زوجة شهيد بنصف جسد مبتور!

زوجة شهيد بنصف جسد مبتور!

كان الانتظار طويلًا جدًا، فالساعات لا تمضي سريعًا، والدقائق والثواني تُحسب على أمل واحد؛ أن يحين موعد سفر الجريحة الفلسطينية شروق لتلقي العلاج في الخارج.

لم يكن الجرح الذي أصابها عاديًا، بل كان بالغ القسوة، إذ أفقدها نصف جسدها، وحكم عليها بأن تمضي ما تبقى من عمرها على كرسي متحرك.

زوجة شهيد

بدأت الحكاية عندما خرجت شروق برفقة زوجها بحثًا عن الطعام، في ظل المجاعة الخانقة التي يعيشها قطاع غزة، كانت تلك المرة الأولى التي يطلب منها زوجها أن تترك طفلهما محسناً لدى إحدى الجارات.

أثار طلبه استغرابها، لكنها استجابت له دون أن تعلم أن تلك اللحظة ستكون الأخيرة التي تجمعهما.

كانت الطرق شبه خالية من المارة، ولم تدرك أن خلوها كان بسبب اقتراب دبابات الاحتلال، وبينما كانا يبحثان عن لقمة تسد جوعهما، باغتهما القصف، فمزق جسد زوجها إلى نصفين أمام عينيها، لتدرك في تلك اللحظة أنه ارتقى شهيدًا.

كان المشهد يفوق الاحتمال، وألم الفقد ينهش قلبها، فيما لم يكن يشغلها سوى العودة إلى طفلها الصغير محسن.

اشتد القصف، وأصبح من المستحيل سحب جثمان زوجها أو الاقتراب منه، فلم تجد أمامها سوى أن تشق طريقها وسط الخطر والرعب لتصل إلى طفلها، حتى ضمته إلى صدرها.

لاحقًا، أُبلغت بأن زوجها موجود في المستشفى، فتعلقت بأمل صغير، وحاولت أن تُكذّب ما رأته بعينيها، وظنت أنه ما زال جريحًا، رغم أن المشهد الذي لن يفارق ذاكرتها كان يؤكد استشهاده.

أُم يتيم

رغم الخطر والمسافات، حملت طفلها وتوجهت إلى المستشفى، وهناك كانت الحقيقة القاسية بانتظارها، وقفت أمام جثمان زوجها، لتصبح منذ تلك اللحظة زوجة شهيد، بينما أصبح طفلها الصغير ابن شهيد.

كان الوداع موجعًا، لكن رحمة الله كانت أوسع من الألم، فتحلت بالإيمان والصبر والرضا، مستندة إلى يقينها بالله.

ومع اشتداد المجاعة، وحاجة طفلها إلى الحليب، لم تكن تملك سوى نحو 20 دولارًا فقط، لذلك قررت أن تبدأ من جديد، فأنشأت مشروعًا صغيرًا لصناعة المعجنات وبيعها، محاولة توفير لقمة العيش لها ولطفلها.

القصف مجددًا

لكن الحرب لم تمنحها فرصة للحياة؛ فقد تعرض منزل عائلة زوجها للقصف، واستشهد من كان بداخله، وعندما فتحت عينيها بعد الانفجار، وجدت نفسها وقد فقدت إحدى قدميها، بينما أصيبت الأخرى بإصابة بالغة.

ورغم شدة الألم، لم يكن همها الأول جراحها، بل البحث عن طفلها، وما إن رأته حيًا حتى شعرت أن وجعها كله تراجع، رغم أنه كان يغور في جسدها وروحها.

خضعت شروق لسلسلة طويلة من العمليات الجراحية، انتهت ببتر كامل لإحدى ساقيها، وبتر جزئي في الأخرى، ما أبقى أملًا في إمكانية تركيب طرف صناعي مستقبلًا.

العلاج في الخارج

حاولت مرارًا استكمال إجراءات العلاج في الخارج، إلا أن كل المحاولات اصطدمت بإغلاق المعابر وصعوبة سفر الجرحى والمرضى.

ومع مرور الوقت، كان التأخير يحسم المعركة ضد جسدها، فتفاقمت حالتها الصحية، واضطر الأطباء إلى بتر ما تبقى من قدمها الثانية، لتفقد نصف جسدها بالكامل، وهي لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها.

صبر يتحدى الوجع

تعيش شروق اليوم في خيمة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، بالقرب من إحدى المقابر في مدينة غزة، في ظروف إنسانية بالغة القسوة.

اجتمع على جسدها الصغير البتر، والفقد، والحرمان، ومسؤولية تربية طفلها اليتيم، إلا أن قلبها ما زال عامرًا بالإيمان والرضا.

ورغم كل ما مرت به، لا تكتفي شروق بالصبر على آلامها، بل تحاول أن تكون سندًا للجريحات من حولها، فتزرع في قلوبهن الأمل، وتمنحهن القوة على مواصلة الحياة، حتى وهي تحمل في جسدها وروحها وجعًا لا ينتهي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة