أهداف تبدلت وطقوس تغيرت..

زواج الحرب والنزوح في السودان!

خالد محمد علي

23 سبتمبر 2026

19

زواج الحرب والنزوح في السودان!

لم يعد الزواج في السودان مجرد مناسبة اجتماعية تنتقل فيها الأسرة من مرحلة إلى أخرى، بل أصبح في كثير من الحالات اختباراً للقدرة على البقاء.

فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، في 15 أبريل 2023م، تحولت الأعراس في السودان من مناسبات كبيرة تمتد أياماً وتشارك فيها العائلة والحي والجيران إلى طقوس مختصرة واحتفالات منزلية محدودة، فيما وجد آلاف النازحين واللاجئين أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة، فكيف يمكن تأسيس أسرة في خيمة نزوح أو مخيم لا تتوافر فيه الخصوصية ولا الأمن ولا الدخل ولا الخدمات الصحية؟!

تكشف شهادات وتقارير بحثية وإنسانية أن الحرب لم تؤدِّ فقط إلى تأجيل الزواج أو إلغائه وإنما أعادت تشكيل مفهوم الزواج نفسه، ففي بعض المناطق أصبح الزواج وسيلة لتقليل الأعباء الاقتصادية، وفي حالات أخرى وسيلة لحماية الفتيات من العنف بينما تحول في المناطق التي تسيطر عليها المتمردون إلى أداة للإكراه والسيطرة.

طقوس الزواج في السودان

قبل الحرب، كان الزواج يرتبط بطقوس اجتماعية واسعة تشمل تجهيز منزل الزوجية وشراء الذهب والملابس والولائم والحفلات ومشاركة الأقارب والجيران وفطور العريس واحتفالات الصباحية..

لكن الحرب ضربت الأساس الاقتصادي لهذه الطقوس، وتشير تقارير صحفية إلى أن تكلفة الزواج في الخرطوم قبل الحرب كانت تصل إلى ملايين الجنيهات، بينما اضطر شباب بعد الحرب إلى اختصار الاحتفال إلى الحد الأدنى والاستغناء عن القاعات والولائم والملابس والهدايا والطقوس المصاحبة.

وهكذا ظهر نموذج جديد يمكن وصفه بـ«زواج الحرب»، والطقوس الجديدة اقتصرت على عقد شرعي بسيط، وعدد محدود من الحضور ووليمة متواضعة أو بلا وليمة!

لكن المفارقة أن الحرب، رغم أنها جعلت الزواج أكثر صعوبة اقتصادياً دفعت بعض الشباب إلى الإسراع فيه، فالبعض يرى في الزواج وسيلة للعثور على الاستقرار النفسي وسط الفوضى، بينما تعتبر بعض الأسر أن تزويج الفتاة يوفر لها حماية من أخطار العنف الجنسي أو الاستغلال.

الحماية من الاغتصاب

غير أن الصورة تختلف جذرياً بالنسبة للفتيات في مناطق النزوح والحرب، ففي دراسة حديثة لمنظمة «يونيسف» عن الزواج المبكر في ولاية كسلا، اعتمدت على مقابلات ومجموعات نقاش مع 76 مشاركاً، وجدت أن زواج الأطفال مرتبط بالتقاليد والحوافز المالية والحرب، وأن إغلاق المدارس منذ عام 2023م وتزايد أخطار العنف الجنسي والضائقة الاقتصادية دفعت بعض الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة باعتبار الزواج وسيلة للحماية أو للتخفيف من أعباء الأسرة.

ونقلت إحدى الشهادات الواردة في الدراسة عن فتاة قولها: إنها تخشى على شقيقتها (15 عاماً) من الزواج المبكر، مشيرة إلى أن مأذوناً محلياً كان بحسب إفادتها يزوّر أعمار بعض الفتيات لإتمام الزواج.

وتقول الدراسة: إن الحرب أضعفت مؤسسات القضاء ووسعت نفوذ القواعد العرفية وأدت إلى تراجع الرقابة الرسمية على الزواج، وخاصة في المناطق التي يسيطر عليها متمردو «الدعم السريع» حيث انتشر الزواج القسري.

وفي تقرير لمعهد التحرير للسياسة في الشرق الأوسط، نقل التقرير عن محامٍ سوداني تعرُّض فتاة في الجزيرة للزواج القسري من أحد مقاتلي «الدعم السريع»، ثم ادعى مقاتلون آخرون حقهم فيها بحجة أنهم ساهموا في دفع المهر، كما وثقت ناشطة حقوقية 11 حالة زواج قسري لفتيات صغيرات في إحدى قرى الجزيرة بعد سيطرة «الدعم السريع» عليها.

ويحذر التقرير من أن الزواج القسري في الحرب لا يمثل مجرد عقد زواج بلا رضا، وإنما قد يترافق مع الاغتصاب والاستعباد الجنسي والحمل القسري والعمل المنزلي القسري، ولذلك يمكن أن يتحول إلى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية بحسب الظروف والوقائع.

زواج الحرب والنزوح

في مخيمات النزوح داخل السودان، تواجه الأسر مشكلة مختلفة، فالزواج يحتاج إلى الخصوصية والسكن والدخل والغذاء والمياه والرعاية الصحية، وهي عناصر تفتقر إليها غالبية مخيمات النزوح، ففي أبريل 2026م قدرت الأمم المتحدة أن نحو 8.8 ملايين شخص ما زالوا نازحين داخل السودان.

وأشارت الأمم المتحدة إلى أن النساء والفتيات في مواقع بولاية النيل الأزرق يواجهن أخطاراً متزايدة من التحرش والعنف الجنسي، فيما ارتبطت الظروف الاقتصادية المتدهورة في جنوب كردفان بزيادة أخطار الزواج المبكر والعنف داخل الأسرة.

وفي شمال دارفور، أدت موجات النزوح من مخيم زمزم إلى طويلة عام 2025م إلى وصول مئات الآلاف من النساء والأطفال وكبار السن إلى مناطق تفتقر إلى البنية الأساسية، فيما وثقت وكالات الأمم المتحدة ارتفاع العنف الجنسي خلال رحلة النزوح وبعد الوصول.

تحديات صحية واقتصادية

في دراسة أعدها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام  بالتعاون مع مركز بوكو فور التشادي، خلصت إلى وجود فجوات كبيرة في الحماية والخدمات الصحية والدعم المراعي للنوع الاجتماعي، كما تواجه النساء والفتيات صعوبات خاصة في الحصول على الغذاء والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والإنجابية مع ارتفاع أخطار العنف القائم على النوع الاجتماعي.

وهذه الظروف تجعل الزواج أكثر تعقيداً، فالعائلة التي فقدت منزلها وأرضها ومصدر دخلها لا تستطيع في الغالب توفير بداية حياة تقليدية للعروسين، بينما قد يصبح الزواج نفسه وسيلة للوصول إلى قدر أكبر من الحماية أو الموارد، خصوصاً بالنسبة للنساء اللاتي فقدن أزواجهن أو انفصلن عن أسرهن.

وتشير أبحاث عن اللاجئات السودانيات في شرق تشاد إلى أن الزواج يمثل أيضاً أحد المسارات الأساسية التي تحصل من خلالها بعض النساء على الأرض أو ترتبط من خلالها حقوقهن الاقتصادية بالأسرة الزوجية؛ ما يجعل فقدان الزوج أو الانفصال أثناء الحرب أكثر خطورة على حياتهن الاجتماعية.

في المقابل، ظهرت قصص أخرى تؤكد قدرة السودانيين على مقاومة الحرب بالحياة نفسها، فالزواج لم يعد احتفالاً بانتهاء الحرب، بل في بعض الحالات يمثل إعلاناً بأن الحياة لن تنتظر انتهاءها.

وهذا الصمود يؤكد أن الأسرة السودانية لم تكسرها الحرب ولا أهوالها، ورغم تخليها المؤقت عن طقوسها الاجتماعية في الزواج التي كانت تنشر الفرحة بين العائلة وكل مناطق الجوار في زفة جماعية حول العروسين، فإن إرادة الحياة جعلت الفرحة تتكرر كل يوم رغم محدوديتها ورغم أزيز الطائرات ودوي المدافع وجرائم القتل والنهب والاغتصاب.

وتشير بيانات حديثة إلى أن نحو 12.7 مليون شخص كانوا معرضين لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في مطلع 2026م، بينما ظل تمويل برامج الصحة الإنجابية والحماية أقل بكثير من الاحتياجات، لذلك فإن أزمة الزواج في السودان ليست أزمة حفلات مؤجلة فقط، إنها تكشف كيف أعادت الحرب تشكيل الأسرة السودانية نفسها، وفي مخيمات النزوح واللجوء تحديداً، سيظل مستقبل الزواج مرتبطاً بعودة الأمن وفتح المدارس واستعادة الاقتصاد وتوفير السكن وحماية النساء والفتيات من العنف.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة