سوالف المجتمع (5)
زفرات على قبر أُمٍّ ظالمة!
انفض الناس
بعدما فرغوا من دفن المتوفى، ومضوا إلى أبواب المقبرة للخروج، ووقف هو دوناً عن
الناس في تخيير لنفسه أن يخرج مع الخارجين أو أن يذهب لزيارة قبري أمه وأبيه، لم
يطل الوقوف، وانسل من بين المشيعين قاصداً الزيارة، وسار متثاقل الخطوات تعيفها
رغبة ألا يفعل، حتى وقف بين القبرين، وتوجهت عيناه إلى قبر أبيه، ثم رفع يديه
فهينم بما تيسر له من الدعوات، ولما فرغ أنزل ذراعيه وطأطأ برهة إلى الأرض في صمت.
ثم استدار برأسه
صوب قبر أمه، ورمقه بنظرة ساكنة، وأطال النظر، وهمَّ أن يمضى، لكنه أكره نفسه على
البقاء، فجثا في مهل على ركبتيه، ووضع يديه على مقدم القبر وأغمض عينيه، ثم زمهما
طويلاً ثم فتحهما وثبتهما في شخوص وسكوت، وراح في شرود عميق.
ارتثت أمه من
بين الرمال، ناهضة في أكفانها حتى انتصبت أمامه، انزاح ثوبها الأبيض عن وجهها
رويداً رويداً حتى انكشف، وبانت له سافرة واضحة القسمات، صوّب عينيه بإزائها لا
يطرف له جفن، فالتقت عيناه بعينيها، وانساب دمع على وجنتيه قليل، نادته أمه في حنان
لم يألفه، ابني علامَ تبكي؟ أتبكي عليَّ، أم مني البكاء؟ ارتعشت شفتاه وتحشرج من
بينها الكلمات، أماه، لا أكذبك القول: فإنما بكائي منك وعليك، فتدحرجت دمعتان من
عينيها وقالت: أما إنك تبكي عليَّ فذاك دأب كل بار بأمه وأبيه، أما أن تبكي مني
فذاك يا ولدي يبكيني، وله قلبي ينفطر، فارفق بي يا ولدي ولا تك قاسياً.
غزر الدمع من
عينيه حتى تخلل شفتيه وناداها: أماه، لست راغباً أن أجد عليك في نفسي إلى حد
البكاء منك، غير أن ذكرياتك الأليمة معي لم أقدر على دفعها عن قلبي، فلا تزال
عالقة به ولا تبرحه، تعصره بالألم والأوجاع، أماه، لِمَ قسوت عليَّ؟ ولِمَ فرفت
بيني وبين أخي؟ لماذا كنت دائمة العبوس معي ومعه دائمة البسمات؟ والحنان يفيض من
حديثك معه، ومعي الصريخ والسب واللعنات؟ أما تذكرين كيف كنت تحرمينني من ثوب جديد
أسعد به يوم عيدي وتأتين بالثوب الفاخر لأخي؟ وكم شكوت مني لأبي فأنزل بي العقاب
عند كل شكوى ولم ترفعي شكوى واحدة من أخي؟
أماه، هل تعلمين
ما كان يجري لي من قسوتك معي؟ هل تعلمين؟ كنت أخرج من البيت مكسور القلب، والحزن يغرقني،
وعندما أبصر رفقتي من الصبية يلهون أجري إليهم وكأنني أهرب من جفوتك لأشاركهم
اللهو، ولكنها لحظات ثم أشعر بالحزن يعض في قلبي، فأنتحي جانباً عن رفقتي وأجلس
مستنداً إلى جدار وينساب الدمع من عيني ثم أجهش بالبكاء.
وفي مدرستي كنت
أجلس بين زملائي وهم يتضاحكون ويتمازحون، وأنا ساهم النظرات وقسوتك ماثلة أمامي،
فأبقى ساكتاً لا أشاركهم ما يصنعون، وعندما يشتد الألم ويغلبني البكاء أضع ذراعي
على منضدتي، وأدس رأسي بينهما لأواري بكائي.
سكت هنيهة ودمعه
يتقاطر من ذقنه على صدره، ثم قبض يده ورفعها صوب أمه قليلاً وقال: يا أماه، ألا
تعلمين ما فعلت بي، وتدركين الأثر الذي تركتيه في نفسي؟ لقد أوغرت صدري على أخي،
نعم أوغرت صدري عليه، وإني في جهاد لنفسي كي أمنع السوء منها له، وتمر على القلب
ساعة يخال إليَّ فيها أنه عني غريب، بل لي عدو لدود!
وهل أتاك نبأ
حال الدنيا معي؟ إنني لأنظر اليوم إليها بقلب مكلوم ويأس مطبق وارتياب في كل أحد،
وشعور بغيض يتملكني بأن كل الناس قساة القلوب، غلظاء بغير رحمة، وكل ذلك أصابني
بسبب قسوتك وجفوتك وغلظتك، فإن قست الأم فمن يرحم؟ وإن لم يكن منها الحنان فممن
يكون؟! آه من مرارة الذكرى وقسوة الماضي، فيا ليتك لم تفعلي، ليتك لم تفعلي!
استفاق قليلاً
من بكائه ومسح بيده شيئاً من دموعه واستأنف حديثه وقد هدأ بعض الشيء، أماه، أعلم
أن حبك لأخي يربو على حبك لي، ولست طامعاً أن نتساوى لديك فيما لا تملكين، ولم أكن
أطمع سوى في عدل تقيمينه بيني وبين أخي، كنت أود منك العدل ولو تميزنا في فؤادك،
أما كان ذاك في يديك؟ فلمَ ظلمت؟ لمَ فرقت؟ ولمَ يا أماه قسوت؟ لمَ يا أماه قسوت؟
سمع صوتها يتهدج
ويتقطع وتناديه، حنانيك يا ولدي ورحماك بي، حنانيك ورحماك بي، اغفر لي ما كان مني،
وليكن منك السماح، يا ولدي لقد رحلت عنك ولن أعود.. لن أعود.. لن أعود.
هنا وضع ذراعيه
على الأرض وخفض رأسه حتى لامست ناصيته التراب، وانفجر في بكاء ونحيب حتى أحس بيد
تربت على كتفه، فهدأ قليلاً واستدار إلى الوراء ليجد مواسياً يخفف عنه ما هو فيه،
قام إليه وأخذ يكفكف من دموعه ويمسحها عن عينيه براحة يده، أمسك المواسي بيده ومضى
به نحو باب المقبرة.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً