تأثير الاستشراق على الأدب..
سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (16)
التَّفْسِيرُ الاستشراقيّ الدِّينِيّ لِغيَابِ المَلاحِمِ
تَناوَلْنَا فِي
المَقاَلِ السَّالفِ من مقالات سطوة الاستشراق التَّفسِيرَ (العُنصرِيَّ، وَالنَّفسِيَّ، وَالعَروضِيَّ)
لِغيَابِ المَلاحِمِ عَنْ أَدبِنَا العَربيِّ، وَبقَيَ أَنْ نَتحَدَّثَ عَنِ
التفْسِيرِ الدِّينِيِّ لِهَذَا الغِيَابِ؛ حَيْثُ يُحاوِلُ بَعضُ النقَّادِ
تَقدِيمَ سَببٍ آخَرَ، فَيَجْعَلُونَ الدِّينَ الإِسْلَامِيَّ سَببًا لِعَدَمِ
إِقْبَالِ العَربِ عَلَى تَرجَمَةِ المسْرَحِ الإِغْرِيقِيِّ؛ مِثْلَما يُعللُ
الدكتُورُ مُحمّدُ مَنْدُور فِي كِتَابِهِ (المَسْرَحُ) قُصُورَ الأَدَبِ
العَربِيِّ عَنْ بُلُوغِ شَأْوِ الملْحَمَةِ وَالدِّرَامَا بِمَفْهُومِهِمَا
اليُونَانِيِّ؛ بِطَبِيعَةِ الدِّينِ الإِسْلَامِيِّ، فَيقُولُ: «وَالَّذِي لَا
شَكَّ فِيهِ أَنَّ الدِّينَ الإِسْلَامِيَّ قَدْ حَالَ دُونَ تَرجَمَةِ المسْرَحِ
الإِغْرِيقِيِّ القَائِمِ عَلَى الوَثَنِيّةِ وَآلِهَتِهَا وَأَسَاطِيرِهَا إِلَى
اللغَةِ العَربيَّةِ، بَينَما لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ تَعَارُضٍ بَينَ هَذَا
الدِّينِ وَالفَلْسَفَةِ الإِغْرِيقِيّةِ. وَبِخَاصَّةٍ المنطِقُ..» (محمد مندور:
المسرح: 17).
وَيُوافِقُه
الأُسْتَاذُ أَحْمَدُ أَمِينُ أَوْ رُبَّما يَسبِقُهُ؛ إِذْ يَعُودُ إِلَى
مُناقشَةِ هَذِهِ القَضِيّةِ فِي كِتَابِهِ (ضُحَى الإِسْلَامِ)، فَيُضِيفُ
سَببيْنِ آخَريْنِ (غَيرَ ضَعْفِ العَقْلِ العَربيِّ) لِضَعْفِ تَأثِيرِ الأَدَبِ
اليُونَانِيِّ فِي ثَقافَتِنَا العَربيّةِ؛ «أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الفَلسَفَةَ
وَالعُلُومَ عَالَمِيّةٌ، وَالأَدَبُ قَوْمِيٌّ؛ وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الأَدَبَ
اليُونَانِيَّ أَدَبٌ وَثَنِيٌّ، فِيهِ آلِهَةٌ مُتعَدِّدَةٌ، وَفِيهِ عِبَادَةُ
أَبْطَالٍ، وَالذَّوْقُ العَربِيُّ حِينَ تُرجِمَتِ العُلُومُ ذَوْقٌ مُسْلِمٌ،
لَمْ يَسْتَسِغْ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الأَدَبِ الوَثَنِيِّ» (ضحى الإسلام: 1/305).
ثُمَّ تَقْرأُ
كِتَابَ مَحمُودِ حَامِدِ شَوْكَتْ (المسْرَحِيةُ فِي شِعْرِ شَوْقِي)، فَتَجِدُهُ
يَنقُلُ كَلامَ الأُسْتَاذِ أَحمَد أَمِين السَّالِفَ بِنَصِّهِ مِمّا يَدُلُّ
عَلَى أَنّهُ يُوافِقُهُ (المسرحية في شعر شوقي:30)، كَمَا يُؤَكِّدُ الأُستَاذُ
أَمِينُ الْخُولِي صُدُوفَ العَربِيِّ عَنْ تَرجَمةِ المسْرَحِ عَنِ
الإِغْرِيقِيّةِ لأَنهُ وَثَنِيٌّ، وَانْصِرَافَهُ إِلَى تَرجَمةِ الفَلْسَفَةِ (عمر
الطالب: ملامح المسرحية العربية الإسلامية: 21).
وَنَحْنُ مَعَ
ذَلِكَ لَمْ نَسْتَقْصِ مَنْ عَلَّلَ غِيَابَ الملَاحِمِ وَالمسْرَحِيَّاتِ عَنْ
أَدَبِ العَربِ بِمَا فِيهِمَا مِنْ وَثَنيَّاتٍ صَرَفَتِ العَربَ عَنْ
تَرجَمَتِهِمَا؛ غَيْرَ أَنّنَا نُؤكِّدُ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ غَيرُ صَحِيحٍ؛
لِأَنَّ القَائِلِينَ بِهِ وَقَعُوا فِي التنَاقُضِ؛ إِذْ أَشَارُوا إِلَى أَنَّ
العَربَ نَقَلُوا الفَلسَفَةَ اليُونَانيةَ، وَمِنَ المؤكَّدِ أَنْ تَحوِيَ تِلْكَ
الفَلسفَةُ ضُرُوبًا مِنَ الوَثَنِيّةِ؛ أَلَيسَتْ نَابِعَةً مِنَ المجتَمَعِ
اليونَانِيِّ وَحَضَارَتِهِ؟ أَلَيْسَتْ الفَلسَفَةُ مُرتَبِطَةً بِالوثَنيّةِ
الإِغْرِيقِيةِ؟ وَمِنْ ثَمَّ أَلَمْ تَرتَبِطِ المسْرحيَّاتُ الإِغريقيةُ
بِالفَلْسَفَةِ وَالوَثَنيةِ وَالحضَارَةِ الإِغْرِيقيَّةِ، فَإِذَا كَانَ
الدِّينُ الإِسْلَامِيُّ تَوحِيدِيًّا يَجُبُّ الوَثَنيةَ فَلِمَ تُرجِمَتِ
الفَلسفَةُ الإِغرِيقيةُ وَاتُّخذَتْ أَسَاسًا لمدَارِسَ فِكريةٍ إِسْلَامِيّةٍ،
وَلِمَ تَأَثّرَ بِهَا المعتَزِلَةُ كلَّ هَذَا التَّأثُّرِ، وَلَمْ يَجرُؤْ
أَحَدٌ عَلَى تَرجَمةِ الأَدَبِ الإِغْرِيقِيِّ؟!! (السابق: 22).
وَزِدْ عَلَى
ذَلِكَ أَنَّ العَربَ كَانُوا وَثَنِيينَ كَاليُونَانِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ
الإِسْلَامُ بِالموَانِعِ وَالتَّحْرِيمَاتِ؛ فَلِمَ لَمْ يَعْرِفُوا هَذِهِ
الفُنُونَ؟ (إبراهيم عوض: دراسات في المسرح: 21)، نَاهِيكَ بِأَنَّ هَذَا
التعْلِيلَ لَيْسَ بِنَجْوَةٍ مِنْ أَثَرِ الاستِشْرَاقِ؛ إِذْ يَعُودُ إِلَى مَا
ذَهَبَ إِلَيهِ المستَشْرِقُ الأَلمانيُّ جُوسْتَافُ فُون جِرينيُوم؛ مِنَ أَنَّ
الإِسْلَامَ السُّنيَّ لَمْ يَنْجَحْ فِي خَلْقِ فَنٍّ مَسْرَحِيٍّ بِرُغْمِ
مَعرِفَتِهِ بِالثقَافَةِ اليُونَانيةِ وَالهندِيةِ، وَهَذَا لَا يَعُودُ إِلَى
سَببٍ تَارِيخيٍّ قَدْرَ مَا يَعُودُ إِلَى مَفْهُومِ الإِنْسَانِ فِي
الإِسْلَامِ، الذِي يَمْنَعُ وُقُوعَ أَيِّ نَوعٍ مِنَ التحَدِّي لِلقُوَى
العُلْيَا وَالمؤمِنِ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ. (ملامح المسرحية العربية الإسلامية:
22).
وَلَيسَ يَخفَى
أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ التعْلِيلَاتِ قَدْ نَبتَتْ تَحتَ الشُّعُورِ بِالْخَيْبَةِ
وَالنَّقْصِ اللَّذَيْنِ شَعَرَ بِهِمَا البَاحثُونَ العَربُ عِنْدَمَا افتَقَدُوا
الملاحِمَ وَالمسرَحِيَّاتِ فِي أَدَبِهِمْ، وَلَمْ يَفْطِنُوا إِلَى خُصُوصِيّةِ
الأَدَبِ العَربِيِّ، وَكَانَ يَنبَغِي أَنْ يَبحَثُوا عَمّا يُميِّزُ أَدَبَهُمْ،
وَأَلَّا يَدخُلُوا فِي مُقَارنَةٍ لَمْ يُضْطَرُّوا إِلَيهَا مَعَ الأَدَبِ
اليُونَانِيِّ أَوْ سِوَاهُ مِنَ الآدَابِ، فَلِكُلِّ أُمّةٍ أَدَبُهَا
وَفُنونُهَا التِي تُميِّزُهَا، وَلَا يَنبَغِي أَنْ تَستَشْعِرَ أُمّةٌ نَقْصًا
إِزَاءَ أَدَبٍ أَوْ نَوعٍ أَدَبِيٍّ لَا تَجدُهُ بَينَ آدَابِهَا أَوْ
فُنُونِهَا، وَلَقَدْ وَضَعَ د. عَليُّ الطَّاهِرِ سِنَّ قَلَمِهِ عَلَى ذَلِكَ
الدَّاءِ حِينَ قَالَ: «عِندَمَا جَاءَ البَاحِثُونَ العَربُ المحْدَثُونَ
وَاطَّلَعُوا عَلَى النَّوْعِ الملحَمِيِّ فِي أُورُبَّا، وَخُلُوِّ شِعْرِنَا
مِنْ هَذَا النوْعِ بِمَعْنَاهُ الدَّقِيقِ وَاستَشْعَرُوا - رُبَّما كَثِيرًا -
مِنَ الْخَيْبَةِ وَالنَّقْصِ، رَاحُوا يَتقَصَّوْنَ مَيادِينَ أُخْرَى مِنَ
النَّثْرِ فَوجَدُوا مَا سَمَحُوا لِأَنفُسِهِمْ مَعَهُ بِعَدِّهِ مَلَاحِمَ أَوْ
مِنَ الملَاحِمِ» (مقدمة في النقد الأدبي: 95).
وَضْـعُ القَضِيَّـةِ فِي حَاقِّ مَوْضِعِهَا
وَلَا يَعنِي
ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ البَاحِثِينَ العَرَبِ قَدِ استَشْعَرُوا هَاتَيْنِ
النَّقِيصَتَيْنِ (الْخَيبَةَ وَالنَّقْصَ)؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَأَى
القَضِيَّةَ رُؤْيَةً أُخْرَى، وَكَانَ فِي مُقدِّمَتِهِمْ الأَدِيبُ
اللُّبنَانِيُّ سُلَيمَانُ البُسْتَانِيِّ الذِي قَرأَ إِلْيَاذَةَ هُومِيرُوسَ
وَأُعْجِبَ بِهَا فَنقَلَهَا إِلَى العَربيةِ شِعْرًا، بَلْ كَانَ أَوَّلَ مَنِ
استَخْدَمَ مُصطَلَحَ الملحَمَةِ مُقَابِلًا لِكَلِمَةِ (أپُو) اليُونَانيّةِ،
لَكِنّهُ مَعَ ذَلِكَ الإِعْجَابِ لَمْ يَشْعُرْ بِالنَّقْصِ؛ لأَنّهُ رَأَى
أَدَبَهُ العَربِيَّ خَالِيًا مِنَ الملَاحِمِ، وَلَمْ يَجدْ فِيهِ مِثْلَ
الإِلْيَاذَةِ التِي تَرجَمهَا، بَلْ قُلْ إِنّهُ لَمْ يُسَلِّمْ بِأَنَّ أَدَبَ
العَربِ قَدْ خَلَا مِنَ الملَاحِمِ خُلُوًّا تَامًّا وَمِنْ ثَمَّ تَراهُ
يَجْهَدُ مَا وَسِعَهُ الْجُهْدُ كَيْ يُثْبِتَ أَنَّ العَربَ قَدْ عَرفُوا
ضَرْبًا مِنَ الملَاحِمِ، وَإِنْ لَمْ يَتطَابَقْ مَعَ مَلَاحِمِ اليُونَانِ،
وَتَراهُ يَعُودُ إِلَى عُصُورٍ سَحِيقَةٍ، فَيجْعَلُ العَربَ أَسْبَقَ إِلَى
الملَاحِمِ مِنَ اليُونَانِ وَالرّومَانِ؛ لأَنّهُ يُرجِّحُ أَنَّ أَيُّوبَ
عَلَيهِ السَّلَامُ عَربِيٌّ، وَمِنْ ثَمَّ يَكُونُ سِفْرُهُ فِي التَّورَاةِ
مَلحَمَةً عَرَبيّةَ الأَصْلِ مُتقَدِّمَةً عَلَى مَلَاحِمِ اليُونَانِ
وَالرُّومَانِ، عَلَى أَنَّ الأُسْتَاذَ سُلَيمانَ البُستَانِيِّ يَعُودُ
فَيُهوِّنُ مِنَ القَوْلِ بِهذَا الرَّأْيِ؛ لأَنّهُ لَا يُفِيدُ العَربَ
كَثِيرًا، فَالأَصْلُ العَربيُّ لِتِلْكَ الملْحَمَةِ فِي رَحِمِ الغَيْبِ،
وَعَلَى فَرضِ وُجُودِهِ، فَلَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ عَربيّةِ مُضَرَ مَا يُمْكِنُ
أَنْ يُعوَّلَ عَلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّه يَستَحْسِنُ أَنْ يَكُونَ البَحْثُ
فِي الشِّعْرِ البَاقِي بِاللُّغَةِ العَربيّةِ المُضَرِيّةِ (هوميروس: الإلياذة،
ترجمة سليمان البستاني: 151).
وَبَعْدَ
مُقارَنةٍ بَينَ جَاهِلِيَّةِ العَربِ وَجَاهِلِيَّةِ اليُونَانِ، يَنتَهِي
الأُستَاذُ البُستَانِيُّ إِلَى وُجُودِ فِلْذَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ القَصَصِيِّ
لَدَى العرَبِ مِثْلَ القَصَائِدِ التِي كُتِبَتْ فِي حَرْبِ البَسُوسِ، فَقَدْ
كَانَتْ كُلُّ قَصِيدَةٍ مِنْهَا قِطْعَةً مِنْ مَلْحمَةٍ، وَلَكِنَّ تِلْكَ
القِطَعَ غَيرُ مُلتَئِمَةٍ لِفُقْدَانِ اللُّحْمَةِ بَينَهَا فَهِيَ
كَالحِجَارَةِ المنْحُوتَةِ قَدْ أُحْكِمَتْ صَنْعَتُهَا، وَبَقِيَتْ مُلقَاةً فِي
أَرْضِهَا غَيرَ مَرصُوصَةٍ بِالْبِنَاءِ (السابق: 153).
وَرُغْمَ كُلِّ
ذَلِكَ لَمْ يَشْعُرِ الأُسْتَاذُ البُسْتَانِيُّ بِالحرَجِ أَوِ النَّقْصِ؛
لأَنَّ أَجْدَادَهُ العَربَ لَمْ يَنْظِمُوا الملَاحِمَ الطَّوِيلَةَ
كَاليُونَانِ، وَمِنْ ثَمَّ نَرَاهُ يُنَاقِشُ تِلْكَ المسْأَلةَ فَيضَعُهَا فِي
حَاقِّ مَوْضِعِهَا حِينَ يَردُّهَا تَارَةً إِلَى طَبِيعَةِ العَربِ، الَّتِي لَا
تَعْرِفُ ذَلِكَ الضَّرْبِ مِنَ النَّظْمِ، وَلَا يَقْرِفُهَا بِالنَّقْصِ أَوِ
القُصُورِ، مِثْلَما رَأَيْنا لَدَى بَاحِثِينَ آخَرِينَ، أَوْ يَرُدُّهَا تَارَةً
أُخْرَى إِلَى تَمَيُّزِ كُلِّ أُمّةٍ وَتَفَرُّدِهَا بِنَمَطٍ مِنَ الأَدَبِ
يُميِّزُهَا عَنْ سِوَاهَا.
يَقُولُ
الأُستَاذُ سُلَيمَانُ البُسْتَانِيِّ: «.. وَإِنَّ العَربَ فِي الجاهِلِيّةِ لَمْ
يَنْظِمُوا الملَاحِمَ المحْكَمَةَ العُرَى مَعَ تَوقُّدِ القَرائِحِ، وَتَوفُّرِ
مُعِدَّاتِ الفَصَاحَةِ فِي اللغَةِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ النَّسَقَ فِي النَّظْمِ لَمْ
يَكُنْ فِي طَبْعِهِمْ فَلَمْ يَتخَطَّوْا إِلَى مَا وَرَاءَ الطَّبِيعَةِ،
وَكَانُوا مَعَ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ يَمِيلُونَ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَكَانَ
التَّسْلِيمُ لِلأَحْكَامِ العُلْوِيَّةِ مِنْ سُنَنِهِمْ قَبْلَ الإِسْلَامِ،
فَلَمْ يُوغِلُوا فِي التَّخَيّلَاتِ الشِّعْرِيّةِ إِلَى النَّظَرِ فِي أَحْوَالِ
الآلِهَةِ، وَمَا يَترَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَفرُّعِ البَحْثِ الوَاحِدِ إِلَى
أَبْحَاثٍ مُتعَدِّدَةٍ عَلَى مَا هُوَ شَأْنُ الأُمَمِ الآرِيَّةِ، وَكُلُّ مَا
يُرى مِنَ الشَّبَهِ بَينَ أَحْوَالِهِمْ وَأَحْوَالِ قُدمَاءِ اليُونَانِ،
إِنَّما هُوَ مِنَ المظَاهِرِ التِي أَلَّفَتْ بَينَهَا طُرُقُ المعِيشَةِ
الجاهِليّةِ... وَلَيْسَ مِنَ اللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ شِعْرُ جَمِيعِ الأُمَمِ
عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ بَلْ رُبّما كَانَ هَذَا التّبايُنُ مِنَ الأَسْبَابِ
الْمُؤدِّيَةِ إِلَى إِبْرَازِ أَنْوَاعِ الجمَالِ كَافّةً عَلَى اختِلَافِ
صُوَرِهِ وَأَشْكَالِهِ فَالشَّاعِرُ القَصَصِيُّ مِنَ اليُونَانِ وَخُلفَائِهِمْ
كَانَ إِذَا قَصَّ حَادِثَةً رَوَاهَا كُلَّهَا شِعْرًا، وَأَمَّا الشَّاعِرُ
العَربِيُّ فَيُنْشِدُ الشِّعرَ حَيْثُ يَحْسُنُ وَقْعُهُ.
وَأَكْثَرُ مَا
يَكُونُ ذَلِكَ فِي الوَصْفِ وَالخِطَابِ وَالجوَابِ، وَيَقُولُ البَاقِيَ نَثْرًا..
فَلَا سَبِيلَ إِذَنْ لِلزَّعْمِ بِوُجُودِ مَلَاحِمَ لِعَربِ الجاهِلِيةِ عَلَى
نَحْوِ مَا يُرادُ مِنْهَا بِعُرْفِ الإِفْرِنْجِ، وَلَكِنَّ لِلجَاهِلِيينَ
نَوْعًا آخَرَ مِنَ الشِّعْرِ القَصَصِيِّ مِمَّا يَعِزُّ وُجُودُهُ فِي سَائِرِ
اللغَاتِ، وَذَلِكَ فِي الملَاحِمِ القَصِيرَةِ الْمَقُولَةِ فِي حَوَادِثَ
مَخْصُوصَةٍ، فَجَمِيعُ شُعرَاءِ الجاهِلِيّةِ وَبَعْضُ المخَضْرَمِينَ قَدْ
سَلَكُوا هَذَا المسْلَكَ وَأَجَادُوا فِيهِ، وَلَوْ تَصَفَّحْتَ كِتَابَ
الأَغَانِي، وَمُفَضَّلِيَّاتِ الضَّبيِّ، وَأَمْثَالَهُمَا مِنْ كُتُبِ الأَدَبِ
وَالشِّعْرِ رَأَيْتَهَا مَلْأَى بِهَذِهِ المنظُومَاتِ الغَرَّاءِ» (السابق: 154).
مُقَارَنَـةٌ لَا تَصِحُّ
لَقَدْ نَقَلْتُ
كَثِيرًا مِنْ كَلَامِ الأُسْتَاذِ سُليمَانَ البُستَانِيِّ؛ كَيْ أُثْبِتَ أَنَّ
الرجُلَ كَانَ ذَا رُؤْيةٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ تَأْسِرْهَا مَقُولَاتُ
المُستَشْرِقِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي جِلْدَتِنَا، لأَنّهُ أَدْرَكَ
أَنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ آدَابَهَا وَفُنُونَهَا، وَلَوْ نَظَرَ البَاحِثُونَ إِلَى
القَضِيَّةِ بِتِلْكَ العَيْنِ؛ لَأَرَاحُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ مُقارَنَةٍ
ظَلُومٍ، تُفَضِّلُ أُمّةً عَلَى أُمّةٍ، أَوْ عَقْلًا عَلَى عَقْلٍ، وَنَحْنُ
لِهَذَا نَحْمَدُ لِلدُّكتُورِ مُحمَّدِ رَجَبِ البيُّومِيِّ أَنْ نَجَا كَذَلِكَ
مِنْ فِكْرَةِ مُقَايسَةِ الأَدَبِ العَربيِّ إِلَى أَدَبِ اليُونَانِ أَوْ
سِوَاهُمْ، بَلْ إِنّهُ عَابَ عَلَى الوَاقِعِينَ فِي تِلْكَ المقَايسَةِ
نَهْجَهُمْ؛ إِذْ يَقُولُ: «يَستَكْثِرُ بَعْضُ البَاحِثِينَ أَنْ يَكُونَ فِي الأَدَبِ
العَربيِّ مَلْحَمَةٌ مَا، وَأَذْهَانُهُمْ تَسْبِقُ بِلَا رَيْبٍ -حِينَ تَطِنُّ
فِي آذَانِهِمْ كَلِمَةُ مَلْحَمَةٍ- إِلَى إِلْيَاذَةِ هُومِيرُوسَ.
وَكَأَنَّهُمْ
يَقُولُونَ فِي قَرارَةِ نُفُوسِهِمْ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَلْحَمَةُ
كَمَلاحِم ِاليُونَانِ وَإِلَّا فَلَا -وَهُمْ يَشْتَرِطُونَ فِيهَا بِنَاءً عَلَى
هَذَا التصَوُّرِ- أَنْ تَشْمَلَ حَوَادَثَ خَارِجَةً عَنِ الْمَأْلُوفِ، بِحَيْثُ
يَكُونُ أَبْطَالُهَا مَرَدَةً، أَوْ أَنْصَافَ آلِهَةٍ، وَقَدْ يَكُونُونَ
آلِهَةً أَحْيَانًا يَتقَاسَمُونَ المعْركَةَ، وَيَنْصُرُونَ فَرِيقًا عَلَى
فَريقٍ، وَقَدْ يَكُونُونَ شَخْصِيَّاتٍ خُرافِيّةً لَا وُجُودَ لَهَا عَلَى
الإِطْلَاقِ، فَإِذَا تَواضَعَتِ الملْحَمَةُ فَهِيَ مَزِيجٌ بَينَ أَبْطَالٍ
حَقِيقِيينَ وَآخَرِينَ مِنْ دُنيَا الخيَالِ، وَهَذَا التَّصَوُّرُ بَعِيدٌ عَنِ
الفِكْرِ الإِسْلَامِيِّ الذِي لَا يَعتَرِفُ بِغَيْرِ إِلَهٍ وَاحِدٍ لَيسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» (الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير: 85).
وَزِدْ عَلَى
كُلِّ ذَلِكَ أَنَّ المُقَارنَةَ بَينَ الأَدَبينِ (العَربِيِّ وَاليُونَانِيِّ)
غَيرُ صَحِيحَةٍ؛ لأَنَّ الفَرْقَ بَينَ الأَدَبينِ جَوْهَرِيٌّ لَا عَرَضِيٌّ،
فَشِعْرُ المَلاحِمِ لَا يُسِيغُهُ المُتَلقِّي المُعَاصِرِ لِامْتلائِـهِ
بِالخَوارِقِ وَالبُطُولَاتِ الزَّائِفَةِ وَالآلِهَةِ المُتعَدِّدَةِ
المُضْطَرِبَـةِ التِي تُقاتِلُ مَعَ البَشَرِ تَارَةً فَتُجْرَحُ أَوْ تَضْعُفُ،
وَتَارَةً تُسَلِّطُ عَلَى الأَعْدَاءِ حِمَمًا لَا أَوَّلَ لَهَا وَلَا آخِرَ،
وَعَواصِفَ تُدمِّـرُ كُلَّ مَا يَـقِفُ أَمَامَهَا؛ لِذَا فَإِنَّ تَحْوِيلَ
شِعْرِ المَلاحِمِ إِلَى نَـثْرٍ قَصَصِيٍّ كَمَا هُوَ الحَالُ فِي الإِلْيَاذَةِ
وَالأُودِيسَّةِ هُوَ إِنْقَاذٌ لِلمَلامِحِ مِنْ عُزُوفِ المُتلَقِّينَ، أَمَّا
الشِّعْرُ العَربِيُّ قَبْلَ الإِسْلَامِ فَشَأْنُـهُ مُختَلِفٌ تَمَامًا؛
إِنَّـهُ شِعْرٌ غِنَائِيٌّ ذُو نَـفَسٍ بُطُولِيٍّ أَوْ مَلْحَمِيٍّ أَحْيَانًا،
وَلَوْ حُوِّلَ إِلَى نَثْـرٍ لَمَاتَ وَمَا بَـقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمَعْنَى
هَذَا أَنَّ الأَدَبيْنِ يَختَلِفَانِ زَمَانًا وَمَكَانًا وَلُغَةً وَتَراكِيبَ،
وَأَصْوَاتًا وَمَعانِيَ، وَمِنْ ثَمَّ يُصْبِحُ الشِّعْـرُ العَربِيُّ ذَا
شَخْصِيّةٍ مُميَّزةٍ (انظُر مُحمَّد المُبارَك: استقبال النص عند العرب: 121).
وَقَدْ
تَنبَّـهَ حَازِمُ القَرطَاجَنِيُّ إِلَى خُصُوصِيّةِ الكَلَامِ العَربِيِّ
وَتَميُّزِهِ حِينَ يُصَاغُ شِعْرًا
يُفارِقُ أَشْعَارَ الأُمَمِ الأُخْرَى، مِمَّا يُـؤَكِّدُ أَنَّ مُقارَنَةَ
الشِّعْرِ العَربِيِّ بِغَيرِهِ مِنْ أَشْعَارِ الأُمَمِ الأُخْرَى تُعَدُّ
ظُلْمًا لِهَذَا الشِّعْرِ، يَقُولُ حَازِمُ القَرْطَاجَنِيّ: «وَلِشِدَّةِ
حَاجَةِ العَربِ إِلَى تَحْسِينِ كَلامِهَا اخْتُصَّ كَلامُهَا بِأَشْيَاءَ لَا
تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَلْسُنِ الأُمَمِ، فَمِنْ ذَلِكَ تَماثُلُ المَقاطِعِ
فِي الأَسْجَاعِ وَالقَوَافِي؛ لأَنَّ فِي ذَلِكَ مُناسَبَةً زَائِدَةً، وَمِنْ
ذَلِكَ اخْتِلَافُ مَجارِي الأَوَاخِرِ، وَاعْتِقَابُ الحَركَاتِ عَلَى أَوَاخِرِ
أَكْثَرِهَا، وَنِيَاطَتُهُمْ حَرْفَ التَّرنُّمِ بِنِهَاياتِ الصِّنْفِ الكَثِيرِ
المَوَاقِعِ فِي الكَلامِ مِنْهَا ...إلخ» (المِنْهَاجُ: 122).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً