في كل عمل يهم به، وقد جعل الله عز وجل حكمة
الصيام بناء التقوى في نفس المسلم، فيقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:
183).
والتقوى هنا هي حالة من اليقظة الأخلاقية
والقدرة على ضبط النفس والتحكم بها، وتحريرها من قيود الرغبات، ولذلك قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «الصوم جنة» (رواه البخاري ومسلم)، أي أنه كالدرع يحمي صاحبه من الضعف
الأخلاقي والعبودية لرغبات الذات.
ومن عظم مكانة الصوم أنه جعل مكانته كتحرير
رقبة مؤمنة، يقول الدكتور محمود بن محمد شاكر: وقد دلنا الله سبحانه على طرف من هذا
المعنى إذ جعل الصيام معادلا لتحرير الرقبة في ثلاثة أحكام من كتابه: إذ جعل على من
قتل مؤمنا خطأ تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ) (النساء: 92).
وجعل على الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون
لما قالوا تحرير رقبة من قبل أن يتماسا (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ
أَن يَتَمَاسَّا) (المجادلة: 4) وجعل كفارة اليمين تحرير رقبة (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) (البقرة: 196)، فانظر لم كتب الله على من ارتكب شيئا من
هذه الخطايا الثلاث: أن يحرر رقبة مؤمنة من رق الاستعباد، فإن لم يجدها فعليه أن يعمل
على تحرير نفسه من رق مطالب الحياة، ورق ضرورات البدن، ورق شهوات النفس، فالصيام كما
ترى هو عبادة الأحرار، وهو تهذيب الأحرار وهو ثقافة الأحرار(1).
«بدر».. حين انتصرت الإرادة على التفوق المادي
المواجهة العسكرية الأولى بين المسلمين والكفار،
وقعت غزوة بدر في السابع عشر من رمضان السنة الثانية للهجرة، خرج المسلمون وعددهم نحو
ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، بينما كان جيش الكفار يقارب الألف، وقد حسمت نتيجة المعركة
بقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ
اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) (آل عمران: 123)، قال أبو جعفر: ولقد
نصركم الله ببدر على أعدائكم وأنتم يومئذ "أذلة" يعني: قليلون، في غير منعة
من الناس، حتى أظهركم الله على عدوكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، وأنتم اليوم أكثر
عددا منكم حينئذ، فإن تصبروا لأمر الله ينصركم كما نصركم ذلك اليوم(2)،
لقد كان الانتصار في بدر رسالة تاريخية وحضارية بأن قوة الإرادة والإيمان يمكن أن تعوض
نقص العتاد والعدد
«فتح مكة».. الانتصار الأخلاقي في لحظة القوة
في السنة الثامنة للهجرة وفي شهر رمضان المبارك
والمسلمون صائمون، تحقق الفتح الأكبر للبلد الحرام (مكة المكرمة)، ولقد كان فتحا أخلاقيا
غير مسبوق، يدخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه قويا، منتصرا، عزيزا، متواضعا،
دون علو في الأرض ولا فساد، بل في تواضع لله، وعفو جميل عمن أساء إليه، فقال قولته
الشهيرة لمن حاربه وآذاه هو وأصحابه: «ما ترون أني فاعل بكم؟»، قالوا: خيراً، أخ كريم،
وابن أخ كريم، فقال: «أقول كما قال أخي يوسف: (قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ
لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92)، اذهبوا فأنتم الطلقاء»
(رواه البيهقي)، وهكذا تحول النصر العسكري إلى درس أخلاقي في ضبط النفس عند لحظة التفوق.
«فتح الأندلس».. بداية حضارة عابرة للقارات
في رمضان سنة 92هـ، قاد القائد طارق بن زياد
جيشا صغيرا بلغ تعداده 7 آلاف مقاتل أكثرهم من البربر، مع وجود بعض العرب في الجيش
الداخل إلى الأندلس(3)، فانتصر على جيش القوط بقيادة لوذريق في بداية الفتح،
وبعد ذلك بعام واحد، كان العبود التالي للمسلمين داخل قارة جديدة، حيث دخل موسى بن
نصير الأندلس في شهر رمضان عام 93هـ في صحبة 18 ألفاً من الجنود المسلمين(4)،
وأطلق على المكان الذي انطلق منه المسلمون (جبل موسى)(5)، ومن هذه التحركات
تكونت حضارة عظيمة لم يعرف العالم نظيرا لها استمرت لثمانية قرون، وأسهمت بشكل كبير
في نقل العلوم والفلسفة والطب والرياضيات إلى أوروبا لتقوم عليها نهضتها الحديثة
«عين جالوت».. إنقاذ العالم الإسلامي
بعد سقوط بغداد في يد المغول سنة 656هـ، بدا
أن الحضارة الإسلامية تتجه نحو الانهيار، وظن الناس أن الإسلام قد انتهى خاصة بعد توقف
الأذان في عاصمة الخلافة، ثم يأتي رمضان سنة 658هـ لتقع موقعة عين جالوت بقيادة سيف
الدين قطز، ليتمكن المسلمون من وقف المغول لأول مرة منذ دخولهم بلاد المسلمين، إن معركة
عين جالوت تمثل معجزة من معجزات التاريخ القديم والحديث، يقول الدكتور راغب السرجاني:
لقد كانت عين جالوت بعد عشرة أشهر فقط من تولي قطز مقاليد الأمور، ولكن من الضروري
فعلاً أن يوجد المخلصون الصادقون العالمون العاملون، ووعد الله عز وجل لا يُخلف أبداً،
وقد قال ربنا في كتابه الكريم: (إِنَّا
لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
الأَشْهَادُ) (غافر: 51])(6).
لماذا يصنع الإيمان النصر؟
تكشف هذه الأحداث وغيرها، أن القوة التي صنعت تلك التحولات التاريخية لم تكن مادية فقط، بل كانت معنوية في المقام الأول، فالربط بين الإيمان والنصر من الأمور التي يمكن للإنسان إدراكها واقعيا، حيث أن المؤمن محفوظ بإيمانه من كثير من المخاوف التي تكبل غيره وتوقفه خوفا على حياته، أما المؤمن، فهو حريص على الموت في سبيل الله، كما هو حريص على العيش في سبيله، حتى الألم الذي يلاقيه في طريق الجهاد، يحتسبه عند الله، لأن وراءه العوض الرباني ورجاءه في مولاه كما قال تعالى: (وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) (النساء 104)، ومن هنا يتضح دور رمضان في صناعة النصر، ولماذا ذخر تاريخيا بالفتوحات العظيمة، إنه يعيد سنويا بناء الطاقة الإيمانية والمعنوية عبر الصوم والعبادة والتكافل وشحذ الطاقة داخل النفس المؤمنة ليكون بحق، شهر الانتصارات.
اقرأ أيضا
6 أسباب لانتصار المسلمين في المعارك
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً