سوالف المجتمع (3)
عَبرة على وسادة زوجتي
ولجت غرفتها،
وولوجها كان على مهلٍ، متثاقلةَ الخطى في سيرها، واهنةَ البدن، قد خاصمتِ البشاشةُ
وجهَها وهو البشوشُ الباسم، استلقت على ظهرها فوق الفراش، ووضعت رأسها على
الوسادة، وشخصت ببصرها نحو سقف غرفتها غيرَ متأمِّلةٍ في زخارفه، فقد شغلها الهمُّ
وأضناها الحزن، وراحت تتفكَّر فيما جرى في يومها وسابق الأيام.
زَمَّت عينيها
وعصرتهما على الأسى وعلى قذى تلك الأيام، حتى وكفت الدمعاتُ منهما وتدحرجت على
جنب، وفوق الوسادة تساقطت القطرات.
لم تُعر جنينها
الذي يتقافز في حشاها أدنى اهتمام، رغم شوقها العارم إليه، فمصابها أقسى من أن
يترك لها فسحةً للسعادة.
أرخَت العِنان
للأحزان فتملَّكتها، حتى شعرت كأن يدًا تعصر قلبها، فأجهشت عندها بالبكاء، وبكاؤها
أشغل سمعها عن زوجها القادم إليها، فلا أحسَّت به عندما فتح الباب، ولا شعرت بوقع
خطاه على البساط، وما انتبهت له إلا وهو قائم بجوار سريرها.
بين يدي الزوج
تحوَّلت إليه
بعينيها المغرورقتين بالدمع، وهمَّت أن تعتدل، لكنه وضع يديه على مَنِْكبيها، وحال
بينها وبين الاعتدال، جلس بجوارها، وتناول من العلبة ما يُجفِّف به دمعاتها، وراح
يمسح بيدٍ حانيةٍ على رأسها والخدود، ثم رسم ابتسامةً على شفتيه، فأثار ببسمته
عجبًا بها ممزوجًا بغيظ.
وقبل أن تلفظ
أيَّ قول، بادرها: قد كنتُ أعلم أنه ستأتيك ساعةٌ من الساعات ينفد فيها منك الصبر،
ويفيض بك الكيل، فيكون منك الذي أراه من بكاءٍ وحزنٍ أو حسرات.
لم تحتمل ما
قال، واستبدَّ بها العجب، فغرست يديها في الفراش، واعتدلت حدَّ الاتكاء، وشخصت
ببصرها نحوه متسائلةً بنظراتها عما وراء القول، فاستدار إليها وتورَّك في جلسته،
وقال: قد كنتُ أرقب كلَّ ما يحصل لك، وأقف على كل دقيقةٍ منه، وأعلم الذي يصدر عن
أمي من إساءةٍ بالغةٍ إليك، وجفوةٍ لك، وقسوةٍ عليك، لكن لم أشأ صدَّها عنك، ولا
حتى إيقافك على شأنها.
هنا تبرَّمت
منه، وبرقت عيناها بالغيظ والحنق، وقالت بحدَّةٍ مغيظة: أتقول لي ذلك لتزيد من
أوجاعي وآلامي؟!
ابتسم وقال:
أوتظنين بمن يعشق التراب من تحت نعليك أن يكون كما تقولين؟!
سكتت عن الجواب
متحيِّرةً برهةً، ثم سألت: فلِمَ هذا الذي منك؟ لمَ لمْ تُرشدني إلى تلك الحال،
وتُسدي النصح، علَّه كان لي هاديًا به أتقي بعض الموجِعات؟
أجابها: إنما
تمهَّلتُ حتى إذا ما نصحتُ، وقع النصحُ منك موقعًا يرسخ فيك ليبقى ماثلًا أمام
عينيك، فتلزمينه بلا توانٍ، تمهَّلتُ حتى تتجرَّعي رشفاتٍ من كأسٍ مريرة، كي تعلمي
كيف سيكون حالك إن بقيتِ في تلك المواجهة مع أمٍّ ليست كسائر الأمهات؛ أمٍّ قد
عركتها صروف الدهر، وصاولتها بالقساوة زمنًا طويلًا، أمٍّ جاهدت جهادًا عزَّ له
المثيل في ذلك الزمان.
أمك.. وما ذنبي!
اعترضت حديثه
باستفهامٍ عن العلاقة بين ظروف أمه وقساوتها معها وسوء معاملتها، فأجابها بهدوء:
يا شريكةَ الروح، إن أمي بمعاناتها تلك، وبعد انتصارها في حربها مع الأيام، قد
تملَّكها شعورٌ أنها البانيةُ لتلك المملكة، ولها الحقُّ كله في التربُّع على
عرشها بغير نزاع، وكل ما في المملكة حقٌّ أصيلٌ لها، ونحن أبناؤها من تلك الحقوق
والمملوكات.
ثم أتيتِ أنتِ،
وقد رأت فيك الغريم الذي قد يُناوشها في سلطانها، وينازعها ملكها، وذاك الذي حدا
بها أن تُناصبك العداء؛ تُناصبك إيَّاه وأنا على يقين أن حبَّك في قلبها عَفِيٌّ
متين، لكنها كما وصفتِها تخشى من منازعتك إيَّاها في سلطانها، واستحواذك عليَّ،
وأنا من صميم ما تملك.
علاج أمي بين يديك
هدأت من أساها
قليلًا، وقالت متسائلة: وما عساني أن أصنع كي أتقيها وأتقي مساءتها؟
قال: قد أحسنتِ
السؤال، فأرعيني سمعك، واهتمِّي لما سأقول، وامتثليه تمام الامتثال، وإن لم تفعلي
فستذوقين وبال أمرك، وستبقين رهينةَ بؤسك.
حبيبةَ نفسي،
تعلمين أنني لا أقدر أن أصدَّ صلف أمي معك إلا بنصحها في لطفٍ، وبقولٍ غايةٍ في
اللين، وغير ذلك مني عقوقٌ لها لا يليق بذِي مروءةٍ أو دين، لكن بين يديك أن تداوي
علتها، وتستدري العطف منها والحبَّ والحنان.
خطوات العلاج
اتَّسعت عيناها
تشتاق لمعرفة كيف ذلك يكون، قال: نعم، هو كما أقول لك؛ فليس عليك سوى أن توحي
إليها أنك ما جئتِ منازعةً لها ولا غريمة، بل طائعةٌ من رعيتها، وجنديةٌ تحت
إمرتها.
وذاك يتأتَّى لك
أن تستأذنيها فيما جلَّ ودقَّ من شغل بيتك، استصدري الإذن وإن لم تكوني بحاجةٍ
إليه، واطلبي المشورة وإن كنتِ في غِنًى عنها، وتودَّدي إليها بلثم يديها تارةً،
والقعود عند قدميها تارةً أخرى، أما أنا، فحذارِ أن تشعريها أنك قد ملكتِني منها
وأخذتِني من بين يديها؛ دعيني أطيل المكث عندها، ولا تُبدي الضيق من طول ذلك المكث،
وإن ناديتِ عليَّ بحضرتها، فليكن نداؤك لا لينَ فيه، وفيه تصنُّع الجدية وغلظة
الصوت، أما ما نتمازح به من الألقاب في خلوتنا فلا يأتي على لسانك أمامها.
ثم احذري من تلك
الألبسة التي تبرق في عينيها فتثير مكامن غيرتها، وعليكِ بالوقور منها والمحتشم،
وكل زينة البدن دعيها، فلا تتزيَّني بها في حضرتها، ولتكن حكرًا على حجرتنا.
ساكنةٌ هي في
إصغاءٍ لما يقول، وتراه بعضه ثقيلًا عليها وبعضه في عداد المعقول، بيد أنها تدرك
ما وراء قوله، وأنه نصحُ عاقلٍ خبير، تنهدت وشخصت متفكرةً فيما سمعت، والعزم فيها
قد نبت أن تولي النصح اهتمامًا وبه تعمل قدر جهدها.
هو ينظرها ويعلم
ما يعتمل في خاطرها، فناداها بهمس: حبيبةَ قلبي، وآخر نصحي أن تجتهدي في القيام
على خدمتها، وبالغي فيها، ولئن فعلتِ فسترين كل ما يسوؤك منها قد انقلب إلى ما
يسعدك، والمضرة منها تصير إلى المسرة.
وعد الإنجاز
أدارت وجهها
القمريَّ إليه وبسمت بثغرها، وقالت: وعدٌ مني إليك، قسيمَ روحي، أن أبذل الوسع
كله، والله المستعان.
لبست ثياب
الطاعة والوداد، وتملَّقت التملُّق المحمود -وفي التملق بناتُ حواء نابغات- وأرسلت
الرسائل مؤكدةً أنها إحدى الرعية فلا رياسة لها، وجنديةٌ مطيعةٌ في القيادة لا
رغبة بها، وسارت سيرها المحمود ذاك على مدى الأيام، وقبل أن تكمل الشهور كان
الانقلاب المحبوب في المملكة حاصلًا؛ لانت عريكة الأم، ولان طبعها، وكثرت البسمات
على فمها، وكثر جميل الكلام، وبين الفينة والفينة تلتقم زوجةَ ولدها في حضنها
تعصرها بالحب وتغمرها بالحنان، وهو ما جعل الزوجة تبالغ في التودد عن رضا وحب
ووئام.
فهمدت النيران،
واستحالت بردًا وسلامًا، والعواصف خمدت وبقيت نسيمًا باردًا وعليلًا، ورفلت الزوجة
في رياض السرور، قد غشاها الحبور.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً