سابقة أممية.. دولة الاحتلال على القائمة السوداء للعنف الجنسي في النزاعات
في تطور غير
مسبوق، أدرجت الأمم المتحدة دولة الاحتلال، للمرة الأولى، ضمن «القائمة السوداء»
للأطراف المتهمة بارتكاب أنماط من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة، ويُعد
هذا القرار محطة فارقة في مسار المساءلة الدولية، ليس فقط بسبب المكانة السياسية
والدبلوماسية التي تحظى بها دولة الاحتلال في النظام الدولي، بل لأنه يمثل
اعترافاً أممياً رسمياً بوجود معطيات وأدلة ذات مصداقية بشأن انتهاكات جنسية
ارتُكبت في سياق حرب الإبادة والاحتجاز والاعتقال والتعذيب.
ورغم أن القرار
جاء متأخراً بالنظر إلى حجم الانتهاكات الموثقة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإنه
يُعد انتصاراً للعدالة الدولية وخطوة مهمة نحو محاسبة دولة الاحتلال على
انتهاكاتها الجسيمة.
«القائمة السوداء» للعنف الجنسي في النزاعات
تُصدر الأمم
المتحدة سنوياً تقرير الأمين العام بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة،
استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم (2467) وغيره من القرارات ذات الصلة بالأطراف
التي تتوافر بشأنها معلومات موثوقة تشير إلى مسؤوليتها عن أنماط متكررة من
الاغتصاب أو الاعتداءات الجنسية أو غيرها من أشكال العنف الجنسي في سياق النزاعات
المسلحة.
ولا يُعد
الإدراج في هذه القائمة حكماً قضائياً نهائياً، لكنه يمثل أحد أعلى مستويات
الإدانة السياسية والأخلاقية داخل منظومة الأمم المتحدة، ويؤدي إلى زيادة الضغوط
الدبلوماسية والمطالبات باتخاذ إجراءات تصحيحية، فضلاً عن تأثيره المباشر على صورة
الدول والأطراف المدرجة أمام المجتمع الدولي.
لماذا أُدرجت دولة الاحتلال في القائمة السوداء؟
استند إدراج
دولة الاحتلال إلى معلومات ووقائع موثقة تتعلق بانتهاكات جنسية تعرض لها
فلسطينيون، داخل مراكز الاحتجاز والسجون الصهيونية، كالاغتصاب والعنف الجنسي
والتعذيب ذي الطابع الجنسي والمعاملة المهينة بحق معتقلين فلسطينيين، معظمهم مدنيون،
وقد خضعت عملية التوثيق للمعايير المعتمدة لدى الأمم المتحدة، التي تقوم على
التحقق المتعدد من المعلومات والشهادات قبل الوصول إلى مرحلة الإدراج الرسمي.
دلالات القرار وتحول المقاربة الأممية
تكمن أهمية هذه
الخطوة في أنها تكسر استثناءً سياسياً استمر لعقود، فدولة الاحتلال واجهت على مدى
سنوات طويلة انتقادات وتقارير حقوقية تتعلق بانتهاكات القانون الدولي الإنساني،
إلا أن إدراجها على قائمة العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات يمثل انتقالاً من مستوى
الانتقاد الحقوقي العام إلى مستوى الاتهام الأممي المباشر بارتكاب أحد أخطر
الجرائم الدولية.
كما ينسجم
القرار مع مسار أوسع شهدته السنوات الأخيرة، تمثل في اتجاه مؤسسات الأمم المتحدة
والهيئات القضائية الدولية إلى توسيع نطاق التحقيق والتدقيق في الانتهاكات
المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يشمل جرائم الحرب والجرائم ضد
الإنسانية والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين.
وعلى الرغم من
الطابع الحقوقي والقانوني للقرار، فإن تداعياته السياسية لا يمكن فصلها عن سياق
حرب الإبادة على قطاع غزة، ففي الوقت الذي رفضت فيه الحكومة الصهيونية القرار
واعتبرته ذا دوافع سياسية، أكدت الأمم المتحدة أن معايير الإدراج تُطبق على جميع
الأطراف دون استثناء أو تمييز، وأن إدراج دولة الاحتلال جاء وفق المعايير نفسها
المطبقة على بقية الأطراف المدرجة في التقرير.
القرار من منظور القانون الدولي
يُصنف العنف
الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة ضمن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي
الإنساني، وقد يرقى في ظروف معينة إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية عندما يكون
جزءاً من سياسة ممنهجة أو ممارسة واسعة النطاق.
ويمثل القرار
مؤشراً مهماً يمكن أن تستند إليه مستقبلاً جهات التحقيق الدولية والمحاكم المختصة،
بما في ذلك الهيئات القضائية الدولية المعنية بالنظر في الانتهاكات المرتكبة خلال
حرب الإبادة، ويوفر أساساً توثيقياً وسياسياً يعزز مطالبات المساءلة والمحاسبة،
ويدعم الجهود الرامية إلى الحد من الإفلات من العقاب.
وفي المقابل،
تؤكد الوثائق الأممية أن آليات التحقيق الخاصة بالعنف الجنسي لم تقتصر على طرف
واحد في النزاع، إذ سبق للأمم المتحدة أن أشارت إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد
بوقوع أعمال عنف جنسي خلال أحداث السابع من أكتوبر 2023م؛ ما يعكس اعتماد المنظمة
الدولية معايير موحدة في رصد الانتهاكات والتحقيق فيها.
بين خطاب حقوق الإنسان والواقع السياسي
يثير إدراج دولة
الاحتلال على القائمة السوداء تساؤلات عميقة حول مدى اتساق المواقف الغربية مع
المبادئ التي طالما رفعتها تحت شعارات حماية حقوق الإنسان والدفاع عن القانون
الدولي.
فعلى مدى عقود،
قدمت الدول الغربية نفسها بوصفها الحارس الأول لمنظومة الحقوق والحريات العالمية،
ولم تتردد في فرض عقوبات سياسية واقتصادية على دول وجماعات متهمة بارتكاب انتهاكات
جسيمة، غير أن التعامل مع الانتهاكات المنسوبة إلى دولة الاحتلال كشف، في كثير من
الأحيان، عن ازدواجية واضحة في المعايير، تمثلت في التقليل من شأن تقارير حقوقية
دولية، أو التشكيك في مصداقيتها، أو تعطيل ترجمتها إلى إجراءات سياسية وقانونية
ملموسة.
وقد برز هذا
التناقض بصورة أكثر وضوحاً خلال حرب الإبادة على غزة، إذ تزامنت التقارير الأممية
والحقوقية التي وثقت انتهاكات خطيرة بحق المدنيين مع استمرار الدعم السياسي
والعسكري والدبلوماسي الذي وفرته عواصم غربية رئيسة لدولة الاحتلال، وفي الوقت
الذي دعت فيه هذه الدول إلى احترام القانون الدولي الإنساني في نزاعات أخرى، بدت
أكثر تحفظاً في تبني المواقف ذاتها عندما تعلق الأمر بالانتهاكات المرتكبة من قبل
دولة الاحتلال.
ازدواجية وانتقائية في تطبيق القرارات
إن استمرار هذه
الازدواجية يهدد بتآكل الثقة العالمية بالنظام الدولي، إذ إن الانتقائية في تطبيق
المعايير القانونية والأخلاقية تقوض شرعية المؤسسات الدولية، وتمنح الأنظمة
المتهمة بانتهاكات حقوقية ذرائع للتشكيك في نزاهة منظومة حقوق الإنسان برمتها.
ولذلك، فإن
إدراج دولة الاحتلال على هذه القائمة لا يمثل مجرد إدانة أممية لطرف في نزاع مسلح،
بل يسلط الضوء أيضاً على أزمة أعمق تتعلق بمدى قدرة المجتمع الدولي على تطبيق
مبادئ العدالة والمساءلة بصورة متساوية، بعيداً عن اعتبارات النفوذ السياسي
وموازين القوى.
لا يمثل إدراج
دولة الاحتلال على القائمة السوداء للأمم المتحدة الخاصة بالعنف الجنسي في
النزاعات مجرد بند إضافي في تقرير أممي دوري، بل يشكل منعطفاً سياسياً وقانونياً
مهماً في مسار التعاطي الدولي مع الحرب على غزة والانتهاكات المرتبطة بها.
فالقرار يعكس
انتقال القضية من دائرة الاتهامات الحقوقية والإعلامية إلى دائرة التوثيق الأممي
الرسمي، ويؤكد أن ملف المساءلة الدولية بات أكثر حضوراً في المشهد السياسي العالمي،
والأهم من ذلك أن الأمم المتحدة وضعت دولة الاحتلال، للمرة الأولى، ضمن سجل
الأطراف المتهمة بارتكاب أنماط من العنف الجنسي، في خطوة ستبقى ذات أثر طويل المدى
على صورتها الدولية وعلى القدرة على محاسبتها وتحقيق العدالة الدولية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً