سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (4)

المسْتشْرقُون ولمْزُ الرُّواة العرب

أشرْنا في المقالة السّالفة إلى حرْص المسْتشرقين على تأكيد شفهيّة الشعر الجاهليّ؛ حتّى يسهل الشّكُّ فيه والارتيابُ في صحّة ما وصلنا منْهُ؛ وليس بنا أنْ نستقْصي كلّ ما قاله المستشرقون في تأكيد شفهيّة الشعر الجاهلي؛ وقد نقلنا كلام ثلاثةٍ منْهُم كي نُؤكّد أنّ اتفاقهم في الغاية؛ جعلهم يقولُون كلامًا واحدًا بصياغات مختلفةٍ، وإذا أردْنا أنْ نُجلّي أثر أقْوالهم في الكتابة العربية؛ فحسْبُنا أنْ نستدلّ بنمُوذجٍ واحدٍ لضيق المقام، عنيْتُ د. عبد العزيز نبويّ؛ إذْ يؤكّدُ في غير موضعٍ من كتابه (دراسات في الشعر الجاهلي) بأن الرواية الشفهيّة كانت الوسيلة الرئيسة لحفْظ ذلك الشّعْر، ومنْها قولُه (ص 53): "كانت الروايةُ الشفويةُ وسيلةً أساسيةً لحفظ الشعر العربيّ منذُ العصْر الْجاهليّ حتّىٰ عصْر التدْوين في نهاية القرْن الثّاني وأوائل القرن الثالث للهجْرة على يد علماء مدرستي البصرة والكُوفة"، ثُم يُكرّرُ هذا الكلام أوْ قريبًا منْهُ في (57). بلْ تدبّرْ قوله - في (74): "انطلق الشعْرُ الجاهليُّ ... عبر رافديْن أو مرحلتين، هُما: الروايةُ الشفويةُ، والتدوينُ. أمّا الروايةُ الشفويةُ فكانت الوسيلة الأساسية لحفْظه مُنذُ العصر الجاهليّ حتّى عصر التدْوين في نهاية القرن الثالث للهجْرة" – تجدْهُ يُكرّرُ كلام المستشرقين لا يُجاوزُهُ قيد أُنملةٍ؛ وفي هذا المسْلك الكتابيّ ما يُؤكّدُ أنّ إلْحاح المستشرقين على رُؤيةٍ ما يُؤتي أُكُلهُ، ويتلقّاهُ العقْلُ العربيُّ – إلّا ما ندر – على أنّه مُسلّمةٌ لا تقبلُ جدلًا أوْ مُراجعةً.

أما وقدْ سلمتْ للمُستشرقين فكرةُ (شفهيّة الشّعْر الجاهليّ)؛ فقدْ غدوْا على حردٍ يلمزُون الرُّواة العرب، ويتّهمُون حفْظهم وذاكرتهُمْ، وكان أوّل ما لمزُوا به الرُّواة العرب هُو طُولُ فترة الرّواية، وهذا الطُّولُ وحْدهُ كافٍ كيْ تُنسىٰ القصائدُ أوْ بعضُها، أوْ تُشوّه أوْ تُزيّف، أوْ ينالها التّغييرُ والتّبديلُ، ولعلّنا قد لحظْنا تأكيد نُولدكه وألفرْت في كلامهما السّالف تأخُّر حركة التّدوين لدىٰ العرب إلى القرن الثاني الْهجْريّ، يبغيان بذلك الإلْماح إلى ضياع الشّعْر الجاهليّ قبْل أنْ يُدركهُ العربُ بالتدْوين، وقد حطب مرجليُوثُ في حبالهم؛ فقال: "وليْس لديْنا سببٌ للتفكير بأنّ مثْل هذه المهْنة [يقْصدُ رواية الأشْعار] كانتْ موجُودةً، أوْ أنّها يُمكنُ أنْ تزدهر في العُقُود الأُولى من الإسْلام.

لقد ألْغى الإسْلام كُلّ ما كان قبله، ويُقررُ القُرآنُ أنّ أُولئك الذين اتبعُوا الشعراء هُمْ ضالُّون، ولهْجتُهُ تجاههُم قاسيةٌ ومُزدريةٌ، ولأجْل ذلك فقدْ كان هُناك سببٌ قويٌّ لنسْيان الشّعْر الجاهليّ، إذا وُجد حقًّا شعْرٌ جاهليٌّ" [أصولُ الشعر العربي: 56]. وليس يخفىٰ أنّ الجملة الأخيرة في كلام مرجليُوث السّالف؛ تفْضحُ غايتهُ وبواعثهُ؛ فهُو لا يُؤمنُ بوُجُود شيْءٍ اسمُهُ (الشّعْرُ الجاهليُّ)! 

اتّهامُ الذّاكرة العربيّة

انتهىٰ المستشرقون إلىٰ أن الشّعْر الجاهليّ نُقل إلينا نقْلًا شفهيًّا، وأنّ كتابتهُ تأخّرتْ حتّىٰ القرن الثّاني الْهجريّ؛ ومن ثمّ طفقُوا يتهمُون الذاكرة العربية في قُدرتها علىٰ حفْظ قصائد الشّعْر الجاهليّ هذه المدّة الطويلة دُون تدوينٍ، وأقلُّ ما يُفْهمُ منْ ذلك أنّ ما لدينا منْ شعْرٍ جاهليٍّ غير موثُوقٍ، يقُولُ نُولدكه: "وطالما بقيت القصائدُ حيّةً في أفْواه الشّعْب، فإنّها مُعرّضةٌ لكلّ مصائر الأدب الشّعبيّ. ذلك أنهُ مهما يكُنْ منْ قُوّة الذّاكرة عنْد العرب، كما هي الْحالُ عنْد كُلّ الشُّعُوب الموهُوبة التي تنْدرُ أوْ تنعدمُ فيها الكتابةُ، ممّا لا نسْتطيعُ أنْ نتصوّرهُ في عصرنا الحاضر الغارق في الكتابة، فإنّ أقْوىٰ الذّاكرات لا تستطيعُ أنْ تحُول دُون حُدوث تغييراتٍ تدريجيةٍ قويةٍ فيما تحفظُ". [دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: 21].

وقدْ يكُونُ اتّهامُ نُولدكه الرواة العرب أهْون تُهْمةٍ رُمي بها رُواةُ الشّعر العربيّ؛ لأنّ هذه التُّهمة من البدهيّات أوّلًا، فهي تُؤكّدُ جانب النقْص المسْتولي علىٰ كلّ الْبشر عربًا وغير عربٍ؛ ولأنّ نُولدكه – ثانيًا – لمْ يخصّ العرب وحدهُم بضعْف الذّاكرة، ومنْ ثم يُمكنُ أنْ تُساغ تلْك التُّهْمة لو ثبت أنّ العقْل العربيّ اعتمد علىٰ الرواية الشّفهيّة وحْدها في حفْظ الشّعْر الجاهليّ، ونقْله إلىٰ الأجيال المتعاقبة.

من اتّهام ذاكرة الرُّواة إلىٰ اتّهام أخْلاقهمْ

لمْ تكُن المشْكلةُ في اتّهام ذاكرة الرُّواة بقدْر ما كانتْ في اتّهام أخْلاقهمْ؛ وقدْ تولّىٰ مرجليوثُ كبْر اتّهام الرواة العرب في أخْلاقهمْ، وخبْءُ هذه التُّهمة أنّها تُوحي بالتعصُّب ضدّ العرب وثقافتهم، ناهيك بأنّها قد تُومئُ إلىٰ أنّ نحْل الشّعْر الجاهليّ قد كان عنْ عمْدٍ وقصْدٍ، ولمْ يكُنْ نتيجة خطأٍ ونسيانٍ؛ وفي ذرْعنا أنْ نحْمل قول ألفرْت عن القصائد الجاهلية بأنّ: "روايتها انتقلتْ منْ فمٍ إلىٰ فمٍ ممّا عرّضها لأغلاطٍ غير مقصودةٍ أوْ لتزييفاتٍ مقصُودةٍ" [دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: 36] – علىٰ المحْمل الحسن الذي حملْنا عليه اتّهام نُولدكه.

لكنْنا نتريّثُ كثيرًا أمام كلام مرجليوث، وهُو يتهمُ الرواة العرب أجْمعين - ولا يستثْني - بالكذب وعدم الثقة في مرويّاتهم، ولا ينبغي أنْ يُفهم منْ كلامنا هذا أنّنا نقُولُ بعصمة الرواة العرب، وبراءتهمْ منْ كُلّ نقيصةٍ؛ ولكنّنا نرفضُ التّعميم؛ ناهيك بأنّ قراءة كلام مرجليوث في سياقه تؤكّدُ تعصُّبه ضدّ الثقافة العربية، وافتقادهُ للموضُوعيّة، ومنْ ثمّ يحرصُ الحرص كُلّه علىٰ تقويض الشّعْر الجاهليّ؛ فهُو أوّلًا يُسيءُ فهْم موقف القرآن من الشُّعراء، ويُفسّرُهُ تفسيرًا مُغْرضًا، فيؤْمنُ ببعْضه، ويتجاهلُ بعضهُ الآخر؛ فلقدْ عُني باتّهام القُرآن الشُّعراء بالغواية، وسكت عن اسْتثناء القُرآن للشعراء الذين آمنُوا وعملُوا الصّالحات وانتصرُوا منْ بعد ما ظُلمُوا.

يقُولُ مرجليوثُ: "والقُرآنُ يُقرّرُ أنّ الذين يتبعُون الشعراء غاوُون، وكلامُهُ عن الشُّعراء فيه شدّةٌ وازْدراءٌ، فكان هُناك - إذنْ - سببٌ قويٌّ لنسيان الشعْر الجاهليّ، إنْ كان قد بقي منْهٌ شيْءٌ" [دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: 78] . ثُمّ ما عتّم مرجليُوثُ حتّىٰ أضاف سببًا آخر لنسْيان الشّعْر الجاهليّ وضياعه، وهُو عدمُ جدارة الرُّواة العرب بالثقة أو التصْديق، وقد سماهُم (البدْو) إمْعانًا في ازْدرائهمْ، فقال: "والحقُّ أنّ أمثال هذه القصائد تميلُ نحْو النّسيان؛ إلّا إذا سُجّلتْ كتابةً. ثُمّ إنّ البدْو كان يُنظرُ إليهمْ علىٰ أنّهُمْ غيرُ جديرين بالثقة وأنّهُم مُتهوّرُون في أقوالهم عن الأشعار؛ ومنْ هُنا فإنّ نُقولهُم الشّفويّة لا تلقىٰ إلّا القليل من التصْديق بها" [الصفحة السابقة نفسها].

وفي موضعٍ تالٍ يتهمُ مرجليُوثُ رُواة الشّعر الجاهليّ بضعْف الوازع الدّيني، ممّا كان سببًا في انتحال الشعْر ووضْعه علىٰ لسان الجاهليّين، يقُولُ مرجليُوثُ: "والجمّاعُون الأوائلُ للشّعْر كانُوا - مثْل حمّادٍ - في الغالب أشْخاصًا ذوي وازعٍ دينيٍّ ضعيفٍ في انتحال الشّعْر". [دراسات المستشرقين: 84].

وفي موْضعٍ ثالثٍ يُفسّرُ اختلاف أحْجام القصائد بفساد ذمم الرُّواة، فيقُولُ: "ونظرًا إلىٰ فساد ذمّة منْ ينشُرون القصائد علىٰ الناس، فإنّ أحْجامها كانتْ تختلفُ كثيرًا". وإذا عنّ لهُ أنْ يستثْني بعْضهُم لصلاح ذمّتهمْ أوْ قُوّة وازعهم الدّينيّ، راح يُشكّكُ في مصادرهمْ، ولا سيّما أنّ الإسْلام قدْ قطع صلتهُمْ بالْماضي؛ ممّا يعْني أنّ مرجليوث يأبىٰ إلّا أنْ يدفن (الشّعْر الجاهليّ) دُون صلواتٍ!! يُنْبيك بذلك قولُه: "أما أنّ بعْض الرواة كانُوا ذوي ذمّةٍ ووازعٍ، وعلىٰ الرغْم من الإغراءات، بل كانُوا ذوي نزعةٍ نقديّةٍ، فأمْرٌ يُمكنُ الإقْرارُ به إنّهُمْ لمْ يصْنعُوا شعرًا، وقبلُوا في مجاميعهمْ ما اعتقدُوا أنّه آثارٌ صحيحةٌ من القديم. بيْد أنّ هذا يعُودُ بنا إلىٰ السُّؤال عنْ مصادرهم. لقدْ كانتْ رسالةُ مُحمّدٍ حادثًا هائلًا في حياة العرب، وكانتْ تتضمّنُ قطْعًا للصّلة بالْماضي" [دراسات المستشرقين: 88].

لقدْ نقلنا كثيرًا من اتّهامات مرجليوث للرُّواة العرب، لأنّه كان أكثر المستشرقين هُجومًا علىٰ الشّعْر الجاهليّ ورُواته، وإنْ لم يكُنْ في اتّهامهم بواحدٍ ولا أوّل؛ فهذا جُولدتسيهر يكتُبُ مُقدمةً لديوان الحطيئة، ويؤكّدُ فيها أنّه لا يثقُ في رُواة الشّعْر العربيّ؛ حيْثُ أشار إلىٰ قضيّة انتحال الشعْر فقال: "بيد أنّه من المتعذّر عليْنا أنْ نتعقّب شُعراء الجاهليّة القُدماء في هذا الأمْر (أمْر الانتحال).

والأسْهلُ منْ هذا هُو أنْ نتناول الشعراء المخضْرمين وننظُر كيْف اعْتمدُوا علىٰ النّماذج الأقدم، وإنْ كان هُناك صُعوباتٌ كبيرةٌ في القيام بذلك بسبب عدم الثقة بصدْق الرّوايات ودقّتها، وسبب كثرة القطع المضافة حشْوًا في القصائد، وحين نعثُرُ علىٰ مُحاكاةٍ لشاعرٍ جاهليٍّ، فقد يحدُثُ ألّا تكُون هذه مُحاكاةً، بلْ تكُونُ مأْخُوذةً عنْ شعْرٍ صنعهُ راوٍ مُتأخرٌ ونسبهُ إلىٰ هذا الشّاعر" [دراسات المستشرقين: 162].

ولا تعْجب بعْد كلام المسْتشرقين السّالف - ولمْ نستقْص كُلّ ما قالُوا - أنْ تجد المفتُونين بكلامهمْ يُردّدُون اتّهاماتهم للرُّواة، ويكفي أنْ نستدلّ بكلام اثنين منْ رُوّاد الدرْس الأدبيّ الحديث؛ وأوّلُهُم د. طه حُسين؛ حيثُ يتّهُم رواة الشعْر العربي في أخلاقهم ودينهم، ففي كتابه (في الأدب الجاهليّ) مبْحثٌ بعنوان [الرواةُ ونحْلُ الشّعْر]، تحدّث فيه عن الأشخاص الذين نقلُوا أدب العرب ودوّنُوهُ فكانُوا سببًا في نحْله والعبث به، وهو يصفُ أولئك الأشخاص فيقُولُ: "وهؤلاء الأشخاصُ هُمُ الرواةُ.

وهُمْ بين اثنتين: إمّا أنْ يكُونُوا من العرب، فهُمْ مُتأثّرون بما كان يتأثّر به العربُ. وإمّا أنْ يكُونُوا من الموالي، فهُمْ مُتأثّرون بما كان يتأثّرُ به الموالي منْ تلْك الأسباب العامّة. وهُمْ علىٰ تأثُّرهمْ بهذه الأسْباب العامّة مُتأثرون بأشْياء أُخْرىٰ هي التي أُريدُ أنْ أقف عنْدها وقفاتٍ قصيرةً كما قُلْتُ. ولعلّ أهمّ هذه المؤثّرات التي عبثتْ بالأدب العربيّ وجعلتْ حظّه من الْهزْل عظيمًا: مُجونُ الرواة وإسْرافُهُمْ في اللّهْو والعبث وانصرافُهُمْ عنْ أُصُول الدّين وقواعد الأخْلاق إلىٰ ما يأباهُ وتُنكرُهُ الأخْلاقُ" [ص 168].

وأمّا ثانيهم فهُو الأستاذُ أحْمدُ أمين، وفي كلامه ما يُشْعرُ بتبعيّته للْمُستشرقين في موقفهم من رُواه الشّعْر العربيّ؛ فلا يكادُ يُجاوزُ كلامهُمْ، وانْظُرهُ يقُولُ: "أليْس الشّعْرُ الجاهليُّ قدْ ظلّ غير مكتُوبٍ نحْو قرنين، وظلّتْ تتناولُهُ الرُّواةُ شفاهًا، ونحْنُ نعْلمُ ما في هذا منْ تعرُّضٍ للخطأ والتّغْيير؟ ثُمّ أليْس هُناك دواعٍ تحملُ رُواة الشّعْر وغيرهُمْ علىٰ الانْتحال منْ دينيّةٍ وسياسيّةٍ وجنْسيّةٍ؟" [فجْر الإسلام: 58].. وللحديث بقيّةٌ.

اقرأ أيضًا:

- سطْوةُ الاسْتشْراق علىٰ العقْل الأدبيّ العربيّ (1)

- سطْوةُ الاسْتشْراق علىٰ العقْل الأدبيّ العربيّ (2)

- سطْوةُ الاسْتشْراق علىٰ العقْل الأدبيّ العربيّ (3)

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة