رمضان في دارفور.. الصائمون أمام «التكايا» والمصلون في مرمى القذائف!

خالد محمد علي

18 فبراير 2026

139

جاء رمضان هذا العام على أبناء دارفور في ولاياتها الخمس قاسيًا ومختلفًا عن كل عام، حيث دُنفت مدافع وطائرات «الدعم السريع» الآلاف من أبناء دارفور تحت الأرض وفي مقابر جماعية نقلت صورها الأقمار الصناعية في الفاشر والجنينة وزالنجي، وتركت هذه المذابح ذاكرة شعب جريحة مليئة بالأحزان والنكبات، نتيجة اختفاء أسر كثيرة من السجلات المدنية، ونزوح الآلاف تاركين منازلهم خوفًا ورعبًا من المصير الأسود الذي ينتظرهم في كل حارة وفي كل زقاق.

رمضان في دارفور الذي كان موسمًا للفرحة والتجمع حول موائد الإفطار على الأبراش في الساحات وعلى قارعة الطرق، تحول بفعل تلك الحرب المجنونة التي يقودها التمرد منذ أبريل 2023م إلى شهر للأحزان، تتساقط فيه الدموع ويحاول كل دارفوري أن يبحث عن وجبة إفطار أمام التكايا أو خلف منظمات الإغاثة، وهم من كانوا يقدمون لدول كثيرة ثروة حيوانية كانت تقدر بقرابة 100 مليون رأس هي بدورها قتلت ونزحت في الغابات، وتحول أصحابها إلى فقراء ومحتاجين.

دهس الذاكرة وتاريخ يمحى

في الماضي القريب، كان رمضان في دارفور أشبه بلوحةٍ اجتماعية نادرة، تتجلى فيها قيم الكرم والتضامن بأبهى صورها، لم يكن الإفطار يقتصر على الأسرة أو حتى العائلة بل كان دعوة للإفطار الجماعي في الساحات أو على قارعة الطرق الرئيسة حيث يختلط القريب بالبعيد والغريب بابن الحي، الكل يسمون باسم الله ويصلون على نبيهم المختار في طقس اجتماعي وديني لا يفرق بين قبائل عربية يقودها حميدتي، أو قبائل أفريقية يقودها مني أركو مناوي، أو جبريل إبراهيم حيث تُفرش «الأبراش» الطويلة في الساحات وأمام البيوت، في مشهدٍ يومي يعكس فلسفة المجتمع الدارفوري في الانفتاح والمشاركة.

وكان من المألوف أن يُجبر المارّة والمسافرون على الجلوس للإفطار، في ظاهرة عُرفت شعبيًا بـ«قطع الطريق للمار»، وهو كرم يبلغ حد الإلزام، إذ يُعد امتناع الضيف عن الجلوس إخلالًا بواجب الضيافة.

وعلى تلك الأبراش، تتصدر «العصيدة» بملاح «التقلية» أو «النعيمية» بمائدة الإفطار، بوصفها الطبق الأثير الذي لا يكتمل الإفطار دونه، وإلى جوارها يحضر «الأبري» الأحمر، المشروب الرمضاني الأسطوري الذي يُعد قبل شهور في طقسٍ نسائي جماعي تتعالى فيه الزغاريد، ويجتمع فيه النسوة لتحضير مكوّناته بعناية، فيتحوّل الإعداد ذاته إلى احتفالٍ سابقٍ للشهر الكريم، ولم تكن المائدة مجرد طعام، بل مناسبة لتجديد أواصر الرحم، وتبادل الأخبار، وحل الخلافات، وترسيخ السلم الأهلي في مجتمعٍ متنوع الأعراق والثقافات.

وفي المساجد والخلاوي حيث تعمر بالقرآن والمدائح النبوية والمواعظ الدينية تنقل للعالم حقيقة أن دارفور كانت قلعة التدين الوسطي والشعبي في الصدام، وفي تلك الأماكن المقدسة لا يسنى الناس مفردات الكرم، حيث تُوزع «بليلة» العدس واللوبيا على المصلين بانتظام، في مشهدٍ يعكس تلاحم الدين بالحياة اليومية، كان رمضان، في تلك السنوات، شهرًا لإعادة بناء الروح الجماعية، وتكريس الهوية الثقافية والدينية للإقليم.

مقابر جماعية تطارد موائد الإفطار

غير أن هذا الإرث الزاخر انقلب بفعل الحرب إلى واقعٍ جنائزي ثقيل، فمنذ تمرد «الدعم السريع»، في أبريل 2023م، وما أعقبه من اتساع رقعة القتال في دارفور، تبدلت ملامح الحياة على نحوٍ درامي، حيث تشير تقارير أممية ومنظمات إغاثة دولية إلى أن ملايين السودانيين نزحوا داخليًا أو عبروا الحدود إلى دول الجوار، وكانت دارفور في طليعة المناطق الأكثر تضررًا، مع تسجيل موجات نزوح واسعة إلى تشاد، لا سيما إلى معسكرات مثل «أدري»، فضلًا عن مراكز الإيواء المكتظة داخل الإقليم.

غابت الأبراش الطويلة، وحلت محلها صفوف ممتدة أمام «التكايا» والمطابخ الخيرية التي تكافح لتأمين الحد الأدنى من الغذاء في ظل نقص التمويل وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، العائلات التي كانت بالأمس القريب تُطعم الحي بأكمله، باتت اليوم تبحث عن تمرةٍ أو بلحة تكسر بها صيامها، وفي مدنٍ مثل الجنينة ونيالا، ما تزال آثار الدمار شاهدًا على ما فعلته الحرب اللعينة بأهل دارفور خصوصًا عقب اكتشاف مقابر جماعية في كثيرًا من مدن دارفور، ما أضفى على الشهر الكريم طابعًا حداديًا لم تعهده الأجيال السابقة.

يتحدث أبناء دارفور عن هذا الشهر بمرارة شديدة، حيث اختفى الأحبة، وتغيب أسماء عن المائدة لأنهم ابتلعتهم المقابر الجماعية أو اعتقلوا ولا يعرف مصيرهم أحد حتى الآن، وتتحول لحظة الإفطار التي كانت زمنًا للفرح، إلى استدعاءٍ مؤلمٍ لذكريات الأحبة، أما صلاة التراويح، التي كانت تمتد حتى ساعات الفجر الأولى، فقد اختُصرت أو أُلغيت في مناطق عدة، خشية القصف العشوائي أو هجمات المليشيات، وصار صوت الطائرات المسيّرة وأزيز الرصاص هو الخلفية الصوتية الجديدة لليالي الشهر الكريم.

تكافل يتحدى الحرب

ورغم كثرة الشدائد وتوالي المحن، لم تنكسر إرادة أبناء دارفور، بل يصرون على استعادة مخزون القيم الديني والأخلاقي الذي تبرز أبهى صوره في التكافل خلال هذا الشهر المعظم، وخلال هذا الشهر برزت مبادرات شبابية وأهلية داخل الإقليم وخارجه، سعت إلى سد الفجوة الغذائية ولو بالحد الأدنى.

حيث ينشط أبناء دارفور في المهجر، عبر تطبيقات التحويلات المالية مثل بنكك وغيرها، لجمع التبرعات وتمويل «تكايا إلكترونية» تدعم مطابخ شعبية داخل أحياء الفاشر ومخيمات النزوح ومدن دارفور الأخرى، ورغم محدودية الموارد، ساهمت هذه المبادرات في ضمان وجبة إفطار واحدة على الأقل لآلاف المتضررين، في صورة حديثة من صور الوقف الشعبي.

وفي مراكز النزوح، تتقاسم ثلاث أو أربع عائلات وجبة واحدة، في تجسيد حي لفلسفة «الجود من الموجود» لم يعد الكرم أو التكافل فقط موروث اجتماعي ولكنه أصبح ضرورة حياة، وبإصرار على الحياة حول أبناء دارفور موائد الإفطار إلى جلسات للحكي والمأزرة وتفريغ شحنات الحزن والألم، حيث يقوم حكيم العائلة بدور رئيس في جبر خواطر بقية الصائمين.

ويتذكر أبناء دارفور على موائدهم الفارق الكبير بين رمضان اليوم ورمضان الأمس، حيث كان المكان ساحاتٍ مفتوحة وميادين عامرة، وأضحى اليوم خيام نزوح وغرف إيواء مكتظة، كان الصوت مدفع رمضان ومدائح الصوفية، فأصبح دوي المدافع وأزيز الطائرات، كانت المائدة عامرة بأصناف متعددة ولحوم شهية، فأضحت تقتصر على ماءٍ قد يكون مالحًا، وعصيدة تفتقر إلى مكوناتها الأساسية، وكان الجمهور جيرانًا وضيوفًا وعابري سبيل، فأصبح أيتامًا وأرامل وفاقدين لذويهم.

ومع ذلك، فهناك دفق إيماني بأن رمضان يهزم المحن مهما اشتدت عبر الصبر والدعاء والابتهال إلى الله، فالتاريخ السوداني، ودارفور جزء أصيل منه، عرف محنًا كثيرة، لكنه شهد أيضًا تعافيًا متكررًا بفضل تماسك مجتمعه الأهلي وقوة روابطه التقليدية.

يقول المعلم إدريس جبريل لـ«المجتمع»: إن أبناء دارفور يتمسكون بحقهم في العودة للحياة مرة أخرى ويجهزون أنفسهم لاستعادة كل أفراحهم واحتفالاتهم بشهر رمضان المعظم من فرش الأبراش الممتدة على مدى البصر لموائد الإفطار، وإجبار الضيف على النزول من حافلته لمشاركتهم إفطارهم على إعادة إعمار بيوتهم التي دمرتها مدافع «الدعم السريع»، وعلى إعادة الروح والحياة مرة أخرى لمساجدهم وخلاويهم كي تنعم بأصوات القرآن وينعمون هم برضوان الله.



اقرأ أيضاً:

رمضان في السودان تحت زخات الرصاص

التجربة السودانية في التكافل الاجتماعي

رمضان في السودان.. الزفة والحضرة الصوفية و«الموركي»

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة